الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

التفريع [ على أن قول الصحابي حجة ] إن قلنا أنه حجة فلا يجوز للتابعي مخالفته ، وللمستدل أن يحتج به كما يحتج بأخبار الآحاد والأقيسة ، لكنه متأخر عنها في الرتبة . فلا يتمسك بشيء منها إلا عند عدمها ، وفي تقديم القياس عليه الخلاف السابق . وكذلك القول في " شرع من قبلنا " لا يرجع إليه إلا عند عدم أدلة شرعنا . وهل يجوز أن يخص به عموم كتاب أو سنة ؟ فيه وجهان لأصحابنا حكاهما الماوردي والروياني والشيخ أبو إسحاق والرافعي وغيرهم . فلو اختلفوا قال الشيخ أبو إسحاق كان قول المخالفين قبلهم بحجتين تعارضتا ، وبه جزم الرافعي . قال الشيخ فيرجح أحد القولين على الآخر بكثرة العدد ، فإن استويا قدم بالأئمة ، فإن كان في أحدهما الأكثر ، وفي الآخر الأقل ، لكن مع الأقل أحد الأئمة الأربعة تساويا ، فإن استويا في العدد والأئمة ، ومع أحدهما قول الشيخين ففيه وجهان : ( أحدهما ) : أنهما سواء . و ( الثاني ) : ترجيح القول الذي معه أحد العمرين ، لحديث : { اقتدوا باللذين من بعدي } . ثم ذكر أن الفرق بين اختلاف أقوال الصحابة واختلاف الحديث في أنه لا يجمع بين أقوال الصحابة بتنزيل المطلق على المقيد ، وتخصيص العام بالخاص ، وتأويل ما يحتمل ، ونحو ذلك ، مما يجمع به بين الأخبار المختلفة .

[ ص: 71 ] عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جميع الأخبار صادر عن واحد وهو معصوم عليه السلام ، فلا يجوز فيها الاختلاف والتضاد من كل وجه ، فيجمع بينهما مهما أمكن ، حتى لا يكون أحدهما مخالفا للآخر . وإذا لم يمكن ذلك كان الثاني ناسخا للأول . وأما أقوال الصحابة إذا اختلفت فليست كذلك ، لاختلاف مقاصدهم ، وأن ذلك ليس صادرا عن متكلم واحد . وقال ابن فورك : ذهب الشافعي في القديم إلى قول الأئمة منهم أو أكثرهم ما لم يكن فيه واحد من الأئمة . ومن قال من أصحابنا بتقليد العالم لمن هو أعلم منه قال به . وهو قول ابن سريج . وقال الروياني في أول البحر " : إذا اختلفوا على قولين ، فإن لم يكن فيهم إمام نظر : فإن كانوا في العدد سواء فهما سواء ، وإن اختلف العدد فهل يرجح بكثرة العدد ؟ فعلى قوله في الجديد : لا يرجح ، ويقول ما يوجبه الدليل ، وعلى القديم : يرجح كما في الأخبار .

وإن كان منهم إمام ، فإن كانوا في العدد سواء فالتي فيها الإمام هل هي أولى ؟ قولان : قال في القديم : نعم ، وقال في الجديد : لا ، وإن اختلف العدد والإمام مع الأقل فهما سواء على كلا القولين ولو اتفقا في العدد ، وفي أحدهما أبو بكر وعمر ، فعلى القديم فيه وجهان : ( أحدهما ) : يرجح قول أبي بكر وعمر على غيرهما . قال الرافعي : وينبغي جريان الوجهين فيما لو تعارض الصديق وعمر حتى يستويا على وجه ، ويرجح طرف أبي بكر على غيره . وقال الماوردي : إذا اختلفوا أخذنا بقول الأكثر ، فإن استويا أخذنا بقول من معه أحد الخلفاء الأربعة ، فإن لم يكن رجعنا إلى الترجيح .

وقال ابن القطان من أصحابنا في كتابه : إذا اختلف الصحابة اختلف قول الشافعي في هذه المسألة ، فكان يقول في موضع من اختلاف علي وابن مسعود : إنهما سواء ، وقال في موضع آخر من الجديد : أنه يصير إلى قول [ ص: 72 ] أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، لأن النص ورد فيهم : { عليكم بسنتي وسنة الخلفاء } فدل على مزية قولهم على أهل الفتوى . ثم مثل المسألة بالبيع بشرط البراءة من العيوب فقال : قول الأئمة أولى ، لأن ابن عمر باع عبدا بالبراءة فقال المشتري : كان فيه عيب علمته ولم تسمه لي ، فكان عنده أنه يبرأ من ذلك إذا وقف عليه ولم يسمعه ، فقال عثمان : إن لم تحلف بالله على هذا لزمك . وإذا كان هذا هكذا فقد صار إلى قول عثمان ، وإنما صار إلى القول بالقياس . وعلى هذه القاعدة إذا اختلفت الصحابة أخذنا بقول الأكثر . وذكر في كتاب " اختلاف علي وابن مسعود " أن عليا صلى في زلزلة ركعتين ، في كل ركعة ست سجدات . قال ابن القطان : وإنما سلك في هذين كسلوكه في الأخبار بالترجيح بالكثرة ، ولهذا خرجه على قولين .

قال ابن قدامة في " الروضة " : إذا اختلفت الصحابة على قولين لم يجز للمجتهد الأخذ بقول بعضهم من غير دليل ، خلافا لبعض الحنفية وبعض المتكلمين أنه يجوز ذلك ما لم ينكر على القائل قوله ، لأن اختلافهم دليل على تسويغ الخلاف والأخذ بكل واحد من القولين ، ولهذا يرجع إلى معاذ في ترك رجم المرأة قال : وهذا فاسد ، فإن قول الصحابي لا يزيد على الكتاب والسنة ، ولو تعارض دليلان من كتاب أو سنة لم يجز الأخذ بواحد منهما بدون الترجيح ، ولا نعلم أن أحد القولين صواب والآخر خطأ ، [ ص: 73 ] ولا نعلمه إلا بدليل . وإنما يدل اختلافهم على تسويغ الاجتهاد في كلا القولين ، أما على الأخذ بدون مرجح فكلا . وأما رجوعهم إلى قول معاذ فلأنه بان له الحق بدليله فيرجع إليه .

انتهى . تنبيه قال الشافعي : أقول بقول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان ، وسكت عن علي ، فرد عليه داود وقال : ما باله ترك عليا ، وليس بدون من رضيه في هذا ، قال ابن القطان : ولا نظن بالشافعي الإعراض عن أمير المؤمنين علي ، وله في هذا مقاصد : منها : أنه ترك ذكره اكتفاء ، لأنهم معلومون ببعضهم ، فنبه على البعض : ولهذا قال في بعض المواضع : أبو بكر وعمر . ومنها : أنه قصد بذلك الرد على مالك ، لأنه يخالفه في هذه المسألة ، فقال أقول بقول الأئمة . . . إلى آخره ، لأن كلامه على من كان بالمدينة . ويشهد لهذا التأويل قول الشافعي في اختلاف الحديث " : أقول بقول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي .

فدل على ما سبق . ومنها : أن الكلام على ظاهره ، وأراد الثلاثة في صورة ، وهي ما إذا انفردوا وكان علي حاضرا وسائر أصحابه ، وسكتوا عما حكموا به وأفتوا صار إجماعا . وحينئذ فيصار إلى قولهم ، لأن عليا موافق في المعنى . وليس كذلك أمر علي بالكوفة ، إنما كان بحضرته من يأخذ عنه ، فلم يكن في سكوتهم له حجة . قال ابن القطان : والأشبه الوجه الأول ، وهو أن يكون ترك ذلك اكتفاء . وكذلك قال ابن القاص في التلخيص " . وقال [ ص: 74 ] السنجي في شرحه " : إنه الأصح أنه ذكر المعظم وأراد الكل قال : ومن أصحابنا من [ قال ] لا يرجح بقول علي كما لا يرجح بقول غيره من الخلفاء .

والفرق بينهما بذكر ما سبق ، إذا لم يكن قوله صادرا عن رأي الكافة ، بخلاف من قبله . تنبيه آخر حاصل الخلاف في اختلاف الصحابة ثلاثه أقوال : - سقوط الحجة وأنه لا يعتمد قول منها . - التخيير فيأخذ بقول من شاء منهم ، وحكاه ابن عبد البر عن القاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز ، وعزاه بعضهم لأبي حنيفة . والثالث : أنه يعدل إلى الترجيح ، ونص عليه الشافعي في " الرسالة " فقال : نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع ، أو كان أصح في القياس ، وهو الأصح وقول الجمهور . واحتج ابن عبد البر باتفاق الصحابة على تخطئة بعضهم بعضا ، ورجوع بعضهم إلى قول غيره عند مخالفته إياه ، وهو دليل على أن اختلافهم عندهم خطأ وصواب . وقال أبو سعيد الإصطخري في كتاب أدب القضاء " : وإذا كان من الصحابة خلاف في المسألة لم يجز لمن بعدهم الخروج عن أقاويلهم ، لأنه محال أن يخرج الحق عن جميعهم ، أو يشمل الخطأ كلهم . وقيل : يجوز الخروج عن أقوالهم . وقيل : يتخير من غير دليل . انتهى .

ولعله فرعه على القول بأنه حجة ثم قال : وإذا حكى القول في حادثة عن واحد من الصحابة وتظاهر واشتهر ولم يخالف فحكمه حكم الإجماع ، لعدم النكير منهم . وإذا [ ص: 75 ] نقل الثقات عن واحد منهم قولا غير منتشر في جميعهم ولم يرو عن واحد منهم وفاقه لا خلافه فقد اختلف فيه . والواجب عندنا المصير إليه ، لأنه في المعنى راجع إلى أن العصر قد انخرم والحق معدوم ، وهذا مع اختصاص الصحابة بمشاهدة الرسول ومعرفة الخطاب منه ، إذ الشاهد يعرف بالحال ما يخفى على من بعده . انتهى . فائدة : قال ابن عبد السلام في فتاويه الموصلية : إذا صح عن بعض الصحابة مذهب في حكم من الأحكام لم يجز مخالفته إلا بدليل أوضح من دليله ، ولا يجب على المجتهدين تقليد الصحابة في مسائل الخلاف ، ولا يحل لهم ذلك مع ظهور أدلتهم على أدلة الصحابة ، لأن الله تعالى أمرنا باتباع الأدلة ولم يوجب تقليد العلماء إلا على العامة الذين لا يعرفون أدلة الأحكام .

فائدة أخرى : ذكر الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه " عن الشافعي أنه قال : إذا جاء اختلاف عن الصحابة نظر أتبعهم للقياس إذا لم يوجد أصل يخالفه . فقد خالف علي عمر في ثلاث مسائل القياس فيها مع علي ، وبقوله أخذ . - منها : المفقود ، قال عمر : يضرب له أجل أربع سنين ثم تعتد ، ثم تنكح . وقال علي : لا تنكح أبدا . وقد اختلف فيه عن علي حتى يصح موت أو فراق . - وقال عمر في الرجل يطلق امرأته في سفره ثم يرتجعها فيبلغها الطلاق ، ولا تبلغها الرجعة حتى تحل وتنكح : أن زوجها الآخر أولى إذا دخل بها [ ص: 76 ] وقال علي : هي للأول أبدا ، وهو أحق بها . - وقال عمر في الذي ينكح المرأة في العدة ويدخل بها : أنه يفرق بينهما ثم لا ينكحها أبدا . وقال علي : ينكحها بعده .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث