الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ادعاء الولد

قال : وإذا حبلت الأمة عند رجل ، ثم باعها ، وقبض ثمنها فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر فادعاه البائع ثبت النسب منه ، وقضى بأنها أم ولد له ، ولدها حر الأصل وعليه رد الثمن على المشتري عندنا استحسانا ، وفي القياس لا يثبت النسب منه ما لم يصدقه المشتري ، وبه أخذ زفر والشافعي رحمهما الله .

وجه القياس في ذلك : أن البائع مناقض في كلامه ساع في نقض ما قد تم به وهو البيع فلا يقبل قوله كما لو قال كنت أعتقتها أو دبرتها قبل أن أبيعها ; وهذا لأن إقدامه على بيعها إقرار منه أنها ليست بأم ، ولد له ، ولنا أنا تيقنا بحصول العلوق في ملكه وذلك ينزل منزلة البينة في إبطال حق الغير عنها كالمريض إذا جاءت جاريته بولد في ملكه فادعى نسبه نزل ذلك منزلة البينة في إبطال حق الغرماء ، والورثة عنها وعن ولدها .

وتفسير الوصف : أن أدنى مدة الحبل ستة أشهر فإذا جاءت بولد من ذلك فقد تيقنا بحصول العلوق قبل البيع ، وتأثيره ، وهو أن بحصول العلوق في ملكه يثبت له حق استلحاق النسب بالدعوة ، وذلك لا يحتمل الإبطال ، وإنما يبطل البيع ما كان محتملا للإبطال فأما فيما لا يحتمل إلا إبطال الحال بعد البيع ، وقبله سواء ، فإذا بقي حق استلحاق النسب له بقي ما كان ثابتا وهو التفرد به من غير حاجة إلى تصديق المشتري وخفاء أمر العلوق يكون عذرا له في إسقاط اعتبار التناقض ، وقبول قوله في إبطال البيع .

كما أن الزوج إذا كذب نفسه بعد قضاء القاضي بنفي النسب ثبت منه ، وبطل حكم الحاكم ، ولا ينظر إلى التناقض ، وهذا ; لأن الإنسان قد يعلم تدينا أن العلوق ليس منه ، ثم يتبين له أنه منه ، ولا [ ص: 102 ] يوجد مثل هذا في دعوى العتق والتدبير فلهذا لا يقبل قول البائع فيه فإن ادعاه المشتري بعد ذلك فعلى طريق القياس يثبت النسب منه ; لأن دعوة البائع لم تصح ، وعلى طريقة الاستحسان لما ثبت النسب من البائع لا تصح دعوة المشتري ; لأن البيع قد انتقض فصار هو كأجنبي آخر ; ولأن الولد قد استغنى عن النسب بثبوت نسبه من البائع ، وإن كان المشتري ادعاه أولا ثبت النسب منه ; لأنها مملوكته في الحال يملك إعتاقها ، وإعتاق ، ولدها فتصح دعوته أيضا لحاجة الولد إلى النسب والحرية ويثبت لها أمية الولد بإقراره .

ثم لا تصح دعوة البائع بعد ذلك ; لأن الولد قد استغنى عن النسب حين ثبت نسبه من المشتري ; ولأنه قد يثبت فيه ما لا يحتمل الإبطال وهو حقيقة النسب فيبطل به حق الاستلحاق الذي كان ثابتا للبائع ضرورة فإن ادعياه معا ثبت النسب من البائع عندنا ، وقال إبراهيم النخعي رحمه الله يثبت النسب من المشتري ; لأن للمشتري حقيقة الملك فيها وفي ، ولدها ; وللبائع حق والحق لا يعارض الحقيقة كما لو جاءت جارية رجل بولد فادعاه هو ، وأبوه معا ثبت النسب من المولى ; لأن له حقيقة الملك فيها ; وللأب حق فيسقط اعتبار الحق في مقابلة الحقيقة ، ولنا أن دعوة البائع دعوة استيلاء ; لأن أصل العلوق في ملكه ، ودعوة المشتري دعوة تجويز فإن أصل العلوق لم يكن في ملكه ، ولا يعارض دعوة التجويز دعوة الاستيلاء كما لا يعارض نفس الإعتاق دعوة الاستيلاد بمعنى أن دعوة الاستيلاد لا تقتصر على الحال بل تستند إلى وقت العلوق ، ودعوة التحرير تقتصر على الحال فدعوة البائع سابقة معنى فكأنها سبقت صورة بخلاف دعوة المولى مع أبيه ، فإن شرط صحة دعوة الأب بملك الجارية من وقت العلوق إذ ليس له في مال ولده ملك ، ولا حق الملك ، فاقتران دعوة المولى بدعوة الأب يمنع تحصيل هذا الشرط فلهذا أثبتنا النسب من المولى دون أبيه ، ولو أن المشتري أعتق الأم أو استولدها أو دبرها ، ثم ادعى البائع الولد ثبت نسبه منه ; لأن الولد يحتاج إلى النسب بعد عتق الأم وهو مقصود بالدعوة ، وحق الاستيلاد في الأم يثبت تبعا فلا يمتنع ثبوت الأصل بامتناع ثبوت البيع إذ ليس من ضرورة ثبوت نسب الولد ثبوت أمية الولد للأم كما في ، ولد المغرور يثبت نسب الولد ، ولا تصير الأم أم ولد للمغرور ، ثم يرد البائع حصة الولد من الثمن دون الأم ; لأنه تعذر فسخ البيع في الأم لما جرى فيها من عتق المشتري فإنه لا يجوز أن يرد أمة توطأ بالملك بعد ما نفذ العتق فيها ، ولم يتعذر الفسخ في الولد ، وقد صار الولد مقصودا بهذا الاسترداد فتصير له حصة [ ص: 103 ] من الثمن فلهذا يسترد المشتري حصة الولد من الثمن .

ولو ماتت الأم ، ثم ادعى البائع نسب الولد صحت دعوته لما بينا ويرد البائع جميع الثمن في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يمسك حصة الأم من الثمن ; لأنه تعذر فسخ البيع فيها بالموت كما في الفصل الأول ، وهذه المسألة في الحقيقة تبنى على المسألة الخلافية المعروفة بين أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله في مالية أم الولد فعند أبي حنيفة رحمه الله لا قيمة لرقها حتى لا يضمن بالغضب ، فكذلك لا يكون لها حصة من الثمن ، وقد زعم البائع أنها أم ولد ، وزعمه حجة عليه وعلى قولهما لرقها قيمة حتى يضمن بالغصب فيمسك حصتها من الثمن .

ثم الفرق لأبي حنيفة رحمه الله بين هذا والأول أن هناك القاضي كذب البائع فيما زعم حين جعلها معتقة من جهة المشتري أو مدبرة أو أم ولد فلم يبق لزعمه غيره فأما هنا بموتها لم يجز الحكم بخلاف ما زعم البائع فبقي زعمه معتبرا في حقه فلهذا رد جميع الثمن ، ولو كان المشتري باع الأم أو ، وهبها أو رهنها أو أجرها أو كاتبها أبطلت جميع ذلك ورددتها على البائع ; لأن هذه التصرفات محتملة للنقض كالبيع الأول فكما يجوز نقض البيع الأول بدعوة الاستيلاء من البائع فكذلك يجوز نقض هذه التصرفات .

ولو كان المشتري أعتق الولد أو دبره ، ثم ادعى البائع نسبه لم يصدق في ذلك إذا أكذبه المشتري ; لأن الولد مقصود بالدعوة ، وقد ثبت المشتري فيه ما لا يحتمل النقض ، وهو الولاء فيبطل به حق الاستلحاق الذي كان للبائع ; لأن الولاء كالنسب ، وقد بينا أنه لو ثبت النسب من المشتري لم يكن للبائع حق الدعوة بعد ذلك فكذلك إذا ثبت الولاء له ، وكذلك لو قبل الولد عنده ، وأخذ قيمته ، ثم ادعاه البائع لم تصح دعوته كما لو مات الولد ; وهذا لأنه بالموت أو القتل قد استغنى عن النسب ، وصحة دعوة البائع لحاجة الولد إلى النسب ، ثم لا يرد الأم على البائع ; لأن حقها تبع لحق الولد في النسب ، ولم يثبت ما هو الأصل فلا يثبت ما هو بيع ; لأنه لو ثبت كان مقصودا لا تبعا .

ولو قطعت يد الولد فأخذ المشتري نصف قيمته ، ثم ادعاه البائع صحت دعوته ; لأن الولد الأقطع محتاج إلى النسب محل لانتقاص البيع فيه ، ولكن الأرش يبقى سالما للمشتري ; لأن إبانة اليد كانت على حكم ملكه ، ودعوة البائع إنما تعمل في القائم دون اليد المبانة ، وليس من ضرورة ثبوت نسب الولد بطلان حق المشتري عن الأرش ; لأنه ينفصل عنه في الجملة ; لأن الأرش مال ليس من النسب في شيء فيرد الجارية مع ، ولدها على البائع بجميع الثمن إلا حصة اليد فقد احتبس بدلها عند المشتري فلا يسلم له مجانا ، ولكن حصته من الثمن [ ص: 104 ] تسلم للبائع كما ذكرنا فيما إذا احتبست الأم عنده ، وكذلك لو كان القطع في الأم ; لأن المعنى الذي أشرنا إليه يجمع الكل ، ولو فقأ رجل عيني الولد فدفعه المشتري إلى الجاني ، وأخذ قيمته ، ثم ادعى البائع نسبه صحت دعوته ; لأن المفقوءة عيناه يحتاج إلى النسب ودفعه بالجناية محتمل للنقض فلا يمنع صحة دعوة البائع فيرد الأم والولد على البائع ، ويرد جميع الثمن على المشتري عند أبي حنيفة رحمه الله ; لأن من أصله أن الجاني يرجع على المشتري بجميع القيمة فإن الجثة العمياء إذا لم تسلم للجاني لا يلزمه شيء عند أبي حنيفة رحمه الله حتى لو أعاد المولى إمساك الجثة والرجوع بنقصان القيمة لم يكن له ذلك عنده فإذا لم يسلم للمشتري شيء من بدل العينين رد البائع جميع الثمن .

وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله المشتري يرجع على الجاني بنقصان العينين ; لأن في الابتداء لو أراد إمساك الجثة والرجوع بنقصان العينين كان له ذلك فكذلك في الانتهاء ، وإذا كان للمشتري نقصان العينين رد البائع عليه جميع الثمن إلا حصة النقصان ، وكذلك لو فقئت عينا الأم فهو على ما بينا

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث