الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في التكليف

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( فصل . التكليف لغة : إلزام ما فيه مشقة ) فإلزام الشيء ، والإلزام به : هو تصييره لازما لغيره ، لا ينفك عنه مطلقا ، أو وقتا ما . قال في القاموس : والتكليف : الأمر بما يشق ، وتكلفه تجشمه . وقال أيضا : ألزمه إياه فالتزمه ، إذا لزم شيئا لا يفارقه ( و ) التكليف ( شرعا ) أي : في اصطلاح علماء الشريعة [ ص: 152 ] ( إلزام مقتضى خطاب الشرع ) فيتناول الأحكام الخمسة : الوجوب والندب ، الحاصلين عن الأمر ، والحظر والكراهة ، الحاصلين عن النهي . والإباحة الحاصلة عن التخيير ، إذا قلنا إنها من خطاب الشرع ، ويكون معناه في المباح وجوب اعتقاد كونه مباحا ، أو اختصاص اتصاف فعل المكلف بما دون فعل الصبي والمجنون ( والمحكوم به ) على المكلف ( فعل بشرط إمكانه ) الحكم الشرعي في أصول الفقه يتعلق بالبحث فيه النظر في أشياء . الأول : النظر في الحاكم ، وهو الله سبحانه وتعالى . الثاني : النظر في المحكوم عليه ، وهو العبد المكلف .

الثالث : النظر في المحكوم به ، وهو الفعل ، وشرطه أن يكون ممكنا ، ويستدعي ذلك : أن الفعل غير المقدور عليه هل يصح التكليف به أو لا ؟ ويسمى التكليف به : التكليف بالمحال ، وهو أقسام . أحدها : أن يكون ممتنعا لذاته ، كجمع الضدين ، وإيجاد القديم وإعدامه ونحوه مما يمتنع تصوره . فإنه لا يتعلق به قدرة مطلقا . ثانيها : ما يكون مقدورا لله تعالى كالتكليف بخلق الأجسام وبعض الأعراض . ثالثها : ما لم تجر عادة بخلق القدرة على مثله للعبد مع جوازه كالمشي على الماء ، والطيران في الهواء . رابعها : ما لا قدرة للعبد عليه حال توجه الأمر

وله القدرة عليه عند الامتثال . كبعض الحركات . خامسها : ما في امتثاله مشقة عظيمة كالتوبة بقتل النفس . إذا تقرر هذا ( فيصح ) من ذلك التكليف ( بمحال لغيره ) إجماعا ، كتكليف من علم الله سبحانه وتعالى أنه لا يؤمن بالإيمان وذلك لأن الله تعالى أنزل الكتاب ، وبعث الرسل بطلب الإيمان والإسلام من كل واحد ، وعلم أن بعضهم لا يؤمن . و ( لا ) يصح التكليف من ذلك بمحال ( لذاته ) وهو المستحيل العقلي ، كالجمع بين الضدين ( و ) لا بمحال ( عادة ) كالطيران في الهواء والمشي على الماء ونحوهما عند الأكثر . واختاره ابن الحاجب والأصفهاني ، وأكثر المعتزلة .

وحكي عن نص الشافعي ، وأبي حامد وأبي المعالي ، وابن حمدان في نهاية المبتدئين وقال أكثر الأشعرية والطوفي من أصحابنا : بصحة التكليف بالمحال مطلقا قال الآمدي : وهو لازم أصل الأشعرية في وجوب مقارنة القدرة للمقدور بها وأنه مخلوق لله تعالى [ ص: 153 ] وقال الآمدي وجمع من العلماء : يجوز التكليف بالمحال عادة ولم يستثنوا ( إلا ) المحال ( عقلا ) وإلى هذا القول أشير في المتن بقوله ( في وجه ) وجه المذهب الأول - وهو المنع في المحال لذاته وعادة - قوله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وروى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه لما نزل { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } اشتد ذلك على الصحابة . وقالوا لا نطيقها وفيه أن الله تعالى نسخها فأنزل الله سبحانه وتعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } وفيه عقب كل دعوة قال : نعم " وفي رواية : قال " قد قلت " قال بعض أصحابنا . قيل : المراد به ما يثقل ويشق ، كقوله صلى الله عليه وسلم في المملوك { لا يكلف من العمل ما لا يطيق } رواه مسلم ، وكقوله { لا تكلفوهم ما يغلبهم . فإن كلفتموهم فأعينوهم } متفق عليه

. واحتجت الأشعرية بسؤال رفع التكليف على جواز التكليف بالمستحيل لغيره . واحتج بعض أصحابنا والآمدي وغيرهما بأنه لو صح التكليف بالمستحيل لكان مطلوب الحصول ، لأنه معناه .

وهو محال لعدم تصور وقوعه ، لأنه يلزم تصور الشيء على خلاف ماهيته ، واستدعاء حصوله فرع تصور وقوعه . فإن قيل : لو لم يتصور لم يحكم بكونه محالا . لأن الحكم بصفة الشيء فرع تصوره ؟ . قيل : الجمع المتصور المحكوم بنفيه على الضدين : هو جمع المختلفات التي ليست بمتضادة ، ولا يلزم من تصوره منفيا عن الضدين تصوره ثابتا لهما ، لاستلزامه التصور على خلاف الماهية . وحيث قيل بجواز التكليف بالمحال لذاته ، فعند الأكثر أنه لم يقع . قال ابن الزاغوني والمجد : المحال لذاته ممتنع سمعا إجماعا ، وإنما الخلاف في الجواز العقلي والاسم اللغوي . والقول الثاني : أنه واقع قال أبو بكر عبد العزيز من أصحابنا : الله تعالى يتعبد خلقه بما يطيقون وما لا يطيقون . وكذا قال أبو إسحاق بن شاقلا ، واحتج بقوله [ ص: 154 ] تعالى { ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } وعلى القول بجواز التكليف بالممتنع عادة قيل : إنه واقع . وقيل : لم يقع

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث