الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه

أما قوله تعالى : ( بديع السماوات والأرض ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : البديع والمبدع بمعنى واحد . قال القفال : وهو مثل أليم بمعنى مؤلم وحكيم بمعنى محكم ، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه ، وأنه يدل على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع ، فهو في ذلك بمنزلة سامع وسميع ، وقد يجيء بديع بمعنى مبدع ، والإبداع الإنشاء ، ونقيض [ ص: 24 ] الإبداع الاختراع على مثال ، ولهذا السبب فإن الناس يسمون من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعا .

المسألة الثانية : اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول ؛ لأنه تعالى قال : ( بل له ما في السماوات والأرض ) فبين بذلك كونه مالكا لما في السماوات والأرض ، ثم بين بعده أنه المالك أيضا للسماوات والأرض ، ثم إنه تعالى بين أنه كيف يبدع الشيء فقال : ( وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال بعض الأدباء : القضاء مصدر في الأصل سمي به ، ولهذا جمع على أقضية كغطاء وأغطية ، وفي معناه القضية ، وجمعها القضايا ، ووزنه فعال من تركيب " ق ض ي " وأصله " قضاي " إلا أن الياء لما وقعت طرفا بعد الألف الزائدة اعتلت فقلبت ألفا ، ثم لما لاقت هي ألف فعال ، قلبت همزة لامتناع التقاء الألفين لفظا ، ومن نظائره المضاء والأتاء ، من مضيت وأتيت ، والسقاء والشفاء ، من سقيت وشفيت ، والدليل على أصالة الياء دون الهمزة ثباتها في أكثر تصرفات الكلمة ، تقول : قضيت وقضينا وقضيت . . . . إلى قضيتن ، وقضيا وقضين ، وهما يقضيان ، وهي وأنت تقضي ، والمرأتان وأنتما تقضيان ، وهن يقضين ، وأما أنت تقضين فالياء فيه ضمير المخاطبة ، وأما معناه فالأصل الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع ، من ذلك قولهم : قضى القاضي لفلان على فلان بكذا قضاء إذا حكم ؛ لأنه فصل للدعوى ، ولهذا قيل : حاكم فيصل إذا كان قاطعا للخصومات . وحكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا : القاضي معناه القاطع للأمور المحكم لها ، وقولهم : انقضى الشيء إذا تم وانقطع ، وقولهم : قضى حاجته ، معناه قطعها عن المحتاج ، ودفعها عنه ، وقضى دينه إذا أداه إليه ، كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه ، أو انقطع كل منهما عن صاحبه ، وقولهم : قضى الأمر ، إذا أتمه وأحكمه ، ومنه قوله تعالى : ( فقضاهن سبع سماوات ) [ فصلت : 12 ] وهو من هذا ؛ لأن في إتمام العمل قطعا له وفراغا منه ، ومنه : درع قضاء ، من قضاها إذا أحكمها وأتم صنعها ، وأما قولهم : قضى المريض ، وقضى نحبه إذا مات ، وقضى عليه : قتله ، فمجاز مما ذكر ، والجامع بينهما ظاهر ، وأما تقضي البازي فليس من هذا التركيب ، ومما يعضد ذلك دلالة ما استعمل من تقليب ترتيب هذا التركيب عليه ، وهو القيض والضيق ، أما الأول فيقال : قاضه فانقاض ، أي شقه فانشق ، ومنه قيض البيض لما انفلق من قشره الأعلى ، وانقاض الحائط إذا انهدم من غير هدم ، والقطع والشق والفلق والهدم متقاربة ، وأما الضيق وما يشتق منه فدلالته على معنى القطع بينة ، وذلك أن الشيء إذا قطع ضاق أو على العكس ، ومما يؤكد ذلك أن ما يقرب من هذا التركيب يدل أيضا على معنى القطع :

فأولها : قضبه إذا قطعه ، ومنه القضبة المرطبة ؛ لأنها تقضب أي تقطع ، تسمية بالمصدر ، والقضيب : الغصن ، فعيل بمعنى مفعول ، والمقضب ما يقضب به كالمنجل .

وثانيها : القضم ، وهو الأكل بأطراف الأسنان ؛ لأن فيه قطعا للمأكول ، وسيف قضيم : في طرفه تكسر وتفلل .

وثالثها : القضف ، وهو الدقة ، يقال رجل قضيف ، أي : نحيف ؛ لأن القلة من مسببات القطع .

ورابعها : القضأة فعلة ، وهي الفساد ، يقال قضئت القربة إذا عفت وفسدت ، وفي حسبه قضأة أي عيب ، وهذا كله من أسباب القطع أو مسبباته ، فهذا هو الكلام في مفهومه الأصلي بحسب اللغة .

المسألة الثانية : في محامل لفظ القضاء في القرآن ، قالوا : إنه يستعمل على وجوه :

أحدها : بمعنى الخلق ، قوله تعالى : ( فقضاهن سبع سماوات ) [ فصلت : 12 ] يعني خلقهن .

وثانيها : بمعنى الأمر ، قال تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) [ الإسراء : 23 ] .

وثالثها : بمعنى الحكم ، ولهذا يقال للحاكم : القاضي .

[ ص: 25 ] ورابعها : بمعنى الإخبار ، قال تعالى : ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) [ الإسراء : 4 ] أي : أخبرناهم ، وهذا يأتي مقرونا بـ " إلى " .

وخامسها : أن يأتي بمعنى الفراغ من الشيء ، قال تعالى : ( فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ) [ الأحقاف : 29 ] يعني لما فرغ من ذلك ، وقال تعالى : ( وقضي الأمر واستوت على الجودي ) [ هود : 44 ] يعني فرغ من إهلاك الكفار ، وقال : ( ليقضوا تفثهم ) [ الحج : 29 ] بمعنى ليفرغوا منه ، إذا عرفت هذا فنقول : قوله : ( إذا قضى أمرا ) [ آل عمران : 47 ] قيل : إذا خلق شيئا ، وقيل : حكم بأنه يفعل شيئا ، وقيل : أحكم أمرا ، قال الشاعر :


وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع

المسألة الثالثة : اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص ، وهل هو حقيقة في الفعل والشأن الحق ؟ نعم ، وهو المراد بالأمر ههنا ، وبسط القول فيه مذكور في أصول الفقه .

المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر : " كن فيكون " بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين : في أول آل عمران : ( كن فيكون الحق ) [ آل عمران : 60 ] وفي الأنعام : ( كن فيكون قوله الحق ) [ الأنعام : 73 ] فإنه رفعهما ، وعن الكسائي بالنصب في النحل ويس ، وبالرفع في سائر القرآن ، والباقون بالرفع في كل القرآن ، أما النصب فعلى جواب الأمر ، وقيل : هو بعيد ، والرفع على الاستئناف ، أي : فهو يكون .

المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى : ( فإنما يقول له كن فيكون ) [ آل عمران : 47 ] هو أنه تعالى يقول له : " كن " فحينئذ يتكون ذلك الشيء ، فإن ذلك فاسد ، والذي يدل عليه وجوه :

الأول : أن قوله : ( كن فيكون ) إما أن يكون قديما أو محدثا ، والقسمان فاسدان ، فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على " كن " ، إنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قديما لوجوه :

الأول : أن كلمة " كن " لفظة مركبة من الكاف والنون ، بشرط تقدم الكاف على النون ، فالنون لكونه مسبوقا بالكاف لا بد وأن يكون محدثا ، والكاف لكونه متقدما على المحدث بزمان واحد ، يجب أن يكون محدثا .

الثاني : أن كلمة " إذا " لا تدخل إلا على سبيل الاستقبال ، فذلك القضاء لا بد وأن يكون محدثا ؛ لأنه دخل عليه حرف " إذا " ، وقوله " كن " مرتب على القضاء بفاء التعقيب ؛ لأنه تعالى قال : ( فإنما يقول له كن ) ، والمتأخر عن المحدث محدث ، فاستحال أن يكون " كن " قديما .

الثالث : أنه تعالى رتب تكون المخلوق على قوله " كن " بفاء التعقيب ، فيكون قوله " كن " مقدما على تكون المخلوق بزمان واحد ، والمتقدم على المحدث بزمان واحد لا بد وأن يكون محدثا ، فقوله " كن " لا يجوز أن يكون قديما ، ولا جائز أيضا أن يكون قوله " كن " محدثا ؛ لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله " كن " وقوله " كن " أيضا محدث ، فيلزم افتقار " كن " إلى " كن " آخر ، ويلزم إما التسلسل وإما الدور ، وهما محالان ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله " كن " .

الحجة الثانية : أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق بـ " كن " قبل دخوله في الوجود ، أو حال دخوله في الوجود ، والأول باطل ؛ لأن خطاب المعدوم حال عدمه سفه ، والثاني أيضا باطل ؛ لأنه يرجع حاصله إلى أنه تعالى أمر الموجود بأن يصير موجودا ، وذلك أيضا لا فائدة فيه .

الحجة الثالثة : أن المخلوق قد يكون جمادا ، وتكليف الجماد عبث ، ولا يليق بالحكيم .

الحجة الرابعة : أن القادر هو الذي يصح منه الفعل وتركه بحسب الإرادات ، فإذا فرضنا القادر المريد [ ص: 26 ] منفكا عن قوله " كن " ، فإما أن يتمكن من الإيجاد والإحداث ، أو لا يتمكن ، فإن تمكن لم يكن الإيجاد موقوفا على قوله " كن " ، وإن لم يتمكن فحينئذ يلزم أن لا يكون القادر قادرا على الفعل إلا عند تكلمه بـ " كن " ، فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سمعتم القدرة بـ " كن " ، وذلك نزاع في اللفظ .

الحجة الخامسة : أن " كن " لو كان له أثر في التكوين لكنا إذا تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير ، ولما علمنا بالضرورة فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة .

الحجة السادسة : أن " كن " كلمة مركبة من الكاف والنون ، بشرط كون الكاف متقدما على النون ، فالمؤثر إما أن يكون هو أحد هذين الحرفين أو مجموعهما ، فإن كان الأول لم يكن لكلمة " كن " أثر ألبتة ، بل التأثير لأحد هذين الحرفين ، وإن كان الثاني فهو محال ؛ لأنه لا وجود لهذا المجموع ألبتة ؛ لأنه حين حصل الحرف الأول لم يكن الثاني حاصلا ، وحين جاء الثاني فقد فات الأول ، وإن لم يكن للمجموع وجود ألبتة استحال أن يكون للمجموع أثر ألبتة .

الحجة السابعة : قوله تعالى : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) [ آل عمران : 59 ] بين أن قوله " كن " متأخر عن خلقه ، إذ المتأخر عن الشيء لا يكون مؤثرا في المتقدم عليه ، فعلمنا أنه لا تأثير لقوله " كن " في وجود الشيء ، فظهر بهذه الوجوه فساد هذا المذهب ، وإذا ثبت هذا فنقول : لا بد من التأويل ، وهو من وجوه :

الأول : وهو الأقوى ، أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء ، وأنه تعالى يخلق الأشياء ، لا بفكرة ومعاناة وتجربة ، ونظيره قوله تعالى عند وصف خلق السماوات والأرض : ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) [ فصلت : 11 ] من غير قول كان منهما ، لكن على سبيل سرعة نفاذ قدرته في تكوينهما من غير ممانعة ومدافعة ، ونظيره قول العرب : قال الجدار للوتد : لم تشقني ؟ قال : سل من يدقني ، فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي ، ونظيره قوله تعالى : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) [ الإسراء : 44 ] .

الثاني : أنه علامة يفعلها الله تعالى للملائكة ، إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمرا ، يحكى ذلك عن أبي الهذيل .

الثالث : أنه خاص بالموجودين الذين قال لهم : ( كونوا قردة خاسئين ) [ البقرة : 65 ] ومن جرى مجراهم ، وهو قول الأصم .

الرابع : أنه أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة ، والكل ضعيف ، والقوي هو الأول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث