الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

وأما ما في حديث أبي الأسود ، عن عروة من فعل أبي بكر ، وعمر ، والمهاجرين ، والأنصار ، وابن عمر ، فقد أجابه ابن عباس ، فأحسن جوابه [ ص: 191 ] فيكتفى بجوابه .

فروى الأعمش ، عن فضيل بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عروة : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة . فقال ابن عباس : أراكم ستهلكون أقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول : قال أبو بكر وعمر .

وقال عبد الرازق : حدثنا معمر ، عن أيوب قال : قال عروة لابن عباس : ألا تتقي الله ترخص في المتعة ؟ فقال ابن عباس : سل أمك يا عرية. فقال عروة : أما أبو بكر وعمر ، فلم يفعلا ، فقال ابن عباس : والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله أحدثكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحدثونا عن أبي بكر وعمر ؟ فقال عروة : لهما أعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتبع لها منك .

وأخرج أبو مسلم الكجي ، عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب السختياني ، عن ابن أبي مليكة ، عن عروة بن الزبير ، ( قال لرجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تأمر الناس بالعمرة في هؤلاء العشر وليس فيها عمرة ؟! قال : أولا تسأل أمك عن ذلك ؟ قال عروة : فإن أبا بكر وعمر لم يفعلا ذلك قال الرجل : من هاهنا هلكتم ، ما أرى الله عز وجل إلا سيعذبكم إني أحدثكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتخبروني بأبي بكر وعمر . قال عروة إنهما والله كانا أعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك ، فسكت الرجل ) .

[ ص: 192 ] ثم أجاب أبو محمد بن حزم عروة عن قوله هذا ، بجواب نذكره ، ونذكر جوابا أحسن منه لشيخنا .

قال أبو محمد ونحن نقول لعروة : ابن عباس أعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبأبي بكر وعمر منك ، وخير منك ، وأولى بهم ثلاثتهم منك ، لا يشك في ذلك مسلم . وعائشة أم المؤمنين ، أعلم وأصدق منك . ثم ساق من طريق الثوري ، عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد الله قال : قالت عائشة : من استعمل على الموسم ؟ قالوا : ابن عباس قالت هو أعلم الناس بالحج .

قال أبو محمد مع أنه قد روي عنها خلاف ما قاله عروة ، ومن هو خير من عروة وأفضل ، وأعلم ، وأصدق ، وأوثق . ثم ساق من طريق البزار ، عن الأشج ، عن عبد الله بن إدريس الأودي ، عن ليث ، عن عطاء ، وطاووس ، عن ابن عباس : تمتع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأبو بكر ، وعمر وأول من نهى عنها معاوية .

ومن طريق عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن ليث ، عن طاووس ، عن ابن عباس : تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر . حتى مات ، وعمر ، وعثمان كذلك وأول من نهى عنها ، معاوية .

قلت : حديث ابن عباس هذا ، رواه الإمام أحمد في " المسند " والترمذي . وقال حديث حسن .

وذكر عبد الرزاق ، قال حدثنا معمر عن ابن طاووس ، عن أبيه قال : قال أبي بن كعب ، وأبو موسى لعمر بن الخطاب : ألا تقوم فتبين للناس أمر هذه المتعة ؟ فقال عمر : وهل بقي أحد إلا وقد علمها ، أما أنا فأفعلها .

[ ص: 193 ] وذكر علي بن عبد العزيز البغوي ، حدثنا حجاج بن المنهال ، قال حدثنا حماد بن سلمة ، عن حماد بن أبي سليمان ، أو حميد ، عن الحسن أن عمر أراد أن يأخذ مال الكعبة ، وقال : الكعبة غنية عن ذلك المال ، وأراد أن ينهى أهل اليمن أن يصبغوا بالبول وأراد أن ينهى عن متعة الحج فقال أبي بن كعب : قد رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه هذا المال وبه وبأصحابه الحاجة إليه ، فلم يأخذه ، وأنت فلا تأخذه ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يلبسون الثياب اليمانية ، فلم ينه عنها ، وقد علم أنها تصبغ بالبول ، وقد تمتعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينه عنها ، ولم ينزل الله تعالى فيها نهيا .

وقد تقدم قول عمر : لو اعتمرت في وسط السنة ، ثم حججت ، لتمتعت ، ولو حججت خمسين حجة ، لتمتعت . ورواه حماد بن سلمة ، عن قيس ، عن طاووس ، عن ابن عباس ، عنه لو اعتمرت في سنة مرتين ، ثم حججت ، لجعلت مع حجتي عمرة .

والثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن طاووس ، عن ابن عباس ، عنه لو اعتمرت ، ثم اعتمرت ، ثم حججت ، لتمتعت . وابن عيينة : عن هشام بن حجير ، وليث ، عن طاووس عن ابن عباس ، قال : هذا الذي يزعمون أنه نهى عن المتعة - يعني عمر - سمعته يقول : لو اعتمرت ، ثم حججت ؛ لتمتعت . قال ابن عباس : كذا وكذا مرة ما تمت حجة رجل قط إلا بمتعة .

وأما الجواب الذي ذكره شيخنا ، فهو أن عمر - رضي الله عنه - لم ينه عن المتعة البتة ، وإنما قال : إن أتم لحجكم ، وعمرتكم أن تفصلوا بينهما ، فاختار عمر لهم أفضل الأمور ، وهو إفراد كل واحد منهما بسفر ينشئه له من بلده ، وهذا أفضل من القران والتمتع الخاص بدون سفرة أخرى ، وقد نص على ذلك أحمد ، وأبو [ ص: 194 ] حنيفة ، ومالك ، والشافعي - رحمهم الله تعالى - وغيرهم . وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وكان عمر يختاره للناس ، وكذلك علي - رضي الله عنهما - .

وقال عمر وعلي - رضي الله عنهما - في قوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) [ البقرة 196 ] قالا : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة في عمرتها : أجرك على قدر نصبك فإذا رجع الحاج إلى [ ص: 195 ] دويرة أهله ، فأنشأ العمرة منها ، واعتمر قبل أشهر الحج ، وأقام حتى يحج أو اعتمر في أشهره ، ورجع إلى أهله ، ثم حج فهاهنا قد أتى بكل واحد من النسكين من دويرة أهله ، وهذا إتيان بهما على الكمال ، فهو أفضل من غيره .

قلت : فهذا الذي اختاره عمر للناس ، فظن من غلط منهم أنه نهى عن المتعة ، ثم منهم من حمل نهيه على متعة الفسخ ، ومنهم من حمله على ترك الأولى ترجيحا للإفراد عليه ، ومنهم من عارض روايات النهي عنه بروايات الاستحباب وقد ذكرناها ، ومنهم من جعل في ذلك روايتين عن عمر ، كما عنه روايتان في غيرهما من المسائل ، ومنهم من جعل النهي قولا قديما ، ورجع عنه أخيرا ، كما سلك أبو محمد بن حزم ، ومنهم من يعد النهي رأيا رآه من عنده لكراهته أن يظل الحاج معرسين بنسائهم في ظل الأراك .

قال أبو حنيفة : عن حماد ، عن إبراهيم النخعي ، عن الأسود بن يزيد قال : بينما أنا واقف مع عمر بن الخطاب بعرفة عشية عرفة ، فإذا هو برجل مرجل شعره يفوح منه ريح الطيب ، فقال له عمر : أمحرم أنت ؟ قال نعم . فقال عمر : ما هيئتك بهيئة محرم إنما المحرم الأشعث الأغبر الأدفر . قال إني قدمت متمتعا ، وكان معي أهلي ، وإنما أحرمت اليوم . فقال عمر عند ذلك لا تتمتعوا في هذه الأيام فإني لو رخصت في المتعة لهم ، لعرسوا بهن في الأراك ، ثم راحوا بهن حجاجا . وهذا يبين ، أن هذا من عمر رأي رآه .

قال ابن حزم : فكان ماذا ؟ وحبذا ذلك ؟ وقد طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - على نسائه ، ثم أصبح محرما ، ولا خلاف أنالوطء مباح قبل الإحرام بطرفة عين والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية