الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        794 756 - مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عبد الرحمن بن عامر بن ربيعة قال : رأيت عثمان بن عفان بالعرج ، وهو محرم ، في يوم صائف . قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان . ثم أتي بلحم صيد ، فقال لأصحابه : كلوا . فقالوا : أو لا تأكل أنت ؟ فقال : إني لست كهيئتكم . إنما صيد من أجلي .

                                                                                                                        757 - وعن مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أم المؤمنين ; أنها قالت له : يا ابن أختي . إنما هي عشر ليال ، فإن تخلج في نفسك شيء فدعه ; تعني أكل لحم الصيد .

                                                                                                                        [ ص: 306 ] 16510 - قال مالك : في الرجل المحرم يصاد من أجله صيد فيصنع له ذلك الصيد ، فيأكل منه وهو يعلم ، أنه من أجله صيد . فإن عليه جزاء ذلك الصيد كله .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        16511 - قال أبو عمر : أما حديث عثمان ففيه من الفقه أنه لا بأس على المحرم في اليوم الشديد الحر أن يغطي وجهه ، فإن الله تعالى غني عن تعذيب المؤمن نفسه .

                                                                                                                        16512 - وقد تأول قوم في ذلك على عثمان أنه قال كان مذهبه أن إحرام المحرم في رأسه دون وجهه . وقد ذهب إلى ذلك قوم ، وقد تقدم ذكر هذه المسألة في بابها من هذا الكتاب .

                                                                                                                        16513 - وقد يحتمل أن يكون عثمان قد اقتدى بفعله ذلك على مذهب ابن عمر ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم .

                                                                                                                        16514 - ولكن الظاهر من مذهبه أن إحرام المحرم في رأسه دون وجهه .

                                                                                                                        16515 - وفيه أن من وسع الله عليه وسع على نفسه في الملبس وغيره ، إن الله - عز وجل - يحب أن يرى أثر نعمته على عبده إذا أنعم بها عليه ، وهذا ثابت المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

                                                                                                                        16516 - وقد يحتمل أن يكون لباسه الأرجوان ; لأنه صوف ، والأرجوان الشديد الحمرة .

                                                                                                                        16517 - قال أبو عبيد : ولا يقال لغير الحمرة أرجوان .

                                                                                                                        [ ص: 307 ] 16518 - وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا نلبس الأرجوان " .

                                                                                                                        16519 - وعن علي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهاه عن لبسه .

                                                                                                                        16520 - وقد ذكرنا الأحاديث بذلك في موضعها من هذا الكتاب ، وذكرنا ما يعارضها واختلاف العلماء في معناها هناك ، والحمد لله .

                                                                                                                        [ ص: 308 ] 16521 - وأما قوله لأصحابه في لحم الصيد : " كلوا فإني لست كهيئتكم ; إنه صيد من أجلي " ، فقد مضى هذا المعنى .

                                                                                                                        16522 - وقال أشهب ، عن مالك : أنه سئل عن معنى قول عثمان " إنما صيد من أجلي " ؟ فقال : إنما ذلك من أجل أنه صيد له بعد أن أحرم . ، فأما ما صيد من أجل محرم أو محرمين ، وذبح قبل الإحرام فلا بأس له ، إنما مثل ذلك مثل رجل صاد هاهنا صيدا فذبحه وحمل لحمه معه ، ثم أحرم .

                                                                                                                        16523 - وأما قول عائشة لعروة : " إنما هي عشر ليال " تعني أيام الحج ، فإنها خاطبت بهذا من كان إحرامه قبل يوم التروية أن يكف عن أكل لحم الصيد جملة ، فما صاده الحلال من أجله أو من أجل غيره ، ليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه ، ويترك ما شك فيه وحاك في صدره .

                                                                                                                        16524 - وأما قول مالك : ما على المحرم إذا أكل من صيد صيد من أجله جزاؤه كله . فإن العلماء في ذلك مذاهب منها ما قاله مالك أنه يجزئ الصيد كله إذا أكل منه . ومنه أنه لا يجزئ منه إلا مقدار ما أكل . وقول ثالث : أنه ليس عليه جزاؤه لأنه أكل صيدا حلال أكله لصائده . وإنما حرم الله على المحرم قتل الصيد لا أكله .

                                                                                                                        16525 - هذا على مذهب عمر بن الخطاب وأبي هريرة ، والزبير ، وكعب ، ومن تابعهم على ذلك على ما ذكرناه عنهم .

                                                                                                                        16526 - واختلف قول الشافعي في ذلك ، فمرة قال : من أكل من صيد صاده حلال من أجله أنه يفدي ما أكل منه .

                                                                                                                        [ ص: 309 ] 16527 - ومرة قال : لا شيء عليه ، وهو قول أبي ثور .

                                                                                                                        16528 - وهو الذي ذكره المزني عن الشافعي في المحرم يأكل من صيد صيد من أجله مما قد ذبحه حلال أو صاده أنه لا جزاء عليه فيما أكل منه ، لأن الله - تعالى - إنما جعل الجزاء على من قتل الصيد . وهذا لم يقتله وليس من أكل محرما يكون عليه جزاء .

                                                                                                                        16529 - ولم يختلف قوله أن المحرم ممنوع من كل ما صيد من أجله ، واختلف قوله في وجوب الجزاء عليه إن أكل منه .




                                                                                                                        الخدمات العلمية