الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال : ( وارتداد الصبي الذي يعقل ارتداد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله [ ص: 355 ] ويجبر على الإسلام ولا يقتل ، وإسلامه إسلام من لا يرث أبويه إن كانا كافرين . وقال أبو يوسف : ارتداده ليس بارتداد وإسلامه إسلام ) وقال زفر والشافعي رحمهما الله: إسلامه ليس بإسلام وارتداده ليس بارتداد ، لهما في الإسلام أنه تبع لأبويه فيه فلا يجعل أصلا ، ولأنه يلزمه أحكاما تشوبها المضرة فلا يؤهل له . ولنا فيه : { أن عليا رضي الله عنه أسلم في صباه وصحح النبي عليه الصلاة والسلام إسلامه }وافتخاره بذلك مشهور ، ولأنه أتى بحقيقة الإسلام وهي التصديق والإقرار معه لأن الإقرار عن طوع دليل على الاعتقاد على ما عرف والحقائق لا ترد ، وما يتعلق به سعادة أبدية ونجاة عقباوية وهي من أجل المنافع ، وهو الحكم الأصلي ثم يبتنى عليه غيرها فلا يبالى بشوبه ، ولهم في الردة : أنها مضرة محضة بخلاف الإسلام على أصل أبي يوسف رحمه الله لأنه تعلق به أعلى المنافع على ما مر ، ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما اللهفيها أنها موجودة حقيقة ولا مرد للحقيقة كما قلنا في الإسلام ، إلا أنه يجبر على الإسلام لما فيه من النفع له ولا يقتل لأنه عقوبة والعقوبات موضوعة عن الصبيان مرحمة [ ص: 356 ] عليهم ، وهذا في الصبي الذي يعقل ، ومن لا يعقل من الصبيان لا يصح ارتداده [ ص: 357 ] لأن إقراره لا يدل على تغير العقيدة ، وكذا المجنون والسكران الذي لا يعقل ، والله أعلم بالصواب . .

[ ص: 352 - 354 ]

التالي السابق


[ ص: 352 - 354 ] الحديث الثالث : روي أن { عليا رضي الله عنه أسلم في صباه ، وصحح النبي صلى الله عليه وسلم إسلامه } ، وافتخاره بذلك مشهور ; قلت : اختلفت الرواية في إسلام علي رضي الله عنه ، فأخرج البخاري في " تاريخه " عن عروة ، قال : أسلم علي ، وهو ابن ثماني [ ص: 355 ] سنين ، وأخرج الحاكم في " المستدرك في الفضائل " من طريق ابن إسحاق أن عليا أسلم ، وهو ابن عشر سنين ; وأخرج من طريق عبد الرزاق ثنا معمر عن قتادة عن الحسن أنه كان عمره خمس عشرة سنة ، وأخرج أيضا عن مسعر عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع الراية إلى علي يوم بدر ، وهو ابن عشرين سنة } ، انتهى .

وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه قال الذهبي في " مختصره " : هذا نص في أنه أسلم ، وله أقل من عشر سنين ، بل نص في أنه أسلم ابن سبع سنين ، أو ثماني سنين ، وهو قول عروة انتهى . وأخرج أيضا من طريق ابن إسحاق عن إسماعيل بن عمرو بن عفيف عن جده عفيف بن عمرو ، قال : { كنت امرأ تاجرا ، وكنت صديقا للعباس بن عبد المطلب في الجاهلية ، فقدمت لتجارة ، فنزلت على العباس بمنى ، فجاء رجل ، فنظر إلى الشمس حين مالت ، فقام يصلي ، ثم جاءت امرأة ، فقامت تصلي ، ثم جاء غلام قد راهق الحلم ، فقام يصلي ، فقلت : للعباس : من [ ص: 356 ] هذا ؟ فقال : هذا محمد ابن أخي يزعم أنه نبي ، ولم يتابعه على أمره غير امرأته هذه خديجة بنت خويلد ، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب ، قال : عفيف فلوددت أني أسلمت يومئذ ، فيكون لي ربع الإسلام }انتهى .

وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، وروى ابن سعد في " الطبقات في ترجمة علي " : أخبرنا الواقدي ثنا إبراهيم بن نافع ، وإسحاق بن حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قال : أول من صلى علي ، وهو ابن عشر سنين ، أخبرنا الواقدي حدثني عمرو بن عبد الله بن عنبسة عن عمارة بن غزية عن محمد بن عبد الرحمن بن زرارة ، قال : أسلم علي وهو ابن تسع سنين ، أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أبي عن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب { أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليا إلى الإسلام ، وهو ابن تسع سنين ، ويقال : دون التسع ، ولم يعبد وثنا قط لصغره } ، انتهى .

قال ابن الجوزي في " التحقيق " : روي عن أحمد أنه قال : أسلم علي وهو ابن ثماني سنين ، وروي عنه أيضا ، أنه أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة ، قال : واستقراء الحال يبطل رواية الخمسة عشر ، لأنه إذا كان له يوم البعث ثماني سنين فقد عاش بعد ثلاثا وعشرين سنة ، وبقي بعد النبي صلى الله عليه وسلم نحو الثلاثين ، فهذه مقاربة الستين ، وهو الصحيح في مقدار عمره ، ثم أسند عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : قتل علي ، وهو ابن ثمان وخمسين سنة ، قال : فمتى قلنا : إنه كان له يوم إسلامه خمس عشرة صار عمره ثمانيا وستين ، ولم يقله أحد انتهى .

قال صاحب " التنقيح " : والدليل على صحة إسلام الصبي ما رواه البخاري من حديث أنس ، قال : { كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده ، فقعد عند رأسه ، فقال له : أسلم ، فنظر إلى أبيه ، وهو عنده ، فقال : أطع أبا القاسم ، فأسلم ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو ، يقول : الحمد لله الذي أنقذه بي من النار }انتهى .

قال : ولأن النبي صلى الله عليه وسلم عرض الإسلام على ابن صياد ، وهو غلام لم يبلغ الحلم ، ومن قال : لا إله إلا الله دخل الجنة ، قال : والمنصوص عن أحمد صحة إسلام ابن سبع سنين ، فقال : إذا بلغ الغلام سبع سنين جاز إسلامه ، ويجبر على الإسلام إذا كان أحد أبويه مسلما ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { مروا صبيانكم بالصلاة لسبع } ، فإن رجع عن الإسلام انتظر به حتى يبلغ ، فإن أسلم ، وإلا قتل ، [ ص: 357 ] انتهى كلامه . .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث