الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( فصل ) الفصل لغة : الحجز بين شيئين . ومنه فصل الربيع ; لأنه يحجز بين الشتاء والصيف . وهو في كتب العلم كذلك ; لأنه يحجز بين أجناس المسائل وأنواعها .

ولما كان موضوع علم أصول الفقه : الأدلة الموصلة إلى الفقه ، ولم يتقدم ما يدل على معنى الدليل ، ولا على ناصبه : أخذ في تعريف ذلك بقوله ( الدال : الناصب للدليل ) وهو الله سبحانه . قاله الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه . وأن الدليل القرآن . وقيل : إن الدال والدليل بمعنى واحد . وعلى هذا القول أكثر المتأخرين . وإن " دليل " فعيل بمعنى فاعل ، كعليم وسميع ، بمعنى عالم وسامع . ( وهو ) أي والدليل ( لغة ) أي في اللغة ( المرشد ) يعني أنه يطلق على المرشد حقيقة ( و ) على ( ما ) يحصل ( به الإرشاد ) مجازا . فالمرشد هو الناصب للعلامة أو الذاكر لها . والذي يحصل به الإرشاد هو العلامة التي نصبت [ ص: 16 ] للتعريف ( و ) الدليل ( شرعا ) أي في اصطلاح علماء الشريعة ( ما ) أي الشيء الذي ( يمكن التوصل بصحيح النظر ) متعلق بالتوصل ، أي بالنظر الصحيح ، من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ( فيه ) أي في ذلك الشيء ( إلى مطلوب خبري ) متعلق بالتوصل .

وقوله " خبري " أي تصديقي ، وإنما قالوا " ما يمكن " ولم يقولوا ما يتوصل ، للإشارة إلى أن المعتبر التوصل بالقوة ، لأنه يكون دليلا ، ولو لم ينظر فيه . وخرج بقوله : " ما يمكن " ما لا يمكن التوصل به إلى المطلوب كالمطلوب نفسه ، فإنه لا يمكن التوصل به إليه ، أو يمكن التوصل [ به ] إلى المطلوب لكن لا بالنظر كسلوك طريق يمكن التوصل بها إلى مطلوبه . وخرج بقوله " بصحيح النظر " فاسده ككاذب المادة في اعتقاد الناظر . وخرج بوصف " المطلوب الخبري " المطلوب التصوري ، كالحد والرسم . ويدخل في المطلوب الخبري ما يفيد القطع والظن . وهو مذهب أصحابنا ، وأكثر الفقهاء والأصوليين . والقول الثاني : أن ما أفاد القطع يسمى دليلا ، وما أفاد الظن يسمى أمارة . ويحصل المطلوب المكتسب بالنظر الصحيح في الدليل ( عقبه ) أي عقب النظر ( عادة ) أي في العادة . وعلى هذا القول أكثر العلماء ; لأنه قد جرت العادة بأن يفيض على نفس المستدل بعد النظر الصحيح مادة مطلوبه ، وصورة مطلوبه الذي توجه بنظره إلى تحصيله . والقول الثاني : أن المطلوب يحصل عقب النظر ضرورة . لأنه لا يمكن تركه . ( والمستدل ) هو ( الطالب له ) أي للدليل ( من سائل ومسئول ) قاله القاضي في العدة ، وأبو الخطاب في التمهيد ، وابن عقيل في الواضح ، وذلك لأن السائل يطلب الدليل من المسئول ، والمسئول يطلب الدليل من الأصول .

إذا علمت ذلك ( فالدال : الله تعالى ، والدليل : القرآن ، والمبين : الرسول ، والمستدل : أولو العلم ، هذه قواعد الإسلام ) قال ذلك الإمام أحمد رضي الله عنه وإنما أخر ذلك بعض المصنفين ، ليستدل به على صحة ما تقدم ذكره ، وتبركا بنص الإمام . وقوله " هذه قواعد الإسلام " قال في شرح التحرير : الذي يظهر أن [ ص: 17 ] معناه : أن قواعد الإسلام ترجع إلى الله تعالى ، وإلى قوله وهو القرآن ، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإلى علماء الأمة ، لم يخرج شيء من أحكام المسلمين والإسلام عنها . انتهى . ( والمستدل عليه ) أي على الشيء بكونه حلالا أو حراما ، أو واجبا ، أو مستحبا ( الحكم ) بذلك . ( و ) المستدل ( به ما يوجبه ) أي العلة التي توجب الحكم .

( والمستدل له ) أي لخلافه وقطع جداله ( الخصم ) وقيل : الحكم ( والنظر هنا ) أي في اصطلاح أهل الشرع ( فكر يطلب به ) أي بالفكر ( علم أو ظن ) وإنما قلت " هنا " لأن النظر له مسميات غير ذلك ( والفكر هنا حركة النفس من المطالب إلى المبادئ ورجوعها ) أي حركة النفس ( منها إليها ) أي من المبادئ إلى المطالب ، ويرسم الفكر بهذا المعنى بترتيب أصول حاصلة في الذهن ليتوصل بها إلى تحصيل غير الحاصل ، وقد يطلق على حركة النفس التي يليها البطن الأوسط من الدماغ المسمى بالدودة ، وتسمى في المعقولات فكرا ، وفي المحسوسات تخييلا ( والإدراك ) أي إدراك ماهية الشيء ( بلا حكم ) عليها بنفي أو إثبات ، ( تصور ) لأنه لم يحصل سوى صورة الشيء في الذهن ( وبه ) أي وبالحكم ، يعني ، أن تصور ماهية الشيء مع الحكم عليها بإيجاب أو سلب ( تصديق ) أي يسمى تصديقا . وقد ظهر من هذا أن التصور . إدراك الحقائق مجردة عن الأحكام ، وأن التصديق [ إدراك ] نسبة حكمية بين الحقائق بالإيجاب أو السلب وإنما سمي التصور تصورا لأخذه من الصورة ; لأن حصول صورة الشيء في الذهن وسمي التصديق تصديقا لأن فيه حكما يصدق فيه أو يكذب سمي بأشرف لازمي الحكم في النسبة فكل تصديق متضمن من مطلق التصور ثلاث تصورات : تصور المحكوم عليه ، والمحكوم به من حيث هما ، ثم تصور نسبة أحدهما للآخر ، فالحكم يكون تصورا رابعا ، لأنه تصور تلك النسبة موجبة ، أو تصورها منفية ، وكل من التصور والتصديق ضروري ونظري . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث