الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب المبادلة بالماشية والصدقة منها

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو حال الحول عليها ثم بادل بها أو باعها ففيها قولان : أحدهما ، أن مبتاعها بالخيار بين أن يرد البيع بنقص الصدقة ، أو يجيز البيع ، ومن قال بهذا قال : فإن أعطى رب المال البائع المصدق ما وجب عليه فيها من ماشية غيرها فلا خيار للمبتاع ؛ لأنه لم ينقص من البيع شيء . والقول الثاني : أن البيع فاسد ؛ لأنه باع ما يملك وما لا يملك فلا يجوز إلا أن يجددا بيعا مستأنفا " .

[ ص: 199 ] قال الماوردي : صورة هذه المسألة : في رجل معه نصاب باعه بعد وجوب زكاته كأربعين شاة ، أو ثلاثين بقرة ، أو خمسة أوسق ، أو عشرين دينارا أو مائتي درهم . فهذا على ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يبيعها بعد أداء الزكاة عنها .

والثاني : أن يبيعها بعد اشتراط الزكاة منها .

والثالث : أن يبيع جميعها بيعا مطلقا ، فأما القسم الأول إذا باعها بعد أداء الزكاة عنها فالبيع في جميعها جائز ؛ لأنه قد أسقط حق المساكين منها ، وصار جميعها ملكا له خالصا .

والقسم الثاني : أن يبيعها ويشترط على المشتري أداء الزكاة منها ، فهذا على ضربين :

أحدهما : أن يبيعه الجميع ويشترط عليه دفع الزكاة ، فهذا بيع باطل ، وشرط باطل ؛ لأنه شرط على المشتري تحمل الزكاة عنه ، وذلك ينافي موجب العقد .

والضرب الثاني : أن يستثني قدر الزكاة من البيع ، ويوقع العقد على ما سوى قدر الزكاة ، فهذا على ضربين :

: أحدهما : أن يكون المبيع مما تتماثل أجزاؤه كالحبوب والدراهم والدنانير ، فهذا بيع جائز سواء كان قدر الزكاة معينا أو شايعا .

والضرب الثاني : أن يكون مما تتفاضل أعيانه ولا تتفاضل أجزاؤه كالماشية ، فذلك ضربان :

أحدهما : أن يعين ما استثناه للزكاة .

والثاني : أن لا يعين ، فإن عين قدر الزكاة منها وقال : قد بعتك هذه الأربعين الشاة إلا هذه الشاة وأشار إليها فهذا بيع جائز لتميز المبيع من غيره ، وإن لم يعين قدر الزكاة بل قال بعتكها إلا شاة لم يشر إليها لم يخل حال الغنم من أحد أمرين : إما أن تكون مختلفة الأسنان أو متساوية ، فإن اختلفت الغنم فكان بعضها صغارا وبعضها كبارا فالبيع باطل ، للجهل بالمعقود عليه ، وإن تساوت الغنم في الأسنان وتقاربت في الأوصاف ، فكان جميعها كبارا أو صغارا ففي البيع وجهان :

أحدهما : أن البيع جائز لأنها إذا كانت بهذا الوصف شابهت الحبوب .

والثاني : وهو أظهر أن البيع باطل ؛ لأنها وإن تساوت في الأسنان فقد تختلف في السمن ، وليس كذلك الحبوب المتماثلة الأجزاء ، وهذان الوجهان مخرجان من اختلاف قولي الشافعي في جعل إبل الصدقة صداقا .

[ ص: 200 ] والقسم الثالث : أن يبيع جميعها بيعا مطلقا . فهل الأداء من غير ما استثنى فهي مسألة الكتاب ، وهي مبنية على أصلين ، كل أصل منهما على قولين :

أحد الأصلين اختلاف قول الشافعي في الزكاة ، هل تجب في الذمة أو في العين ؟

والأصل الثاني : اختلاف قول الشافعي في جواز تفريق الصفقة إذا جمعت شيئين متغايرين حلالا وحراما ، أو ملكا ومغصوبا ، فإذا تقرر هذان الأصلان فالمسألة تشتمل على فصلين :

أحدهما : قدر الزكاة .

والثاني : ما عدا قدر الزكاة ، فأما قدر الزكاة ففي بيعه قولان بناء على اختلاف قوله في الزكاة هل وجبت في الذمة أو في العين ؟

أحدهما : باطل إذا قيل : إنها وجبت في العين وجوب استحقاق .

والثاني : جائز إذا قيل : إنها وجبت في الذمة وجوبا لا تعلق للعين بها ، فإذا قيل بجواز البيع في قدر الزكاة فهو في الباقي أجوز ، وإذا قيل : ببطلان البيع في قدر الزكاة ، ففيما عدا قدر الزكاة قولان بناء على تفريق الصفقة .

أحدهما : جائز .

والثاني : باطل ، ولبطلانه علتان :

إحداهما : أن اللفظة جمعت حلالا وحراما ، فعلى هذا لا فرق بين أن يكون المبيع ماشية يتقسط الثمن على قيمتها ، أو حبوبا يتقدر الثمن على أجزائها .

والعلة الثانية : أنه باطل لجهالة الثمن ، فعلى هذا إن كانت ماشية يتقسط الثمن على قيمتها فالبيع باطل ، وإن كانت حبوبا يتقدر الثمن على أجزائها فالبيع جائز ؛ لأن من باع قفيزين أحدهما مملوك والآخر مغصوب بدرهمين ، فمعلوم أن ثمن المملوك درهم ، وليس فيه جهالة ، ولو باعه عبدين أحدهما مملوك والآخر مغصوب بألف درهم فثمن المملوك مجهول ؛ لأن الألف يتقسط على قيمتها ، فإذا قيل ببطلان البيع في الجميع ارتفع العقد وكان المبيع على ملك البائع ، وإذا قيل ببطلان البيع في قدر الزكاة ، وجواز البيع في الباقي ، فإذا اشترى بالخيار بين الإقامة والفسخ لدخول النقص وتفريق الصفقة ، فإن فسخ رجع المبيع إلى البائع والثمن إلى المشتري ، وإن أقام فهل يأخذ الباقي بجميع الثمن أو بحساب ما بقي وقسطه على قولين :

[ ص: 201 ] أحدهما : بجميع الثمن ، كمن ابتاع عبدا فقطعت يده قبل القبض ، فللمشتري أخذه بجميع الثمن ، وإلا فسخ .

والقول الثاني : له أن يأخذه بحساب ما بقي وقسطه من ثمنه ، كمن ابتاع قفيزين فتلف أحدهما أخذ الباقي بنصف الثمن ، وإذا قيل بجواز البيع في الجميع نظر فإن أخرج البائع الزكاة من ماله لزم البيع في الكل ، وإن لم يخرجها من ماله حتى أخذها الإمام من المال المبيع بطل البيع حينئذ في القدر المأخوذ ، واختلف أصحابنا فيما بقي فقال بعضهم يكون على قولين من تفريق الصفقة على ما مضى وهو مذهب أبي إسحاق : لأنه يجعل حدوث تفريق الصفقة بعد القبض كالمقترن بالعقد ، وهذا مذهب تفرد به ، وذهب سائر أصحابنا إلى أنه لا يجعل حدوث تفريق الصفقة بعد العقد كالمقترن بالعقد ، بل لا تفرق الصفقة في الحادث ، قولا واحدا لعدم العلتين في جواز بطلانه ، ثم على ما مضى .

وقال آخرون : بل البيع فيما بقي جائز قولا واحدا ، لأننا أبطلنا بيع ما بقي هناك ، إما لجهالة الثمن ، أو لأن اللفظة جمعت حلالان وحراما وهما معدودان في هذا الموضع : لأن العقد جمع حلالا كله ، والثمن في وقت العقد معلوم وإنما سقط بعضه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث