الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب اشتراء الصدقة والعود فيها

جزء التالي صفحة
السابق

باب اشتراء الصدقة والعود فيها

حدثني يحيى عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال سمعت عمر بن الخطاب وهو يقول حملت على فرس عتيق في سبيل الله وكان الرجل الذي هو عنده قد أضاعه فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص فسألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه

التالي السابق


26 - باب اشتراء الصدقة والعود فيها

624 622 - ( مالك ، عن زيد بن أسلم ) العدوي مولاهم المدني ، عن أبيه أسلم المخضرم مولى عمر ، مات سنة ستين وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة ( أنه قال : سمعت عمر بن الخطاب وهو يقول حملت ) رجلا ( على فرس ) أي : تصدقت به ووهبته له ليقاتل عليه ( عتيق ) أي : كريم سابق ، والجمع عتاق ، والعتيق الفائق من كل شيء ، واسم هذا الفرس الورد أهداه تميم الداري للنبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه عمر فحمل عليه ، أخرجه ابن سعد ، عن سهل بن سعد ، ولا يعارضه ما رواه مسلم ، ولم يسق لفظه ، وساقه أبو عوانة ، عن ابن عمر : أن عمر حمل على فرس فأعطاه صلى الله عليه وسلم رجلا لأنه يحمل ، على أن عمر لما أراد أن يتصدق به فوض إليه صلى الله عليه وسلم اختيار من يتصدق به عليه أو استشاره في من يحمله عليه فأشار عليه فنسبت إليه العطية لكونه أمر بها ( في سبيل الله ) الجهاد لا الوقف فلا حجة فيه لمن أجاز بيع الموقوف إذا بلغ غاية لا يتصور الانتفاع به فيما وقف له ( وكان الرجل الذي هو عنده ) أي : الذي حمله عليه ، قال الحافظ : لم أقف على اسمه ( قد أضاعه ) أي : لم يحسن القيام عليه وقصر في مؤنته وخدمته ، وقيل : لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته ، وقيل : معناه استعمله في غير ما جعل له ، والأول أظهر ، ويدل له رواية مسلم من طريق روح بن القاسم ، عن زيد بن أسلم : فوجده قد أضاعه ؛ وكان قليل المال ، فأشار إلى علة ذلك وإلى عذره في إرادة بيعه ، انتهى .

وقال الباجي : أي لم يحسن القيام عليه ، وهذا يبعد في حق الصحابة إلا لعذر ، أو صيره ضائعا من الهزال لفرط مباشرة الجهاد والإتعاب له فيه .

( فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص ) بضم الراء ، مصدر رخص السعر وأرخصه الله فهو رخيص ، ( فسألت عن ذلك [ ص: 212 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا تشتره ) بلا ياء قبل الهاء جزم على النهي ، ولابن مهدي : لا تبتعه ( وإن أعطاكه بدرهم واحد ) مبالغة في رخصه وهو الحامل له على شرائه ، ويستفاد منه أن البائع ملكه ولو كان وقفا كما قيل ، وجاز له بيعه لأنه لا ينتفع فيما حبس عليه لما كان له بيعه إلا بالقيمة الوافرة ، ولا كان له أن يسامح منها بشيء ولو كان المشتري هو المحبس .

ويستفاد من التعليل المذكور أيضا أنه لو وجده مثلا يباع بأغلى من ثمنه لم يتناوله النهي كذا في الفتح .

وفي رواية التنيسي : لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم .

وعليها سأل ابن المنير أن الأغياء في النهي عادته أن يكون بالأخفى والأدنى كقوله تعالى : فلا تقل لهما أف ( سورة الإسراء : الآية 23 ) ولا خفاء أن إعطاءه إياه بدرهم أقرب إلى الرجوع في الصدقة مما إذا باعه بقيمته ، وكلامه صلى الله عليه وسلم هو الحجة في الفصاحة ، وأجاب بأن المراد : لا تغلب الدنيا على الآخرة وإن وفرها معطيها ، فإذا زهد فيها وهي موفرة فلأن يزهد فيها وهي مقترة أولى ، فهذا على وفق القاعدة .

( فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه ) الفاء للتعليل ؛ أي : كما يقبح أن يقيء ثم يأكل ، كذلك يقبح أن يتصدق بشيء ثم يجره إلى نفسه بوجه من الوجوه ، فشبه بأخس الحيوان في أخس أحواله تصويرا للتهجين وتنفيرا منه ، وبه استدل على حرمة ذلك ؛ لأن القيء حرام .

قال القرطبي وغيره : وهو الظاهر من سياق الحديث . وذهب الجمهور إلى الكراهة ؛ لأن فعل الكلب لا يوصف بتحريم لعدم تكليفه ، فالتشبيه للتنفير خاصة ؛ لأن القيء مما يستقذر ، ووجه الشبه أنه أخرج في الصدقة أوساخه وأدناسه ، فأشبه تغير الطعام إلى حال القيء ، وألحق بالصدقة ما شابهها من كفارة ونذر وغيرهما من القربات ، وبالشراء الهبة ونحوها مما يتملكه باختياره ، وأما إذا ورثه فلا كراهة ، وأبعد من قال يتصدق به ، قال الطبري : يخص من عموم هذا الحديث من وهب بشرط الثواب ، ووالد وهب ولده ، والهبة التي لم تقبض والتي ردها الميراث إلى الواهب لثبوت الأخبار باستثناء كل ذلك ، وما عدا ذلك كالغني يهب الفقير ، ونحو من يصل رحمه فلا رجوع لهؤلاء ، ومما لا رجوع فيه مطلقا الصدقة يراد بها ثواب الآخرة ، واستشكل ذكر عمر لذلك مع ما فيه من إذاعة عمل البر وكتمانه أرجح ، وأجيب بأنه تعارض عنده المصلحتان ؛ الكتمان وتبليغ الحكم الشرعي ، فرجح الثاني فعمل به ، وتعقب بأنه كان يمكنه أن يقول : حمل رجل رجلا على فرس مثلا ، ولا يقول : حملت فيجمع بين المصلحتين ، قال الحافظ : والظاهر أن محل رجحان الكتمان إنما هو قبل الفعل وعنده ، وأما بعد وقوعه فلعل الذي أعطيه أذاع ذلك فانتفى الكتمان ، ويضاف إليه أن في إضافة ذلك إلى نفسه تأكيدا لصحة الحكم المذكور ؛ لأن الذي تقع له القصة أجدر بضبطها ممن ليس عنده إلا وقوعها بحضوره ، [ ص: 213 ] فلما أمن ما يخشى من الإعلان بالقصد صرح بإضافة الحكم إلى نفسه ، ويحتمل أن محل ترجيح الكتمان إن خشي على نفسه من الإعلان العجب والرياء ، أما من أمن ذلك كعمر فلا ، انتهى .

وهذا الحديث أخرجه البخاري في الزكاة عن عبد الله بن يوسف ، وفي الهبة عن يحيى بن قزعة - بفتح القاف والزاي والمهملة - ، وفي الجهاد عن إسماعيل ، ومسلم في الوصايا والصدقة عن القعنبي ومن طريق ابن مهدي ، الخمسة عن مالك به .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث