الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ويرخص لهؤلاء في ترك الجمعة لعذر المطر والوحل والفزع والمرض والتمريض إذا لم يكن للمريض قيم غيره .

التالي السابق


(ويرخص لهؤلاء) المذكورين (في ترك الجمعة) لأعذار خمسة ؛ الأول : (لعذر المطر ) إذا بل الثوب ، وتأذى به في طريقه ؛ لأن فيه مشقة ، فإذا كان المسجد قريبا من داره بحيث لا يتأذى في طريقه ، ولا يبل ثوبه ، فلا عذر حينئذ ، وأما حديث : إذا ابتلت النعال فصلوا في الرحال ، فقد قال ابن الأثير : إن النعال جمع نعل ، وهي الأكنة من الأرض ؛ أي : وليس النعال الملبوسة مرادا هنا ، فتنبه (و) الثاني : لعذر (الوحل ) ، وألحقوه بالمطر ؛ ولذا استغنى الأصحاب بذكره عن المطر . نبه على ذلك شارح المنهاج في مسألة الجمع بين الصلاتين ، وقيده الرافعي بالشديد ، وقال : فيه ثلاثة أوجه ؛ الصحيح أنه عذر في ترك الجمعة ، والجماعة ، والثاني : لا ، والثالث : في الجماعة دون الجمعة . حكاه صاحب العدة ، وقال : به أفتى أئمة طبرستان أهـ .

قلت : وذكر الرافعي في شرحه الصغير في الوجه الثاني ، فقال بأن له عدة دافعة كالخفاف ، والصنادل ، يعني يمكنه الاستعانة على دفع الوحل بالركوب ، وبلبس الخفاف ، ونحوها ، وصحح أيضا في شرح المهذب مثل ذلك (و) الثالث : لعذر (الفزع ) ، وهو محركة الخوف ؛ أي : من العدو أعم من أن يكون حيوانا ، أو إنسانا ، سواء كان الخوف على نفسه ، أو على ماله ، وكذا إذا خاف من غريم يحبسه ، أو يلازمه وهو معسر ، فله التخلف في هذه الأحوال ، ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم في منعه ؛ بل عليه الحضور ، وتوفية ذلك الحق ، ويدخل في الخوف على المال ما إذا كان خبزه في التنور ، وقدره على النار ، وليس هناك من يتعهدها ، ومنها أن يكون عليه قصاص ، ولو ظفر به المستحق لقتله ، وكان يرجو العفو مجانا ، أو على مال ، ولو غيب وجهه أياما ، فله التخلف بذلك (و) العذر الرابع : (المرض) ، فلا جمعة على مريض ، وقد تقدم الحديث الوارد فيه آنفا ، وهو من الأعذار المسقطة ، وألحق أصحابنا الشيخ

[ ص: 234 ] الكبير الذي ضعف ، فلا تجب عليه .

قاله ابن الهمام ، وعبارة المنهاج ، وشرحه : وتلزم الشيخ الهرم ، والزمن إن وجدا مركبا ؛ أي : ملكا ، أو إجارة ، أو إعارة ، ولو آدميا كما قاله في المجموع (و) العذر الخامس : (التمريض إذا لم يكن للمريض قيم غيره ) ، والتمريض هو القيام على المريض ، وحقيقته إزالة المرض عن المريض ؛ كالتقذية في إزالة القذى عن العين ، وقيل : التمريض هو التكفل بمداواته .

قال الرافعي : إن كان للمريض من يقعده ، ويقوم بأمره نظر إن كان قريبا ، وهو مشرف على الموت أو غير مشرف ، لكن يستأنس به ، فله التخلف عن الجمعة ، ويحضر عنده ، وإن لم يكن له استئناس به ، فليس له التخلف على الصحيح ، وإن كان أجنبيا لم يجز التخلف بحال ، والمملوك ، والزوجة ، ومن له مصاهرة ، والصديق كالقريب ، وإن لم يكن للمريض متعهد ، فقال إمام الحرمين : إن كان يخاف عليه الهلاك لو غاب عنه ، فهو عذر ، سواء كان المريض قريبا ، أو أجنبيا ؛ لأن إنقاذ المسلم من الهلاك فرض كفاية ، وإن كان يلحقه ضرر ظاهر لا يبلغ دفعه مبلغ فروض الكفايات ، ففيه أوجه ؛ أصحها أنه عذر أيضا . الثاني : لا ، والثالث : عذر في القريب دون الأجنبي ، ولو كان له متعهد ، ولكن لم يفرغ لخدمته لاشتغاله بشراء الأدوية ، أو الكفن ، أو حفر القبر إذا كان منزولا به ، فهو كما لو لم يكن متعهد .



(فصل)

قال الرافعي : يجب على الزمن الجمعة إذا وجد مركوبا ملكا ، أو إجارة ، أو عارية ، ولم يشق عليه الركوب ، وكذا الشيخ الضعيف ، وتجب على الأعمى إذا وجد قائدا متبرعا ، أو بأجرة ، وله مال ، وإلا فقد أطلق الأكثرون أنها لا تجب عليه ، وقال القاضي حسين : إن كان يحسن المشي بالعصا من غير قائد لزمه . أهـ .

وعند أصحابنا من شروط صحة الجمعة سلامة العينين ، فلا تجب على الأعمى ، وهو قول أبي حنيفة خلافا لصاحبيه فيما إذا وجد قائدا يوصله ، ومنها سلامة الرجلين ، فلا تجب على المقعد لعجزه عن السعي إليها اتفاقا ، وألحق به المحبوس ، فإن حبس ، وهو يقدر على إيفائه أثم ، وإلا فلا .




الخدمات العلمية