الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        793 [ ص: 296 ] ( 25 ) باب ما لا يحل للمحرم أكله من الصيد

                                                                                                                        755 - مالك . عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن عبد الله بن عباس ، عن الصعب بن جثامة الليثي ، أنه أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمارا وحشيا ، وهو بالأبواء ، أو بودان . فرده عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما في وجهي قال : " إنا لم نرده عليك ، إلا أنا حرم " .

                                                                                                                        [ ص: 297 ]

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        [ ص: 297 ] 16465 - قال أبو عمر : قد روي عن ابن عباس من حديث سعيد بن جبير ، ومقسم ، وطاوس : أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمارا وحشيا .

                                                                                                                        16466 - قال سعيد بن جبير : " عجز حمار ، فرده يقطر دما " . رواه شعبة عن الحكم بن عتيبة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .

                                                                                                                        16467 - وقال مقسم في حديثه : " رجل حمار وحش " .

                                                                                                                        16468 - وقال عطاء في حديثه : " أهدي له عضد صيد فلم يقبله " .

                                                                                                                        16469 - وقال طاوس في حديثه : " عضو من لحم صيد " .

                                                                                                                        16470 - إلا أن منهم من يجعله عن ابن عباس ، عن زيد بن أرقم .

                                                                                                                        16471 - رواه ابن جريج ، قال : أخبرني حسن بن مسلم بن نياق ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : قدم زيد بن أرقم ، فقال له ابن عباس يستذكره كيف أخبرتني عن لحم أهدي للنبي ( عليه السلام ) حراما ؟ قلت : نعم . أهدى له رجل عضوا من لحم ، فرده عليه ، وقال : " لا نأكله إنا حرم " .

                                                                                                                        [ ص: 298 ] 16472 - قال إسماعيل بن إسحاق : سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه صيد من أجل النبي ( عليه السلام ) ولولا ذاك كان أكله جائزا .

                                                                                                                        16473 - قال سليمان : ومما يدل على أنه صيد من أجله قولهم في الحديث " فرده يقطر دما " كأنه صيد في ذلك الوقت " .

                                                                                                                        16474 - قال إسماعيل : وإنما تأول إسماعيل الحديث الذي فيه أنه أهدي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحم حمار ، وهو موضع يحتمل التأويل .

                                                                                                                        16475 - وأما رواية مالك أن الذي أهدي إليه حمار وحشي فلا يحتاج إلى تأويل ، لأن المحرم لا يجوز له أن يمسك صيدا حيا ، ولا يجوز له أن يذكيه إنما يحتاج إلى التأويل قول من قال : إن الذي أهدي له هو بعض الحمار .

                                                                                                                        16476 - قال إسماعيل : وعلى تأويل سليمان بن حرب تكون الأحاديث كلها المرفوعة غير مختلفة .

                                                                                                                        16477 - قال أبو عمر : الأحاديث المرفوعة في هذا الباب منها حديث عمير بن سلمة في قصة البهزي وحماره العقير ، ومنها حديث أبي قتادة رواه مالك عن أبي النضر ، ومنها حديث الصعب بن جثامة هذا ، وحديث علي بن أبي طالب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهدى له رجل حمار وحش فأبى أن يأكله . وحديث المطلب ، عن جابر يفسرها كلها ، وهو قوله ( عليه السلام ) : ( صيد البر لكم حلال وأنتم حرم [ ص: 299 ] ما لم تصيدوه أو يصد لكم ) .

                                                                                                                        16478 - وأجمع العلماء أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد إذا وهب له بعد إحرامه ، ولا يجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه وهو محرم .

                                                                                                                        16479 - ولا خلاف بين العلماء في ذلك ; لعموم قوله - تعالى - : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما . . ) [ المائدة : 68 ] ولحديث الصعب بن جثامة في قصة الحمار .

                                                                                                                        16480 - ولأهل العلم في المحرم يشتري الصيد قولان : أحدهما أن الشراء فاسد ، والثاني أنه صحيح . وعليه أن يرسله .

                                                                                                                        16481 - وقد تقدم في الباب قبل هذا ما للعلماء فيمن أحرم وفي يده ، أو معه ، أو في بيته : شيء من الصيد .

                                                                                                                        16482 - وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه حج في عام حج فيه عثمان ; فأتي عثمان بلحم صيد صاده حلال ، قال : فأكل منه وهو محرم . ولم يأكل منه علي . فقال عثمان : إنما صيد قبل أن يحرم . فقال علي : ونحن قد بدا لنا وأهالينا لنا حلال أفيحللن لنا اليوم ؟ .

                                                                                                                        16483 - رواه هشيم ، قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، قال : حج عثمان معه علي فذكره في هذه الرواية عن علي أنه لم ير للمحرم أكل ما صاده [ ص: 300 ] الحلال وإن كان صيد له قبل أن يحرم المحرم ، وأن عثمان كان يخالطه في الغضب . ويحاسبه وكان يخالفه ; لأنه لا يرى بأسا بما صاده الحلال قبل إحرام المحرم وأن يأكله المحرم في إحرامه .

                                                                                                                        16484 - وقد روي عن علي ( رضي الله عنه ) خلاف هذه الرواية عنه ، وموافقته لرأي عثمان .

                                                                                                                        16485 - ذكره إسحاق بن يوسف الأزرق ، عن شريك ، عن سماك بن حرب عن صبيح بن عبد الله العبسي ، قال : استعمل عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحارث على العروض ، فمر به رجل من أهل الشام ومعه باز وصقر ، فاستعاره منه ، وصاد به من اليعاقيب ، فلما سمع بعثمان قد مر حاجا أمر بهن ; فذبحن ، فطبخن ، ثم جعلن في جفنة ، فجاء بهن آل عثمان فقال عثمان : كفوا ، فقال بعض القوم : انظروا عليا يأتيكم الآن . فلما جاء علي ورآها بين أيديهم أبى أن يأكل ; فقال له عثمان : ما شأنك ؟ فقال : لم أكن لآكل من هذا . قال عثمان : لم ؟ قال : هو صيد لا يحل لمن أكله ، وأنا محرم ، قال عثمان : فبين لنا . فقال : قال الله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم . ) [ المائدة : 95 ] . قال عثمان : فنحن قتلناه ! إنا لم نقتله . قال : فقرأ عليهم علي : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) [ المائدة 96 ] فمكث عثمان ما شاء الله أن يمكث ، ثم أتى وهو بمكة فقيل له : هل لك في ابن أبي طالب أهدي إليه صفيف حمار فهو يأكل منه ; فأرسل إليه عثمان فسأله عن أكله الصفيف ، وقال له : أما أنت فتأكل وأما نحن فتنهانا ؟ فقال له : إنه صيد عام أول ; وأنا حلال ; فليس علي في أكله بأس ، وصيد ذلك - يعني [ ص: 301 ] اليعاقيب - وأنا حرام ، وذبحن وأنا حرام .

                                                                                                                        16486 - وبهذا كان يفتي ابن عباس ويذهب إليه .

                                                                                                                        16487 - ذكر إسحاق عن شريك ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وبلال ما صيد أو ذبح وأنت حلال فهو لك حلال . وما صيد أو ذبح وأنت حرام فهو عليك حرام .

                                                                                                                        16488 - وهو قول عطاء .

                                                                                                                        16489 - وذكر عبد الرزاق ، عن إسرائيل ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : ما صيد وأنت حلال فكله ، وما صيد وأنت حرام فلا تأكله .

                                                                                                                        16490 - قال أبو عمر : وما كان مثلها عن علي يعضد ما روي عنه في الصيد للمحرم أنه لا يأكله على عموم قوله - تعالى - ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) [ المائدة : 96 ] ولم يفسر ما صيد قبل إحرامه أو بعد إحرامه .

                                                                                                                        16491 - وهذه الرواية مفسرة كما ترى .

                                                                                                                        16492 - وقد روي عن ابن عباس أنه لا يجوز للمحرم أكل لحم صيد على حال صيد من أجله . أو من لم يصد لعموم قول الله - عز وجل - : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) . [ ص: 302 ] وقال ابن عباس : هي مبهمة .

                                                                                                                        16493 - وبه قال طاوس ، وجابر بن زيد .

                                                                                                                        16494 - وإليه ذهب الثوري ، وإسحاق في رواية .

                                                                                                                        16495 - وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن يزيد بن أبي يزيد ، قال : سمعت عبد الله بن الحارث بن نوفل يحدث أن عليا كره أكل لحم الصيد وهو محرم .

                                                                                                                        16496 - قال : وأخبرني معمر عن الزهري عن سالم ، عن ابن عمر ، أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال .

                                                                                                                        16497 - قال معمر : وأخبرني أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر مثله .

                                                                                                                        16498 - قال : وأخبرنا معمر ، عن طاوس وعبد الكريم بن أمية عن طاوس ، عن ابن عباس : أنه كره لحم الصيد للمحرم ، وقال : هي مبهمة ; يعني قوله [ ص: 303 ] ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) [ المائدة : 96 ] .

                                                                                                                        16499 - وكان عمر بن الخطاب ، وأبو هريرة ، والزبير بن العوام ، وكعب ، ومجاهد ، وعطاء في رواية ، وسعيد بن جبير يرون للمحرم أكل الصيد على كل حال إذا اصطاده الحلال صيد من أجله أو لم يصد .

                                                                                                                        16500 - وبه قال الكوفيون .

                                                                                                                        [ ص: 304 ] 16501 - ذكر عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن طلق بن حبيب ، عن قزعة ، قال : كان ابن عمر لا يأكل لحم الصيد وهو محرم ، فقيل له : إن عمر ، وأبا هريرة كانا يأكلانه ، فقال : عمر خير وأبو هريرة خير مني .

                                                                                                                        16502 - قال عمرو بن دينار : وكان ابن عباس لا يأكله .

                                                                                                                        16503 - وذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبو ثور إلى أن ما صيد من أجل المحرم لم يجز له أكله ، وما لم يصد من أجله جاز له أكله .

                                                                                                                        16504 - وهو قول عثمان .

                                                                                                                        16505 - وروي ذلك أيضا عن عطاء ، وبه قال إسحاق .

                                                                                                                        16506 - وهذا أعدل المذاهب وأعلاها ، وعليه يصح استعمال الأحاديث المرفوعة وتوجيهها .

                                                                                                                        16507 - وفيه مع ذلك نص حسن رواه ابن وهب ، قال : حدثني يحيى بن عبد الله بن سالم ، ويعقوب بن عبد الرحمن المخزومي ، عن عمرو مولى المطلب بن عبد الله أنه أخبرهما عن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم " .

                                                                                                                        16508 - رواه عن عمر بن أبي عمرو مولى المطلب كما رواه يحيى بن عبد الله بن سالم ، ويعقوب بن عبد الرحمن ، وسليمان بن بلال ، وإبراهيم بن أبي يحيى جعلوه كلهم عن عمرو مولى المطلب ، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أنه أخبره [ ص: 305 ] عن جابر .

                                                                                                                        16509 - ورواه الدراوردي عن عمرو ، عن رجل من بني سلمة ، عن جابر فأخطأ فيه ، وصوابه ما رواه يعقوب .




                                                                                                                        الخدمات العلمية