الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

أما قوله تعالى : ( أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ) فاعلم أن في الآية مسائل :

[ ص: 11 ] المسألة الأولى : ظاهر الكلام أن الذين آمنوا وسعوا في تخريب المسجد هم الذين يحرم عليهم دخوله إلا خائفين ، وأما من يجعله عاما في الكل فذكروا في تفسير هذا الخوف وجوها :

أحدها : ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال الهيبة وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا عليهم ، ويمنعوا المؤمنين منها ، والمعنى : ما كان الحق والواجب إلا ذلك ، لولا ظلم الكفرة وعتوهم .

وثانيها : أن هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد ، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفا ، يخاف أن يؤخذ فيعاقب ، أو يقتل إن لم يسلم ، وقد أنجز الله صدق هذا الوعد ، فمنعهم من دخول المسجد الحرام ، ونادى فيهم عام حج أبو بكر رضي الله عنه : ألا لا يحجن بعد العام مشرك ، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج اليهود من جزيرة العرب ، فحج من العام الثاني ظاهرا على المساجد لا يجترئ أحد من المشركين أن يحج ، ويدخل المسجد الحرام ، وهذا هو تفسير أبي مسلم في حمل المنع من المساجد على صدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المسجد الحرام عام الحديبية ، ويحمل هذا الخوف على ظهور أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وغلبته لهم بحيث يصيرون خائفين منه ومن أمته .

وثالثها : أن يحمل هذا الخوف على ما يلحقهم من الصغار والذل بالجزية والإذلال .

ورابعها : أنه يحرم عليهم دخول المسجد الحرام إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمخاصمة والمحاكمة والمحاجة ؛ لأن كل ذلك يتضمن الخوف ، والدليل عليه قوله تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ) [ التوبة : 17 ] .

وخامسها : قال قتادة والسدي : قوله : ( إلا خائفين ) بمعنى أن النصارى لا يدخلون بيت المقدس إلا خائفين ، ولا يوجد فيه نصراني إلا أوجع ضربا ، وهذا التأويل مردود ؛ لأن بيت المقدس بقي أكثر من مائة سنة في أيدي النصارى ، بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفا ، إلى أن استخلصه الملك صلاح الدين رحمه الله في زماننا .

وسادسها : أن قوله : ( ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ) وإن كان لفظه لفظ الخبر ، لكن المراد منه النهي عن تمكينهم من الدخول ، والتخلية بينهم وبينه ؛ كقوله : ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ) [ الأحزاب : 53 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث