الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

738 [ ص: 88 ] ( 9 ) باب العمل في الإهلال

699 - ذكر فيه مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر . أن تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك " .

قال : وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها . لبيك لبيك . لبيك وسعديك . والخير بيديك لبيك . والرغباء إليك والعمل
.

[ ص: 89 ]

التالي السابق


[ ص: 89 ] 15543 - كذا روى هذا الحديث جماعة رواة عن مالك وكذلك رواه أصحاب نافع ، أيضا .

15544 - ورواه ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

15545 - وروى ابن مسعود ، وجابر بن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل هذا في تلبية رسول الله ( عليه السلام ) دون زيادة ابن عمر من قوله .

15546 - وفي حديث أبي هريرة زيادة " لبيك إله الحق " .

15547 - واختلفت الروايات في فتح " إن " وكسرها ، وقوله " إن الحمد [ ص: 90 ] والنعمة لك " . وأهل العربية يختارون في ذلك الكسر .

15548 - وأجمع العلماء على القول بهذه التلبية ، واختلفوا في الزيادة فيها .

15549 - فقال مالك : أكره أن يزيد على تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

15550 - وهو أحد قولي الشافعي .

15551 - وقد روي عن مالك : أنه لا بأس أن يزاد فيها ما كان ابن عمر يزيده في هذا الحديث .

15552 - وقال الشافعي : لا أحب أن يزيد على تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا شيئا يعجبه ، فيقول : لبيك إن العيش عيش الآخرة .

15553 - وقال الثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه ، وأحمد بن حنبل ، وأبو ثور : لا بأس بالزيادات في التلبية على تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد فيها ما شاء .

15554 - قال أبو عمر : من حجة من ذهب إلى هذا ما رواه القطان ، عن جعفر بن محمد ، قال : حدثني أبي ، عن جابر بن عبد الله ، قال : أهل رسول الله [ ص: 91 ] - صلى الله عليه وسلم - . . ، فذكر التلبية بمثل حديث ابن عمر .

15555 - قال : والناس يزيدون : لبيك ذا المعارج ونحوه من الكلام ، والنبي ( عليه السلام ) يسمع فلا يقول لهم شيئا .

15556 - واحتجوا أيضا بأن ابن عمر كان يزيد فيها ما ذكره مالك وغيره عن نافع في هذا الحديث .

15557 - وما روي عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول بعد التلبية : لبيك ذا النعماء والفضل الحسن . لبيك مرهوبا منك ، ومرغوبا إليك .

15558 - وعن أنس بن مالك أنه كان يقول في تلبيته : لبيك حقا حقا . تعبدا وزقا .

15559 - ومن كره الزيادة في التلبية احتج بأن سعد بن أبي وقاص أنكر على من سمعه يزيد في التلبية ما لم يعرفه .

وقال : ما كنا نقول هذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
.

15560 - رواه يحيى بن سعيد ، عن ابن عجلان ، قال : حدثني عبد الله بن أبي سلمة ، عن سعد .

[ ص: 92 ] 15561 - قال أبو عمر : من زاد في التلبية ما يجمل ويحسن من الذكر فلا بأس ، ومن اقتصر على تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو أفضل عندي .

15562 - ومعنى التلبية إجابة عباد الله - عز وجل - ربهم فيما فرض عليهم من حج بيته ، والإقامة على طاعته .

15563 - يقال منه قد ألب بالمكان . إذا أقام به .

15564 - وقال الراجز :

لب بأرض ما تخطاها الغنم

.

15565 - وإلى هذا ذهب الخليل .

15566 - قال أبو عمر : وقال جماعة من العلماء : إن معنى التلبية إجابة [ ص: 93 ] إبراهيم - عليه السلام - حين أذن بالحج في الناس .

15567 - روى جرير ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : " لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له : أذن في الناس بالحج . قال : رب وما يبلغ الصوت ؟ قال : أذن وعلي البلاغ . فنادى إبراهيم : أيها الناس ، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق . قال فسمعه ما بين السماوات والأرض . أفلا ترون الناس يجيئون من أقطار الأرض يلبون .

15568 - وروى ابن جريج ، عن مجاهد في قوله تعالي : ( وأذن في الناس بالحج ) [ الحج : 27 ] قال : قام إبراهيم على مقامه ، قال : أيها الناس : أجيبوا ربكم ، فقالوا : اللهم لبيك فمن حج البيت فهو ممن أجاب إبراهيم يومئذ .

15569 - قال أبو عمر : معنى " لبيك اللهم لبيك " أي إجابتي إليك إجابة بعد إجابة .

15570 - ومعنى قول ابن عمر " لبيك وسعديك " أي أسعدنا سعادة بعد سعادة وإسعادا بعد إسعاد .

15571 - وقد قيل : معنى " وسعديك " سعادة لك .

15572 - وكان ثعلب يقول : " إن " بالكسر في قوله : " إن الحمد والنعمة [ ص: 94 ] لك " أحب إلي ; لأن الذي يكسرها يذهب إلى أن الحمد والنعمة لك على كل حال ، والذي يفتح يذهب إلى أن المعنى لبيك إلى أن الحمد لك . أي لبيك ولهذا السبب .

15573 - واستحب الجميع أن يكون ابتداء المحرم بالتلبية بإثر صلاة يصليها .

15574 - وكان مالك يستحب أن يبتدئ المحرم بالتلبية بإثر صلاة نافلة ، أقلها ركعتان ، وكره أن يحرم بإثر الفريضة دون نافلة . فإن أحرم بإثر صلاة مكتوبة فلا حرج .

15575 - وقال غيره : ويحرم بإثر نافلة أو فريضة من ميقاته إذا كانت صلاة يتنفل بعدها ، فإن كان في غير وقت صلاة لم يبرح حتى يحل وقت صلاة فيصلي ثم يحرم إذا استوت به راحلته ، وكان ممن يمشي فإذا خرج من المسجد أحرم .

15576 - وقال العلماء بتأويل القرآن في قوله ( عز وجل ) ( فمن فرض فيهن الحج ) [ البقرة : 197 ] قالوا : الفرض التلبية .

15577 - قاله عطاء ، وطاوس ، وعكرمة ، وغيرهم .

15578 - وقال ابن عباس : الفرض الإهلال ، والإهلال التلبية .

15579 - وقال ابن مسعود وابن الزبير : الفرض الإحرام . وهو كله معنى واحد .

15580 - وقالت عائشة : لا إحرام إلا لمن أحرم ولبى .

15581 - وقال الثوري : الفرض : الإحرام ، والإحرام : التلبية ، والتلبية في الحج مثل التكبير في الصلاة .

[ ص: 95 ] 15582 - قال أبو عمر : اللفظ بالتلبية في حين فرض الإحرام عند الثوري وأبي حنيفة ركن من أركان الحج ، والحج إليها مفتقر ، ولا تجزئ التلبية عنها عندهما . إلا أن أبا حنيفة يجوز عنده سائر الوجوه من التهليل والتكبير والتسبيح عن التلبية كما يفعل في الإحرام بالصلاة .

15583 - ولم أجد عند الشافعي نصا في ذلك ، وأصوله تدل على أن التلبية ليست من أركان الحج عنده .

15584 - وهو قول الحسن بن حي .

15585 - وأوجب التلبية أهل الظاهر : داود ، وغيره .

15586 - وقال الشافعي : تكفي النية في الإحرام بالحج من أن يسمى : حجا ، أو عمرة .

15587 - قال : وإن لبى حجا أو عمرة لحجه يريد عمرة فهي عمرة ، وإن لبى بحج يريد عمرة فهي عمرة ، وإن لبى بعمرة يريد حجا فهو حج ، وإن لبى ليس يريد حجا ولا عمرة فليس بحج ولا عمرة ، وإن لبى ينوي الإحرام ولا ينوي حجا ولا عمرة فله الخيار يجعله أيهما شاء ، وإن لبى وقد نوى أحدهما فنسي ، فهو قارن لا يجزئه غير ذلك .

هذا قول الشافعي .

15588 - قال أبو عمر : ذكر إسماعيل بن إسحاق ، عن أبي ثابت ، قال : قيل لابن القاسم : أرأيت المحرم من مسجد ذي الحليفة إذا توجه من فناء المسجد بعد [ ص: 96 ] أن صلى فتوجه وهو ناس أن يكون في توجهه محرما ؟ .

فقال ابن القاسم : أراه محرما فإن ذكر من قريب لبى ولا شيء عليه ، وإن تطاول ذلك عليه ولم يذكر حتى خرج من حجه رأيت أن يهريق دما .

15589 - قال إسماعيل : وهذا يدل على أن الإهلال للإحرام ليس عنده بمنزلة التكبير للدخول في الصلاة ، لأن الرجل لا يكون داخلا في الصلاة إلا بالتكبير ، ويكون داخلا في الإحرام بالتلبية وبغير التلبية من الأعمال التي توجب الإحرام بها على نفسه ، مثل أن يقول : قد أحرمت بالحج ولعمرة ، أو يشعر الهدي ، وهو يريد بإشعاره : الإحرام ، أو يتوجه نحو البيت وهو يريد بتوجهه : الإحرام ، فيكون بذلك كله وما أشبهه محرما .

15590 - وكان مالك يرى على من ترك التلبية من أول إحرامه إلى آخر حجه دما يهريقه .

15591 - وكان الشافعي وأبو حنيفة لا يريان على من أحرم على ما قدمنا عنهما ، ثم لم يلب إلى آخر الحج شيئا .

وفى هذا الباب :



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث