الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وكان يصلي مدة مقامه بمكة إلى يوم التروية بمنزله الذي هو نازل فيه [ ص: 215 ] بالمسلمين بظاهر مكة ، فأقام بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء ، فلما كان يوم الخميس ضحى ، توجه بمن معه من المسلمين إلى منى ، فأحرم بالحج من كان أحل منهم من رحالهم ، ولم يدخلوا إلى المسجد فأحرموا منه ، بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم ، فلما وصل إلى منى نزل بها ، وصلى بها الظهر والعصر وبات بها ، وكان ليلة الجمعة فلما طلعت الشمس سار منها إلى عرفة ، وأخذ على طريق ضب على يمين طريق الناس اليوم ، وكان من أصحابه الملبي ، ومنهم المكبر ، وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة بأمره ، وهي قرية شرقي عرفات ، وهي خراب اليوم ، فنزل بها حتى إذا زالت الشمس ، أمر بناقته القصواء فرحلت ، ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة ، فخطب الناس وهو على راحلته خطبة عظيمة ، قرر فيها قواعد الإسلام ، وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية ، وقرر فيها تحريم المحرمات التي اتفقت الملل على تحريمها ، وهي الدماء ، والأموال ، والأعراض ، ووضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه ، ووضع فيها ربا الجاهلية كله ، وأبطله ، وأوصاهم بالنساء خيرا ، وذكر الحق ، الذي لهن ، والذي عليهن ، وأن الواجب لهن الرزق ، والكسوة بالمعروف ، ولم يقدر ذلك بتقدير ، وأباح للأزواج ضربهن إذا أدخلن إلى بيوتهن من يكرهه أزواجهن ، وأوصى الأمة فيها بالاعتصام بكتاب الله ، وأخبر أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين به ، ثم أخبرهم أنهم مسئولون عنه ، واستنطقهم : بماذا يقولون ، وبماذا يشهدون ، فقالوا : نشهد أنك قد بلغت ، وأديت ، ونصحت فرفع أصبعه إلى السماء ، واستشهد الله عليهم ثلاث مرات ، وأمرهم أن يبلغ شاهدهم غائبهم .

[ ص: 216 ] قال ابن حزم : وأرسلت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية وهي أم عبد الله بن عباس ، بقدح لبن فشربه أمام الناس ، وهو على بعيره ، فلما أتم الخطبة أمر بلالا فأقام الصلاة ، وهذا من وهمه - رحمه الله - ، فإن قصة شربه اللبن إنما كانت بعد هذا ، حين سار إلى عرفة ، ووقف بها هكذا جاء في " الصحيحين " مصرحا به عن ميمونة : أن الناس شكوا في صيام النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة ، فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف ، فشرب منه ، والناس ينظرون . وفي لفظ ، وهو واقف بعرفة .

وموضع خطبته لم يكن من الموقف ، فإنه خطب بعرنة ، وليست من الموقف ، وهو - صلى الله عليه وسلم - ، نزل بنمرة ، وخطب بعرنة ، ووقف بعرفة ، وخطب خطبة واحدة ، ولم تكن خطبتين ، جلس بينهما ، فلما أتمها أمر بلالا فأذن ، ثم أقام الصلاة ، فصلى الظهر ركعتين ، أسر فيهما بالقراءة ، وكان يوم الجمعة ، فدل على أن المسافر لا يصلي جمعة ، ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضا ، ومعه أهل مكة ، وصلوا بصلاته قصرا وجمعا بلا ريب ، ولم يأمرهم بالإتمام ، ولا بترك الجمع ، ومن قال : إنه قال لهم : " أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " فقد غلط فيه غلطا بينا ، ووهم وهما قبيحا ، وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة ، حيث كانوا في ديارهم مقيمين .

ولهذا كان أصح أقوال العلماء : إن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة ، كما فعلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي هذا أوضح دليل على أن سفر [ ص: 217 ] القصر لا يتحدد بمسافة معلومة ، ولا بأيام معلومة ، ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة البتة ، وإنما التأثير لما جعله الله سببا وهو السفر ، هذا مقتضى السنة ، ولا وجه لما ذهب إليه المحددون .

التالي السابق


الخدمات العلمية