الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وفي القسامة خمسة أركان :

الركن الأول : مظنتها . وفي الجواهر : هي قتل الحر المسلم في محل اللوث إذا لم يثبت القتل ببينة أو إقرار من مدعى عليه ، ولا قسامة في الأطراف ، والعبيد ، والكفار . واللوث : هو أمارة تغلب على الظن صدق مدعي القتل ; كشهادة العدل الواحد على رؤية القتل ، وفي شهادة من لا تعرف عدالته ، أو العدل يرى المقتول يتشحط في دمه ، والمتهم نحوه أو قربه عليه آثار القتل خلاف . وفي الركن ستة فروع :

الأول : في الكتاب : إذا قال : دمي عند فلان ، قتلني عمدا ، أو قال : خطأ ، فلولاته أن يقسموا ويقتلوا في العمد ، ويأخذوا الدية في الخطأ من العاقلة ، ولا يقتسمون على خلاف ما قال المقتول ، فإن لم يذكر : عمدا ولا خطأ ، فما ادعاه الولاة من عمد أو خطأ يقتسمون عليه ، فإن قال بعضهم : عمدا ، وبعضهم خطأ ، وحلفوا كلهم استحقوا دية الخطأ بينهم ، وامتنع القتل للشبهة ، فإن حلف مدعو الخطأ فلا قسامة لمدعي العمد ، ولا دية ، وإن قال بعضهم : عمدا ، وقال الآخرون : لا علم لنا بمن قتله ولا يحلف ; بطل دمه للشبهة ، وإن قال بعضهم : خطأ ، وقال الآخرون : لا علم لنا ، ونكلوا ، حلف مدعو الخطأ وأخذوا نصيبهم من الدية ; لأنه مال أمكن توزيعه بخلاف العمد ، وليس للآخرين الحلف بعد النكول ; لأنهم أسقطوا حقهم ، وإن حلف مدعو الدم ، وردوا الأيمان على المدعى عليهم ، لم يكن لهم الحلف بعد ذلك ، وإن لم يكن للمقتول إلا وارث واحد وادعى الخطأ حلف خمسين يمينا واستحق الدية كلها ، أو العمد ، لم يقتل المدعى عليه إلا بقسامة رجلين فصاعدا ، فإن حلف معه آخر من ولاة الدم ، ولم يكن مثله في التعدد قبل ، وإلا ردت الأيمان على المدعي ، يحلف خمسين يمينا ، وإن نكل حبس حتى يحلف ، وإن أقام شاهدا على جرح عمد وحلف ، اقتص ، فإن نكل حلف المدعى عليه وبرئ ، فإن نكل حبس حتى يحلف ، والمتهم إن ردت عليه اليمين لا يبرأ إلا بخمسين يمينا ويحبس حتى يحلفها .

فائدة : في التنبيهات . اللوث : ما ليس بقاطع لأنه ملبس ، والآث من الشجر ما التبس بغضه ، قال ابن يونس في بقرة بني إسرائيل لما ذبحوها وضربوا بها القتيل فقال : قتلني فلان ، فاعتبر ذلك دليلا على أن قول المقتول : لوث ، ولا يقال : ذلك معجزة لنبي ، فإن الإعجاز في إحيائه لا قوله بعد حياته ، ولا يقدح في قول المقتول : كون القاتل عدوه ، وقول العدو غير مقبول على عدواته ; لأن العداوة هنا تؤكد صدقه لأنها مظنة بخلاف سائر الدعاوي ، ( وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الجاريتين على اليهودي مع عظيم العداوة بينهم تعظيما لحرمة الدماء ) وعن مالك : اللوث شاهد ، وإن لم يكن عدلا ، والمرأة دون العبد ، ولم يختلف قوله وقول أصحابه في العبد والصبي والذمي أنه ليس بلوث ، ولا شهادة النساء في قتل عمد ، ولا يكون لطخا ، يريد المرأة الواحدة ، ويقسم مع شهادة امرأتين عدلتين ، ويقتل بذلك ويوجب القسامة : أن يرى نحوه ميتا أو خارجا ملطخا بالدم من منزل فيوجد فيه القتيل وليس معه غيره ، أو يعدو عليه في سوق عامر فيقتله فيشهدون بذلك وإن لم يعرفوا . وعن مالك : وشهادة النساء أو يرى المتهم حوله ، وإن لم يروه حين الإصابة ، قال يحيى بن سعيد : شهادة المرأة أو العبيد والصبيان واليهود والنصارى والمجوس إذا حضروا القتل فجأة والضرب أو الجرح [ . . . . ] لا يقوله مالك ولا أحد من أصحابه ، وعن مالك : اللفيف من السواد والنساء والصبيان وغير العدول لوث ، ( قال : ومن روى عنه : العدل لوث ) فقد وهم ; إنما كان يسأل : هل العدل لوث ؟ فيقول : نعم . قال محمد : ولا يقسم مع العدل في قتل الغيلة ، ولا يقتل فيه إلا بشاهدين . وعن يحيى بن سعيد : يقسم معه . قال محمد : وإنما يقسم مع الواحد على معاينة القتل بعد أن يثبت معاينة جسد القتيل كما عرف موت عبد الله بن سهل ، وكذلك لو شهدت امرأتان ورجل على قتله ، ولم يعرف موته ، فلا قسامة ، ويحبس المشهود عليه ، ولا يعجل عسى أن يأتي بشاهد آخر ، ويثبت موت القتيل برجلين ; لأن الجسد لا يفوت ، والقتل يفوت ، وعن أشهب : إن قال : قتلني خطأ ، وقال ولاته عمدا ، بطل ما وجب لهم من الدية ، ولا يقتل ، وإن قال : عمدا ، وقالوا : خطأ ; بطل القود والدية ; قال بعض أصحابنا ، إن ادعى القاتل ( أن ولي الدم عفا عنه ، فطلب باليمين فنكل ، حلف القاتل ) يمينا واحدا لا خمسين ; لأنها اليمين التي ردت عليه ، ولأنه تنازع في عفو كسائر الحقوق ، بخلاف نكول الورثة عن القسامة ، ويؤدونها على المدعى عليه ، فيحلف خمسين يمينا المردودة عليه ، وإن ردت الأيمان على أولياء القاتل لنكول أو لفقد من يحلف ، حلف من أولياء القاتل خمسون ; خمسين يمينا ، فإن لم يكن له إلا وليان ، حلفا خمسين دون القاتل ويبرأ ، ولا يجبرون على الحلف ، فإن لم يكن إلا ولي واحد ، لم يحلف المدعى عليه ( حقه ; لأنه إذا حلف ) معه لم يبرئه إلا خمسون يمينا يحلفها وحده ( قاله ابن القاسم ، وقال عبد الملك : مع من أعانه من عصبته ، يحلف أكثر منهم أو أقل ، فإن لم يجد حلف وحده ) وإن وجبت القسامة بقول الميت أو بشاهد على القتل ، وردت الأيمان على المدعى عليه حلف هو أو ولاته أنه ما قتله ، فإن حلف حبس حتى يحلف ، هذا قول مالك وأصحابه . وإن كانت القسامة بضرب أو بجرح ثم مات بعد ذلك ، قال ابن القاسم : يحلف : ما من ضربي ولا جرحي مات ( فإن نكل حبس حتى يحلف وضرب مائة وحبس سنة فإن . . . أنه من ضربه مات ) لم يقتل ، ولا بد أن يحلف . قال أشهب : لا يحلف في هذا ، وهذا غموس ، وإن أبيح للولي اليمين فيما لم يحضره ; لأن نكول المدعي يبطل الدم ، وترد الأيمان على المدعى عليه ، فإن نكلوا لم يحكم عليهم بنكولهم ، وكيف يحلفون يمينا لو أفردوا أو نكلوا لم يؤخذوا بذلك ، قال اللخمي : في اللوث في قتل العمد خمسة أقوال : الشاهد العدل ماله ، وعنه الذي ليس بالقوي العدالة ، والمرأة دون العبد ، وقال أبو مصعب : جماعة نساء أو صبيان ، أو جماعة ليسوا عدولا ، وعن أبي سعيد : ما تقدم في ابن يونس ، وعن ربيعة : الصبي والذمي .

قال محمد في الحر المسلم يقتله العبد وينكل الولي : إن كانت القسامة بقول الميت : قتلني فلان ، أو بشاهد عدل على القتل الموجب ، حلف السيد يمينا واحدة على علمه ، فإن حلف أسلمه أو يفتديه بدية المقتول ، وقيل : يحلف العبد خمسين يمينا ، وإن وجبت القسامة بالنية ومات من الجرح ، لم ترد اليمين هاهنا على العبد ولا على السيد ، وثبت جرحه فيفديه السيد بدية الجرح أو يسلمه ، ويضرب العبد ماية ويحبس عاما ; لأن السيد والعبد يقولان : لا علم عندنا ، هل مات من الجرح أم لا ، ويجوز موته منه ، إلا أنه لا يستحق دية في عمد ولا خطأ إلا بقسامة ولا وجه ليمين السيد في المسألة الأولى ; لأنه لا علم عنده ، واختلف إذا قال : قتلني ولم يقل : عمدا ولا خطأ ، فقيل : ما تقدم في الكتاب ، وقال محمد : لا يقسمون إلا على الخطأ ، وعنه : يكشف عن حال المقتول وجراحاته ، وحالة القاتل من عداوة وغيرها ، فيقسمون حينئذ على ما يظهر من العمد وغيره ، ويقتلون ، وإن لم يظهر عمد ولا خطأ فيتوقف ; لأن السنة إنما جاءت في قبول قول المقتول . قال محمد : إن قتل بعضهم عمدا وبعضهم خطأ حلف جميعهم ، فإن أقسم على الخطأ ، نصيبه من الدية على عاقلة القاتل ، ولمن أقسم على العمد نصيبه من مال القاتل . قال : وهو أحسن توفية بالأسباب ، ويكون نصيب مدعي العمد من الإبل من الأربع خمسا وعشرين ( بنت مخاض ، وخمسا وعشرين بنت لبون وخمسا وعشرين ) من كل صنف ، وعن مالك : إذا رجع مدعي العمد إلى دية الخطأ له ذلك ; لأنه أقل أحواله ، ومنعه أشهب ، لأن أصل العمد القود ، وعن ابن القاسم : إن قال بعضهم : عمدا ، وبعضهم : لا علم لنا ، أو قال جميعهم : عمدا ونكل بعضهم ، فلمدعي العمد أن يحلفوا ويستحقون نصيبهم من الدية ، ونكولهم على الحلف قبل وجوب الدم كعفوهم عنه بعد الوجوب ، بخلاف القائلين : لا علم لنا ، ومتى سقط الدم بنكول أو اختلاف حلف المدعى عليهم ، وكل هذا إذا استوت منزلتهم : بنين أو إخوة ، أو أعمام ، فإن اختلفت كابنة وعصبة . فقال العصبة : عمدا ، وقالت الابنة : خطأ ، فلا قسامة ، ولا قود ، ولا دية ; لأنه إذا كان عمدا فإنما ذلك للعصبة ، ولم يثبت لهم ذلك ، أو خطأ ، فإنما فيه الدية ، ولم يثبت الخطأ ، ويقسم المدعى عليه : ما قتله عمدا وينعصم دمه . قال محمد : وإن ادعى العصبة كلهم العمد ، لم ينظر إلى ورثته من النساء ; لأنه لا عفو للنساء مع الرجال ، أو ادعت العصبة كلها الخطأ والنساء العمد ; أقسم العصبة خمسين يمينا وأخذوا نصيبهم من الدية ، وليس من اللوث وجوده في محلة قوم ، أو على باب إنسان ; لأن القاتل يبعد من قتله ، وقوله : فلا قتلني ; لوث إن قال : عمدا ، أو به جراح وادعى ذلك على من يشبه ، واختلف إذا قال : خطأ أو عمدا أو لا جراح به ، أو به جراح فادعى على من لا يشبه من رجل صالح ، أو عدوه ، أو شهد واحد على ( قول البينة ، فإن أنفذت مقاتله ، فعن مالك : لا يقسم على قوله في الخطأ ; لأنه يتهم في غير ولده ، وعن ابن القاسم : إن ادعاه على رجل صالح أقسم معه وقتلوه ، وعن ابن عبد الحكم : يبطل قوله ، بخلاف عدوه ، فإنه يتوقع قتل عدوه له ، وقيل : يتهم على عدوه وقال عبد الملك : إن شهد واحد على قوله كفى ، ويقسم معه ; لأنه لوث يرجح الصدق ، وقيل : لا بد من اثنين ، ورجحه ابن عبد الحكم ، والموضع الذي يقسم بواحد على المعاينة ، إذا أنفذت مقاتله يقسم ما شهد شاهدي إلا بالحق في الخمسين يمينا ، أو شاهدين على معاينة ولم تنفذ مقاتله ، فيقسم : لمات من ذلك ، وإن كان الشاهد على قول الميت ، أو أنه أصابه ولم ينفذ مقاتله ، فمن صار إلى أنه يحلف ; فيحلف أنه شهد بالحق ، وأنه قتله ، لأنه لو شهد شاهدان على قول الميت ، لم يستحق بذلك القتل إلا بعد القسامة أنه قتله ، فهو يحلف أنه شهد بحق ، ولا يحلف ( أنه قتله ، وكذلك شهادته على معاينة الضرب يحلف مع شاهديه بضربه ليتوصل إلى اليمين أنه مات من ذلك الضرب ، ولا يحلف ) على من أجاز ذلك ، أنه يجمع ذلك في قسامة واحدة في خمسين يمينا .

نظائر . قال ابن زرب : تجب القسامة بأربعة : إذا ثبت قول المقتول الحر المسلم البالغ بشاهدي عدل : أن فلانا ضرب المقتول ( حتى قتله عمدا أو خطأ ) ضربة فأجافه بها ، أو غير ذلك من الجراح عمدا أو خطأ ، فعاش الرجل بعد ذلك ، وأكل وشرب ، ولم يسأل أين دمه حتى مات ، وإذا اعترف رجل بقتل رجل خطأ ، والمعترف مأمون لا يتهم ، فيقسم ولاة المقتول ، فإن أبوا فلا شيء لهم . قال الطرطوشي : لا يجب بمجرد الدعوى يمين ولا شيء ، وكذلك النكاح والطلاق ، وقال ( ح ) و ( ش ) : تجب اليمين على المدعى عليه في ذلك كله ، وهل يحلف خمسين في دعوى القتل أو يمينا واحدة ؟ عند ( ش ) قولان : وخالفنا الأئمة في شهادة عدلين على قوله : قتلني فلان ، إنه لوث ، قالوا ولا يجب فيه شيء ، وهو اختيار القاضي أبي الوليد . لنا : آية البقرة ، وفي البخاري ( أن يهوديا قتل جارية بحجر على أوضاح له ، فجئ بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها رمق ، فقال : أقتلك فلان ؟ فأشارت برأسها : أن لا ، ثم قال الثانية : فأشارت برأسها : أن نعم فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرضخت رأسه بين حجرين ) ولا حجة فيه ; لأن في بعض طرقه : لم يزل به حتى أقر ، ولأن الغالب من المؤمن عند حضور الأجل : البعد عن الذنوب والأذية ، والخوف والندم على التفريط ، فإقدامه على السبب لقتل النفس التي حرم الله تعالى خلاف الظاهر ، فيكون ذلك لوثا كسائر صور اللوث ، مثل كونه عنده ومعه آلة القتل ، وغير ذلك احتجوا بقوله عليه السلام : ( لو أعطي الناس بدعاويهم ; لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ، ولكن البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر ) ، ولأن شيم النفوس الظلم فيتهم على أذية من يعاديه حتى لا يعيش بعده ، وآية البقرة لا حجة فيها ; لأن القاتل يشاهد الآخرة وعلم مقدار الجنايات وعقوباتها ، فقوله يحصل العلم بخلاف صورة النزاع ، ولذلك قال العلماء : إنه لا يمكن أن يموت أحد كافرا لما يشاهد عند الاحتضار مع أن مالكا رحمه الله نقض أصله هذا ، وأبطل تصرفات المشرف على الموت في ضرر التهمة كما قلناه في الطلاق ، والمرض ، والنكاح فيه ، والإقرار للصديق .

والجواب عن الأول : أنا لا نعطي الولي بدعواه ، بل بأيمانهم ، وقول الميت مرجح لجهتهم لوجوده في قرية أو محلة ، وبينهم عداوة ظاهرة ، ولا يسكنها غيرهم ، أو تفرق جماعة في دار عن قتيل ، أو ازدحم الناس في الطريق ، أو دخول البيت ونحوه ، فوجد هناك قتيل أو بين طائفتين مسلمتين يقتلون ، أو شهد عبيد ونساء ، فهذه كلها لوث عندكم ، يقسمون معها ويستحقون .

وعن الثاني : أن الظاهر عند مفارقة الدنيا عدم العدوان ، والصدق وغيره بإذن ، والمطلوب هو الظن .

وعن الثالث : لا نسلم حصول العلم ، بل قد أخبر الله تعالى عن قوم في الآخرة بأنهم يكذبون ، وفي قوله تعالى : ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ) وعن آخرين : ( ما جاءنا من بشير ولا نذير ) ومع قيام الاحتمال لم يبق إلا الظن .

وعن الرابع : لم يورث المطلقة للتهمة ; لأنها لو سألته الطلاق وأعطته مالا ورثت ، بل للسنة ، وفسخ نكاح المريض لا للتهمة ، بل لأنه ممنوع من إخراج المال لغير حاجة إلا من الثلث ، ولا يمكن إيقاف المهر حتى يخرج من الثلث ، ولأن هذه الأمور التهمة فيها على مال ، والجناية على النفس أعظم ، فيكون الصدق أبين ، ولذلك لو قال : قتلني عبد فلان ، لم يقتله ولأنه مال ، وإنما قتلناه في قوله : قتلني خطأ وإن كان مالا ; لأن المال في الرتبة الثانية ، ولم يذكر القتل ، كما تمتنع شهادة النساء في النسب ، ونقبلها في الولادة .

الثاني ، في الكتاب : لا يحبس المشهود عليه في الخطأ ; لأن الدية على العاقلة ، ويحبس في العمد حتى يزكى الشهود فتجب القسامة ، وإلا فلا قسامة مع غير عدل ، وإن وجد قتيل في قرية قوم أو دارهم لا يعلم من قتله ، فلا شيء فيه ، لا دية في بيت المال ولا غيرها ، ويقسم بقوله : دمي عند فلان ، وإن كان مسخوطا والولي مسخوط ، والمرأة يقسم بقولها ، وإن قال صبي : قتلني فلان الصبي ، وأقر القاتل ، فلا يقسم على قوله لعدم الوثوق به ، ولا يقبل الإقرار لحق الله تعالى في الدم والصبي بخلاف المسخوط ; لأن الصبي لا يحلف مع شاهده في المال ، وإن قال النصراني : دمي عند فلان ، لا يقسم على قوله ; لأن النصراني لا يقسم ، وإن قال البالغ : قتلني الصبي فلان ، أقسم على قوله ، والدية على عاقلة الصبي ، وإن رمى ذميا أو عبدا اقتسموا ، ولهم القتل في العمد ، وإن قال ابن الملاعنة : دمي عند فلان ، وهي معتقة ، أقسم مواليها ، أو من العرب : أقسم في الخطأ أمه وإخوته لأمه ، وأخذوا نصيبهم من الدية ، وفي العمد لا قسامة كمن لا عصبة له .

الثالث ، قال : لا قسامة مع شهادة عدلين ، وإن شهد شاهد أنه قتله وقال : دمي عند فلان ، لم يكتف بذلك ، ولا بد من القسامة ، وإن شهد أن فلانا ضربه حتى قتله ( قتل بالقسامة أو إن ضرب وعاش وتكلم ، أو أكل ولم يسأل حتى مات فالقسامة ) .

الرابع ، قال : إن صالح من موضحة خطأ على مال فمات منها ، أقسم ولاته لمات منها واستحقوا الدية على العاقلة ، ورجع الجاني فيما دفع وكان في العقل كرجل من قومه ; لانكشاف العاقبة عن أنه قتل نفس ، أو عن قطع يده عمدا فعفا ، ثم مات منها ، فلهم القصاص في النفس بالقسامة إن كان عفوه عن اليد لا عن النفس .

الخامس : إن شهد أحدهما أنه قتله بسيف ، والآخر أنه قتله بحجر : بطلت الشهادة ، للاختلاف ولا قسامة بذلك .

السادس . في المقدمات : إن جرح جرحا له عقل عمدا أو خطأ فمات فثلاثة أحوال : أحدهما : أن لا يعلم الجرح إلا من الميت فيقول : دمي عند فلان جرحني هذا الجرح ومنه أموت ، بطل في الجرح القصاص ; لأنه لا يستحق بالقسامة والدية ، لامتناع القسامة في الجرح ، بل يقسمون ويقتلون في العمد ، أو يأخذون الدية في الخطأ . قال محمد : وعاب ما وقع في سماع يحيى أنهم إن شاءوا أقسموا واستحق الدم ، أو يقتصوا من الجرح أو يأخذوا ديته إن كان خطأ . وثانيها : إن يثبت بشاهدين فيخيروا في أن يقسموا أو يقتلوا في العمد ، أو الدية في الخطأ على العاقلة ، أو لا يقسموا ويقتصوا من الجرح إن كان عمدا ، وديته في الخطأ ، وعن ابن القاسم : إن أبوا القسامة امتنع القصاص في الجرح في العمد ، والدية في الخطأ . وثالثها : إن شهد على الجرح شاهد فينبغي أن يفترق العمد من الخطأ ، فيخيرون في الخطأ في أن يقسموا على الدم ويستحقون ديته في مال الجاني أو العاقلة إن بلغ الثلث ، وإن نكلوا في العمد امتنع القصاص في الجرح ; لتعذر القصاص فيه بالقسامة .

السابع . في الجواهر : إذا انفصلت قبيلتان عن قتيل لا يدرى من قتله ، فعقله على الفرقة التي نازعوه ونازعوا أصحابه فتضمن كل فرقة من أصيب من الفرقة الأخرى فإن كان من غيرهما فعقله عليهما ، ولا قسامة في ذلك ولا قود . قال أشهب : هذا إذا لم يثبت دمه عند معين ، قال ابن القاسم : لا قسامة بقول الأولياء ، أما إن قال : فلان قتلني ، أو أقام شاهدا عدلا أن فلانا قتله ، ففيه : القسامة أو شاهدان أن فلانا قتله بين الصفين ، يقتل به ، وعن ابن القاسم : لا قسامة فيمن قتل بين الصفين ، وإن شهد على قتل شاهد ، أو على إفرازه ، ورجع عن هذا إلى القتل بالقسامة لمن ادعي عليه القتل .

الثامن . قال : حيث شهد عدل على رؤية القتل قال : لا يقسم حتى تثبت معاينة القتيل ويشهد بموته ، كقصة عبد الله بن سهل ; لأن اللوث يفوت ، والجسد لا يفوت ، قال أصبغ : لا يعجل الإمام بالقسامة حتى يكشف ، فإذا بلغ أقصى الانتظار قضى بالقسامة .

التاسع . قال : مسقطات اللوث أربعة . الأول : تعذر إظهاره عند القاضي ، فإن ظهر عمده في جمع ثان شهدت البينة أنه قتل ودخل في هؤلاء ولم يعرفوه منهم ، فللمدعي استحلاف كل منهم خمسين يمينا ويغرمون الدية بلا قسامة ، ومن نكل منهم فالعقل عليه ، قال سحنون : لا شيء عليهم ، وتبطل الشهادة ; لعدم تعيين القاتل . الثاني : إذا ظهر في أصل القاتل دون وصفه كما إذا قال : دمي عند فلان ، ولم يقل : عمدا ولا خطأ ، فالأولياء إما أن يتفقوا على الخطأ أو العمد ، أو يختلفوا وقد تقدم بيانه . الثالث : دعوى الورثة خلاف قول الميت من عمد أو خطأ ، يسقط حقهم من الدم والدية ، ولا يقبل رجوعهم لقوله ، قاله أشهب . وقال ابن القاسم : لا يقسمون إلا على قوله . الرابع : دعوى الجاني البراءة ويقيم البينة ، قال ابن يونس : إن قال : ضربني فلان وفلان ، ثم خوف فقال : فلان وفلان غير الأولين فلم يبرئ الأولين ، لم يقسم على الأولين والآخرين ; لأنه أبرأ الأولين ، وقوله الأول يكذبه في الآخرين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث