الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الحادي عشر من بره وتوقيره صلى الله عليه وسلم توقير أصحابه وبرهم ومعرفة حقوقهم وحسن الثناء عليهم والاستغفار لهم والإمساك عما شجر بينهم

الباب الحادي عشر من بره وتوقيره صلى الله عليه وسلم توقير أصحابه وبرهم ومعرفة حقوقهم وحسن الثناء عليهم والاستغفار لهم والإمساك عما شجر بينهم

قال تعالى : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه [الفتح 29] وقوله فاستغلظ [الفتح 29] أي : صار بعد قوته غليظا فاستوى على سوقه [الفتح 29] أي : قام على قضيبه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما [الفتح 29] وقال عز وجل : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم [التوبة 100] وقال عز من قائل : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة [الفتح 18] وقال تعالى : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا [الأحزاب 23] .

وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال : الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا- بغين وضاد معجمتين بينهما مفتوحات- بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن أذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، فيوشك أن يأخذه .

وروى الشيخان عن أنس - رضي الله تعالى عنه- قال : «قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار» .

وروى الطبراني والحارث بن أبي أسامة عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه- قال :

قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» .

وروى الطبراني وابن ماجه عن حذيفة - رضي الله تعالى عنه- قال : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» .

وروى البزار وأبو يعلى عن أنس - رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال : «أصحابي» وزاد البغوي في «المصابيح» و «شرح السنة» «مثل أصحابي في أمتي كمثل الملح [ ص: 449 ] في الطعام لا يصلح الطعام إلا به» .

وروى مسلم عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»

لغة في النصف .

وروى الديلمي عن عويم بن ساعدة ، وأبو نعيم في «الحلية» ، عن جابر - رضي الله تعالى عنه- أنه- عليه الصلاة والسلام- قال : «من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منهم صرفا» - أي توبة- أو نافلة- «ولا عدلا» أي : فدية أو فريضة .

وروى الديلمي والبزار عنه أنه- صلى الله عليه وسلم- قال : «إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين ، واختار لي من أصحابي أربعة : أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ، فجعلهم خير أصحابي ، وفي أصحابي كلهم خير» .

وروى الطبراني في «الأوسط» بسند صحيح حسن ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه- قال : قال- رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «من أحب عمر فقد أحبني ، ومن أبغض عمر فقد أبغضني» .

وروى الطبراني وابن منده عن خالد بن عمرو عن سهل بن يوسف بن سهل ابن أخي كعب بن مالك عن أبيه عن جده قال ابن منده : غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه أنه- عليه الصلاة والسلام- لما قدم المدينة من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

«أيها الناس إني راض عن أبي بكر لم يسؤني قط فاعرفوا ذلك له [وقال] : يا أيها الناس إني راض عن عمر وعن عثمان وعن علي وعن طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين والأنصار فاعرفوا لهم ذلك ، أيها الناس إن الله غفر لأهل بدر والحديبية وقال : أيها الناس احفظوني في أصحابي وفي أصهاري وأختاني لا يطلبنكم أحد منهم بمظلمة ، فإنها مظلمة لا توهب في القيامة غدا»
.

وروى الترمذي وضعفه عن جابر - رضي الله تعالى عنه- قال : أتي النبي- صلى الله عليه وسلم- بجنازة رجل يصلي عليه فلم يصل عليه فقيل : يا رسول الله ما رأيناك تركت الصلاة على أحد قبل هذا [ ص: 450 ] قال : إنه كان يبغض عثمان فأبغضه الله .

وروى الشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه- عليه الصلاة والسلام- قال في الأنصار «اعفوا من مسيئهم ، واقبلوا من محسنهم» وللبخاري «أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين والأنصار أن يقبل من محسنهم ، ويتجاوز عن مسيئهم» .

وروى أبو نعيم والديلمي عن عياض الأنصاري ، وابن منيع عن أنس - رضي الله تعالى عنه- أنه- عليه الصلاة والسلام- قال : «احفظوني في أصحابي وأصهاري ، فإنه من حفظني فيهم حفظه الله في الدنيا والآخرة ، ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله عنه ، - أي : أعرض عنه- (وترك في غيه ) يتردد ومن تخلى الله عنه يوشك أن يأخذه» .

وروى سعيد بن منصور عن عطاء بن أبي رباح مرسلا ، أنه- عليه الصلاة والسلام- قال : «من حفظني فيهم كنت له حافظا يوم القيامة [وقال : ومن حفظني في أصحابي ورد علي الحوض] ومن لم يحفظني فيهم لم يرد علي الحوض ، ولم يرني يوم القيامة إلا من بعيد» .

وقال رجل للمعافى بن عمران : أين عمر بن عبد العزيز من معاوية فغضب وقال : لا يقاس على أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحد ، أي : لحديث الشيخين «خير أمتي قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم» معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله تعالى .

قال مالك - رحمه الله تعالى- وغيره : من أبغض الصحابة وسبهم فليس له في المسلمين شيء ، ونزع من الإيمان بقوله تعالى والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا . ربنا إنك رءوف رحيم [الحشر 10] .

وقال : من غاظ أصحاب محمد فهو كافر ، قال الله تعالى : ليغيظ بهم الكفار .

وقال عبد الله بن المبارك : خصلتان من كانتا فيه نجا ، [الصدق وحب أصحاب محمد ] وقال أيوب السختياني : من أحب أبا بكر فقد أقام الدين ، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل ، ومن أحب عثمان فقد استضاء بنور الله ، ومن أحب عليا فقد أخذ بالعروة الوثقى ومن أحسن الثناء على أصحاب محمد فقد برئ من النفاق ، ومن انتقص أحدا منهم فهو مبتدع مخالف للسنة والسلف الصالح ، وأخاف أن لا يصعد له عمل إلى السماء حتى يحبهم جميعا ويكون قلبه سليما . [ ص: 451 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث