الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم اعلم أن دلالة النكرة في سياق النفي على العموم قسمان : قسم يكون ( نصا ) وصورته : ما إذا بنيت فيه النكرة على الفتح لتركبها مع لا . نحو : لا إله إلا الله ( و ) قسم يكون ( ظاهرا ) وصورته : ما إذا لم تبن النكرة مع لا .

نحو : لا في الدار رجل بالرفع ; لأنه يصح أن يقال : بعده ، بل رجلان . فدل على أنها ليست نصا . فإن زيد فيها " من " كانت نصا أيضا ( و ) من صيغ العموم أيضا النكرة ( في ) سياق ( إثبات لامتنان ) مأخوذ ذلك من استدلال أصحابنا إذا حلف لا يأكل فاكهة يحنث بأكل التمر والرمان لقوله تعالى { فيهما فاكهة ونخل ورمان } قاله في القواعد الأصولية ، وذكر جماعة من العلماء . منهم القاضي أبو الطيب الطبري في أوائل تعليقه في الكلام على قوله تعالى { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } وجرى عليه الزملكاني في كتاب البرهان . وقطع به البرماوي في منظومته وشرحها . قيل : والقول به مأخوذ من كلام البيانيين في تنكير المسند إليه . أنه يكون للتكثير . نحو إن له لإبلا ، وإن له لغنما . وعليه حمل الزمخشري قوله تعالى { إن لنا لأجرا } وكذا قرره في قوله تعالى { فيها عين جارية } ( و ) كذا النكرة في سياق ( استفهام إنكاري ) قاله البرماوي وغيره . لأنه في معنى النفي . كما صرح به في العربية في باب مسوغات الابتداء وصاحب الحال . وفي باب الاستثناء ، وفي الوصف المبتدإ المستغنى بمرفوعه عن خبره عند من يشترط النفي ، أو ما في معناه ، وهو الاستفهام . نحو هل قام زيد ؟ قال الله تعالى { هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } [ ص: 357 ] { هل تعلم له سميا } فإن المراد نفي ذلك كله ، لأن الإنكار هو حقيقة النفي ( و ) كذا النكرة في سياق ( شرط ) فإنها تعم نحو قوله تعالى { من عمل صالحا فلنفسه } { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره } ومن يأتيني بأسير فله دينار . يعم كل أسير ; لأن الشرط في معنى النفي لكونه تعليق أمر لم يوجد على أمر لم يوجد . وقد صرح إمام الحرمين في البرهان بإفادته العموم ، ووافقه . الإبياري في شرحه ، وهو مقتضى كلام الآمدي وابن الحاجب وغيرهما في مسألة : لا أكلت وإن أكلت . وزعم بعضهم : أن المراد العموم البدلي لا العموم الشمولي ( ولا يعم جمع منكر غير مضاف ) عند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه والأكثر ; لأنه لو قال : اضرب رجالا ، امتثل بضرب أقل الجمع ، أو له عندي عبيد ، قبل تفسيره بأقل الجمع ، لأن أهل اللغة يسمونه نكرة ، ولو كان عاما لم يكن نكرة لمغايرة معنى النكرة لمعنى العموم ، كما سبق في تعريف العام ، ولأنه يصدق على أقل الجمع ، وعلى ما زاد مرتبة بعد أخرى إلى ما لا يتناهى ، وإذا كان مدلول النكرة أعم من هذا ومن الصور السابقة ، فالأعم لا يدل على الأخص . وعمومه في هذه الصورة إنما هو من عموم بدل لا شمول .

وذكر أبو الخطاب في التمهيد وجها بالعموم . وقاله أبو ثور وبعض الحنفية وبعض الشافعية وأبو علي الجبائي وحكاه الغزالي عن الجمهور ( و ) على الأول ( يحمل على أقل جمع ) وقيل : يحمل على مجموع الأفراد من دلالة الكل على الأجزاء . والصحيح الأول . قال ابن العراقي : قلت : وكلام الجمهور في الحمل على أقل الجمع محمول على جموع القلة ، لنصهم على أن جموع الكثرة إنما تتناول أحد عشر فما فوقها . ويخالفه قول الفقهاء : إنه يقبل تفسير الإقرار بدراهم بثلاثة ، مع أن دراهم جمع كثرة . وكأنهم جروا في ذلك على العرف من غير نظر إلى الوضع اللغوي . انتهى ( وهو ) أي أقل الجمع ( ثلاثة حقيقة ) قاله أكثر المتكلمين . وذكره ابن برهان قول الفقهاء قاطبة . وحكاه القاضي عبد الوهاب عن مالك . وحكاه الآمدي عن ابن عباس ومشايخ المعتزلة ; وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني والباقلاني والغزالي [ ص: 358 ] وابن الماجشون ، والبلخي ، وابن داود ، وعلي بن عيسى النحوي ، ونفطويه ، وبعض أصحابنا : اثنان حقيقة . وحكي عن عمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهما ، واستدل للأول بسبق الثلاثة عند الإطلاق . ولا يصح نفي الصيغة عنها .

وهما دليل الحقيقة . والمثنى بالعكس . روى البيهقي وابن حزم - محتجا به - وغيرهما بإسناد جيد إلى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس . رضي الله عنهما . عنه ; أنه قال لعثمان " إن الأخوين لا يردان الأم إلى السدس . إنما قال الله تعالى ( { فإن كان له إخوة } ) والأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة . فقال عثمان : لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلي ، وتوارثه الناس ، ومضى في الأمصار " قال أحمد في شعبة : ما أرى به بأسا . واختلف قول ابن معين ، وقال مالك : ليس بثقة . وقال أبو زرعة : ضعيف . وقال النسائي : ليس بقوي ، ولما حجب القوم الأم بالأخوين دل على أن الآية قصدت الأخوين فما فوق ، وهذا دليل صحة الإطلاق مجازا . ودليل القائل حقيقة هذه الآية . والأصل الحقيقة . وعن زيد بن ثابت " يسمى الأخوان إخوة " رد بما سبق . وإن صح قول زيد - فإن فيه عبد الرحمن بن أبي الزناد ، مختلف فيه - فمراده : مجازا وفي حجب الأم . قالوا ( { إنا معكم مستمعون } ) لموسى وهارون ، رد ، ومن آمن من قومهما ، أو وفرعون أيضا ، قالوا ( { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } ) رد الطائفة الجماعة لغة . وعن ابن عباس " الطائفة : الواحد فما فوقه نحو قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " فإن صح فمجاز . ولا يلزم مثله في الجمع ، ولهذا قال الجوهري : هي القطعة من الشيء . وذكر قول ابن عباس هذا ، كالخصم للواحد والجمع ; لأنه في الأصل مصدر .

قالوا ( { وكنا لحكمهم شاهدين } ) رد الضمير للقوم ، أو لهم وللحاكم ، فيكون الحكم بمعنى الأمر ; لأنه لا يضاف المصدر إلى الفاعل والمفعول . قالوا : قال عليه الصلاة والسلام { الاثنان فما فوقهما جماعة } رد خبر ضعيف . ثم المراد في الفضيلة ، لتعريفه الشرع لا اللغة . وعلى الأول : قال أصحابنا وأبو المعالي : يصح إطلاق الجمع على الاثنين والواحد مجازا . واستدلوا بقوله تعالى ( [ ص: 359 ] { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم } ) ومثله ابن فارس بقوله تعالى ( { فناظرة بم يرجع المرسلون } ) فإن المراد بالمرسلين : سليمان أو الهدهد وفيه نظر ; لاحتمال إرادتها الجيش . ومثله بعضهم بقول الزوج لامرأته - وقد رآها تتصدى لناظريها - : تتبرجين للرجال ؟ ولم ير إلا واحدا . فإن الأنفة من ذلك يستوي فيها الجمع والواحد . واعترض بأنه إنما أراد الجمع ، لظنه أنها لم تتبرج لهذا الواحد إلا وقد تبرجت لغيره . ( والمراد ) بما تقدم من محل الخلاف ( غير لفظ جمع ) المشتمل على الجيم والميم والعين ; فإنه يطلق على الاثنين ، كما صرح به المحققون ; لأن مدلوله : ضم شيء إلى شيء ( و ) غير ( نحن ، وقلنا ، وقلوبكما ) ونحو ذلك مما في الإنسان منه شيء واحد ، بل هو وفاق . قال البرماوي وغيره : ليس الخلاف في { صغت قلوبكما } لأن قاعدة . : أن كل اثنين أضيفا إلى متضمنهما يجوز فيه ثلاثة أوجه : الجمع على الأصح ، نحو قطعت رءوس الكبشين ، ثم الإفراد كرأس الكبشين ، ثم التثنية كرأسي الكبشين . وإنما رجح الجمع استثقالا ، لتوالي دالين على شيء واحد ، وهو التثنية وتضمن الجمع العدد ، بخلاف ما لو أفرد . انتهى .

وإنما كان الخلاف في غير ذلك لاستثناء ذلك لغة . وإنما الخلاف في نحو " رجال ومسلمين " وضمائر الغيبة والخطاب . ( وأقل الجماعة في غير صلاة ثلاثة ) قاله الأصحاب ، ما عدا ابن الجوزي في كشف المشكل ، وصاحب البلغة فيها . واختاره من النحاة الزجاج ، وذكر بعض المتأخرين : أن لفظ " جمع " كلفظ " جماعة " ( ومعيار العموم : صحة الاستثناء من غير عدد ) يعني أنه يستدل على عموم اللفظ بقبوله الاستثناء منه ، فإن الاستثناء إخراج ما لولاه لوجب دخوله في المستثنى منه ، فوجب أن تكون كل الأفراد واجبة الاندراج . وهذا معنى العموم ، ولم يستثن في جمع الجوامع العدد ، فورد عليه ، فأجاب : بأنا لم نقل كل مستثنى منه عام .

بل قلنا : كل عام يقبل الاستثناء . فمن أين العكس ؟ قال في شرح التحرير : وفيما قاله نظر ; فإن معيار الشيء ما يسعه وحده . فإذا وسع غيره معه خرج عن كونه معياره . فاللفظ يقتضي اختصاص الاستثناء بالعموم انتهى ، وبقيت [ ص: 360 ] مسائل تدل على العموم . منها : أن يكون اللفظ عاما بالعرف أو بالعقل ، فالأول في ثلاث أمور : أحدها : فحوى الخطاب . والثاني : لحن الخطاب . فهذان القسمان الحكم فيهما على شيء ، والمسكوت عنه مساو له . فيه أو أولى نحو . قوله تعالى . ( { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ) ( { فلا تقل لهما أف } ) . ويأتي بيان القسمين في مفهوم الموافقة . وحكاية الخلاف في الفحوى أنه . دل على المسكوت عنه قياسا ، أو نقل عرفا أو مجازا بالقرينة ، أو دل من حيث المفهوم . والثالث : ما نسبة الحكم فيه لذات . وإنما تعلق في المعنى بفعل اقتضاه الكلام ، نحو . قوله تعالى . { حرمت عليكم الميتة } { حرمت عليكم أمهاتكم } فإن العرف الأول نقله إلى تحريم الأكل على العموم ، وفي الثانية إلى جميع الاستمتاعات المقصودة من النساء ، فيشمل الوطء ومقدماته . ومنهم من يقدر الوطء فقط ، على ما يأتي . والثاني وهو العام بالعقل . وذلك في ثلاثة أمور : أحدها : ترتيب الحكم على الوصف ، نحو حرمت الخمر للإسكار فإن ذلك يقتضي أن يكون علة له ، والعقل يحكم بأنه كلما وجدت العلة يوجد المعلول ، وكلما انتفت ينتفي . فهذا القسم لم يدل باللغة ، لأنه لا منطوق فيه بصيغة عموم ، ولا بالمفهوم ، وذلك ظاهر ، ولا بالعرف لعدم الاشتهار . فلم يبق إلا العقل . وإذا قلنا : بأن نحو قوله تعالى { فلا تقل لهما أف } من باب القياس يكون من العام عقلا ، نعم ترتيب الحكم على العلة ، وإن كان من عموم العلة عقلا ، لكنه إذا كان من الشرع فالحكم في عمومه لكل ما فيه تلك العلة التي وقع القياس بها شرعي . وقيل : الحكم في عمومه لغوي . وقيل : لا يعم شرعا ولا لغة . ومن أمثلة المسألة قوله صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد { زملوهم بكلومهم ودمائهم ، فإنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دما } فإنه يعم كل شهيد شرعا . والثاني : مفهوم المخالفة عند القائل به ، لقوله صلى الله عليه وسلم { مطل الغني ظلم } فإنه يدل بمفهومه على أن مطل غير الغني عموما لا يكون ظلما . والثالث : إذا وقع جوابا لسؤال ، [ ص: 361 ] كما لو { سئل النبي صلى الله عليه وسلم عمن أفطر ؟ فقال عليه الكفارة } فيعلم أنه يعم كل مفطر . ( فائدة : ) ( سائر الشيء بمعنى باقيه ) وهذا المشهور عند الجمهور . وذلك لأنها من " أسأر " بمعنى أبقى ، فهو من السؤر ، وهو البقية ، فلا يعم وقال الجوهري في الصحاح : هي بمعنى الجميع ، لأنها من سور المدينة ، وهو المحيط بها . وغلطوه .

قال في شرح التحرير : وليس كذلك ، فقد ذكره السيرافي في شرح سيبويه ، والجواليقي في شرح أدب الكاتب ، وابن بري وغيرهم ، وأوردوا له شواهد كثيرة وممن عدها من صيغ العموم : القاضي أبو بكر الباقلاني في التقريب ، وغيره .

ولكن قال البرماوي : لا تنافي بين القولين ، فهو للعموم المطلق . والعموم الباقي بحسب الاستعمال ( فصل ) ( العام بعد تخصيصه حقيقة ) فيما لم . يخص عند الأكثر من أصحابنا . ونقله أبو المعالي عن جمهور الفقهاء . قال أبو حامد : هذا مذهب الشافعي وأصحابه . وذلك لأن العام في تقدير ألفاظ مطابقة لأفراد مدلوله منها فسقط بالتخصيص طبق ما خصص به من المعنى . فالباقي منها ومن المدلول متطابقان تقديرا ، فلا استعمال في غير الموضوع له ، فلا مجاز ، فالتناول باق ، فكان حقيقة قبله ، فكذا بعده . وقال أبو الخطاب وأكثر الأشعرية والمعتزلة : يكون مجازا بعد التخصيص . واختاره البيضاوي وابن الحاجب والصفي الهندي ، لأنه قبل التخصيص حقيقة في الاستغراق . فلو كان حقيقة فيه بعد لم يفتقر إلى قرينة ، ويحصل الاشتراك . وجملة الأقوال في المسألة ثمانية ، تركنا باقيها خشية الإطالة .

التالي السابق


الخدمات العلمية