الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الوصية لغير الوارث وحكم التبرعات في المرض

جزء التالي صفحة
السابق

( وإذا اجتمع تبرعات متعلقة بالموت ) ترتبت أولا ( وعجز الثلث ) عنها ( فإن تمحض العتق ) كأعتقتكم أو أنتم أحرار أو سالم وغانم وخالد أحرار بعد موتي أو سالم حر بعد موتي وغانم كذلك أو دبر عبدا وأوصى بإعتاق آخر ( أقرع ) فمن قرع عتق منه ما يفي بالثلث للخبر الآتي .

ولأن القصد من العتق التخلص من الرق ولا يحصل مع التشقيص ( أو ) تمحض ( غيره قسط الثلث ) على الكل باعتبار القيمة أو المقدار لعدم المرجح مع اتحاد وقت الاستحقاق فلو أوصى لزيد بمائة ولبكر بخمسين ولعمرو بخمسين وثلثه مائة أعطي الأول خمسين وكل من الآخرين خمسة وعشرين ( أو ) اجتمع ( هو ) أي العتق ( وغيره ) كأن أوصى بعتق سالم ولزيد أو الفقراء بمائة أو عين مثلية أو متقومة ( قسط ) الثلث عليهما ( بالقيمة ) أو مع المقدار لاتحاد وقت الاستحقاق نعم لو تعدد العتق أقرع فيما يخصه أو دبر قنه وهو بمائة وأوصى له بمائة وثلث ماله مائة قدم عتقه ولا شيء له بالوصية ( وفي قول يقدم العتق ) لقوته ولو رتب المعلقة بالموت كأعتقوا سالما ، ثم غانما وكأعطوا زيدا مائة ، ثم عمرا مائة وأعتقوا سالما ، ثم أعطوا زيدا مائة قدم ما قدمه ؛ لأنه هنا صرح باعتبار وقوعها من غيره كذلك [ ص: 26 ] فوجب امتثاله بخلافه فيما لو رتبها في الوجود فإنه لا صراحة فيه على أنها كذلك بعد الموت فاندفع ما للقونوي هنا ( أو ) اجتمع تبرعات ( منجزة ) مرتبة كأن أعتق ، ثم تصدق ، ثم وقف ، ثم وهب وأقبض وكقوله سالم حر وغانم حر لا حران ( قدم الأول فالأول حتى يتم الثلث ) لقوته بسبقه .

ويتوقف ما زاد عليه على الإجازة ولو تقدمت الهبة وتأخر القبض اعتبر وقته كما مر لتوقف الملك عليه . نعم المحاباة في نحو بيع لا تفتقر لقبض ؛ لأنها تابعة ( فإن وجدت دفعة ) بضم الدال كما يأتي بما فيه في الجراح ( واتحد الجنس كعتق عبيد أو إبراء جمع ) كأعتقتكم أو أبرأتكم ( أقرع في العتق ) خاصة لما مر في خبر مسلم { أن رجلا أعتق ستة لا يملك غيرهم عند موته فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثا وأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة } ( وقسط في غيره ) باعتبار القيمة أو المقدار أو هما وفيما إذا كان فيها حج تطوع يعتبر أجرة المثل ؛ لأنها قيمة المنفعة ولا يقدم على غيره على الأوجه ولو أعتقهما ، وشك في الترتيب والمعية ففي الروضة وأصلها يعتق من كل نصفه وفي الشرح الصغير يقرع وكالشك ما لو علم ترتيب دون عين السابق أو نسيت أي ولم يرج بيانها ( وإن اختلف ) الجنس ( و ) صورة وقوعها معا حينئذ إما بأن قيل له أعتقت وأبرأت ووقفت فيقول نعم أو بأن ( تصرف وكلاء ) له فيها بأن وكل وكيلا في هبة وقبض وآخر في صدقة وآخر في إبراء وتصرفوا معا ( فإن لم يكن فيها عتق قسط ) الثلث على الكل ( وإن كان ) فيها عتق ( قسط ) الثلث وأقرع فيما يخص العتق كما مر ( وفي قول يقدم ) العتق كما مر ولو اجتمع منجزة ومعلقة بالموت قدمت المنجزة للزومها

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله في المتن وعجز الثلث ) يرجع لجميع الأمثلة أخذا من قوله متعلقة بالموت ( قوله في المتن فإن تمحض العتق أقرع ) محله ما لم يكن العتق لبعض كل ، ولم يزد ما أعتقه على الثلث وإلا فلا إقراع كما سيأتي ، وكما يستفاد من عبارة الإرشاد وشرحه الآتية في قوله أقرع في العتق والكلام في العتق المضاف للموت كما هو فرض ما هنا ( قوله في المتن أو هو وغيره ) عطف على العتق في قوله فإن تمحض العتق ، ولما لم يتأت تقدير تمحض هنا قدر اجتمع فهو من قبيل

علفتها تبنا وماء باردا

{ والذين تبوءوا الدار والإيمان } لكنه مشكل ؛ لأن ذاك من خصائص الواو ( قوله ولو رتب المعلقة إلى قوله قدم ما قدمه إلخ ) عبارة الإرشاد وقدم ما رتب بتنجيز أو شرط ا هـ ومثل الشارح في شرحه الأول بقوله كأن أبرأ ، ثم وهب وأقبض والثاني بقوله كأعطوا فلانا كذا بعد موتي ، ثم فلانا أو أعتقوا سالما ، ثم غانما ، ثم نافعا ، ثم قال وليس من الشرط قوله إذا مت فسالم حر ، ثم غانم ، ثم نافع وفارق نظيره السابق بأن [ ص: 26 ] التبرعات ثم اعتبر الموصي وقوعها من غيره فلا بد أن تقع على وفق اعتباره بخلافه هنا فيقرع بينهم كما يأتي خلافا للقونوي حيث سوى بين الصورتين ا هـ واعتمد شيخنا الشهاب الرملي تسوية القونوي ( قوله في الوجود ) أي كما هو المراد من قوله السابق ثبت أولا ( قوله مرتبة ) أي كما يفيده الأول فالأول .

( قوله في المتن أقرع في العتق ) قال في الإرشاد وشرحه للشارح ولو لثلاثة أي ولو لأجل ثلاثة أعبد أعتق بعض كل منهم ولا يملك غيرهم وقيمتهم سواء كأن قال ثلث كل منكم حر حذرا من التشقيص هذا إن أعتق بعض كل منهم منجزا لا إن أضاف عتق كل إلى ما بعده أي الموت كثلث كل منكم حر بعد موتي فيعتق من كل الثلث ولا يقرع إذ لا سراية بعد الموت قال الشيخان إلا أن يزيد ما أعتقه على الثلث كأن قال نصفكم حر بعد موتي فيقرع لرد الزيادة انتهى ا هـ وسيأتي المضاف في قوله الآتي ويستثنى إلخ ( قوله قدمت ) قال في شرح الإرشاد وظاهر أن المنجز يقدم على المعلق [ ص: 27 ] وإن لم تكن مرتبة ، ثم رأيت في أصل الروضة ما يفهم ذلك حيث قال ولو وقعت تبرعات منجزة ومعلقة قدمت المنجزة ؛ لأنها تفيد الملك ناجزا ولأنها لازمة لا يملك المريض الرجوع فيها ، وظاهر أنه لا فرق بين تقدم المنجزة وتأخرها فلو قال أعتقوا غانما بعد موتي ، ثم أعطوا عمرا مائة قدمت المائة ووقع في كلام الشارح يعني الجوجري خلاف ذلك فاجتنبه ا هـ



حاشية الشرواني

( قوله ترتبت إلخ ) أي في الوجود وقول المتن وعجز الثلث يرجع لجميع الأمثلة أخذا من قوله متعلقة بالموت ا هـ سم ( قوله كأعتقتكم ) إلى قوله ؛ لأنه هنا في النهاية وكذا في المغني إلا قوله أو عين مثلية أو متقومة ( قوله بعد موتي ) راجع لكل من الأمثلة الثلاثة ( قوله أو سالم حر إلخ ) وقوله أو دبر مثالان لقوله أولا وما قبله لما قبله ( قوله فمن قرع ) أي خرجت له القرعة ا هـ ع ش وفي سم قول المتن أقرع محله ما لم يكن العتق لبعض كل ، ولم يزد ما أعتقه على الثلث وإلا فلا إقراع كما سيأتي ا هـ .

( قوله للخبر إلخ ) يعني ولا يعتق من كل بعضه للخبر الآتي أي في شرح أقرع في العتق ( قوله أو المقدار ) أي فيما إذا لم يحتج للتقويم بأن استوت القيمة كدراهم أو دنانير ا هـ ع ش عبارة البجيرمي قوله باعتبار القيمة أي في المتقومات كأن أوصى لزيد بثوب قيمته مائة ولعمرو بثوب قيمته خمسون ، ولبكر بثوب كذلك وثلث ماله مائة فتنفذ الوصية في نصف كل من الثياب وقوله أو المقدار أي في المثليات كأن أوصى بمائة دينار لعمرو وبخمسين لبكر ا هـ .

( قول المتن أو هو وغيره ) عطف على العتق في قوله فإن تمحض العتق ، ولما لم يتأت تقدير تمحض هنا قدر اجتمع فهو من قبيل

علفتها تبنا وماء باردا

لكنه يشكل بأن ذاك من خصائص الواو ا هـ سم ( قوله أو مع المقدار ) أي كأن أوصى بعتق سالم وقيمته مائة ولزيد بمائة وثلث ماله مائة فيعتق نصفه ويعطى زيد نصف المائة ا هـ .

بجيرمي ( قوله فيما يخصه ) أي العتق ( قوله لقوته ) لتعلق حق الله تعالى وحق الآدمي به ا هـ مغني ( قوله ولو رتب المعلقة بالموت إلخ ) عبارة الإرشاد وقدم ما رتب بتنجيز أو شرط ا هـ ومثل الشارح في شرحه الأول بقوله كأن أبرأ ثم وهب وأقبض والثاني بقوله كأعطوا فلانا كذا بعد موتي ثم فلانا كذا أو أعتقوا سالما ثم غانما ثم نافعا ، ثم قال وليس من الشرط قوله إذا مت فسالم حر ثم غانم ثم نافع وفارق نظيره السابق بأن التبرعات ثم اعتبر الموصي وقوعها من غيره فلا بد أن تقع على وفق اعتباره بخلافه هنا فيقرع بينهم كما يأتي خلافا للقونوي حيث سوى بين الصورتين ا هـ ، واعتمد شيخنا الشهاب الرملي تسوية القونوي ا هـ سم وعبارة المغني في شرح أقرع بينهم نصه وإنما لم يعتبر ترتيبها مع إضافتها للموت لاشتراكها في وقت نفاذها وهو الموت ، بل لا يقدم العتق المعلق بالموت على الموصي بإعتاقه وإن كان الثاني يحتاج إلى إنشاء عتقه بعد الموت بخلاف الأول ؛ لأن وقت استحقاقهما واحد نعم إن اعتبر الموصي وقوعها مرتبة كأن قال أعتقوا سالما بعد موتي ثم غانما ثم بكرا قدم ما قدمه جزما فإن قيل لم لو قال إذا مت فسالم حر ثم غانم ثم نافع لم يقدم الأول فالأول بل هم سواء كما أفهمه كلام المصنف أجيب بأن التبرعات فيما مثلوا به اعتبر الموصي وقوعها مرتبة فلا بد أن تقع على وفق اعتباره بخلاف هذا ا هـ وهي كما ترى موافقة لما مر عن شرح الإرشاد .

( قوله ؛ لأنه ) أي الموصي وقوله هنا أي فيما ذكر من الأمثلة الثلاثة وقوله باعتبار وقوعها إلخ أي باعتبار الموصي وقوع التبرعات وقوله من غيره أي [ ص: 26 ] من غير الموصي وقوله كذلك أي مرتبة ( قوله فوجب ) أي على الغير ( قوله في الوجود ) أي كما هو المراد من قوله السابق ترتبت أولا ا هـ سم ( قوله على أنها ) أي التبرعات والجار متعلق بصراحة كذلك إلخ أي تقع مرتبة ( قوله أو اجتمع إلخ ) إلى قول المتن وإن اختلف في النهاية إلا قوله كما يأتي إلى المتن وقوله وفي الشرح الصغير يقرع ( قوله مرتبة ) أي كما يفيده قول المصنف الأول فالأول ا هـ سم أي وقوله فإن وجدت دفعة ( قوله لا حران ) أي لحصول عتقهما معا فلا مزية لأحدهما على الآخر فيقرع بينهما كما تقدم إن لم يخرجا عن الثلث ا هـ .

ع ش ( قوله اعتبر وقته ) أي القبض ( قوله كما مر ) أي في شرح وإبراء إلخ ( قوله لا تفتقر لقبض ) أي فيعتبر فيها وقت عقد البيع لا وقت قبض المبيع ، فإن خرج وقت عقد البيع ما حابى به من الثلث نفذ وإلا فلا ا هـ ع ش ( قول المتن فإن وجدت إلخ ) إما منه أو بوكالة ا هـ مغني ( قوله لما في خبر مسلم ) الأولى لخبر مسلم لما في النهاية والمغني ( قوله فجزأهم ) بتشديد الزاي أي قسمهم ا هـ ع ش ( قوله أو هما ) أي كأن كان الموصى به عبدا ومائة ( قوله وفيما إذا كان فيها حج تطوع ) لعل صورته أن يقول أوصيت بحجة تطوع ولزيد ومسجد كذا بمائة فالتبرعات من جنس واحد وهو التصدق ، والمائة مثلا تقسط عليها فلا إشكال في قوله وفيما إذا كان إلخ مع كون المقسم أنها وجدت دفعة ، وأنها من جنس واحد ا هـ ع ش وفيه أن المقسم أصالة التبرعات المنجزة وتصويره المذكور من المتعلقة بالموت ( قوله ولا يقدم ) أي الحج على غيره أي فإن خصه ما يفي بالأجرة فذاك وإلا استؤجر من يحج عنه بما يخصه حيث أمكن فإن تعذر لغت الوصية بالحج ورجع ما يخصه للورثة ا هـ ع ش ( قوله يعتق من كل نصفه ) اقتصر عليه النهاية والمغني ولم يتعرضا لما في الشرح الصغير .

( قوله دون عين السابق ) قد سبق له في الفرائض أنه يجب تقييد هذه أيضا بعدم رجاء البيان فلعل قوله هنا أي ولم يرج بيانها راجع إلى المسألتين قبله والله أعلم ا هـ سيد عمر ( قوله وصورة وقوعها ) إلى قول المتن ولو أوصى في النهاية إلا قوله ولا توزيع للثلث عليهما وقوله وفارق إلى فإن لم يخرج وقوله ويستثنى إلى وعلم ( قوله ليقول نعم ) أي قاصدا بها إنشاء المذكورات لا الإقرار بها إذ لا يكون حينئذ نصا في المعية ا هـ سيد عمر ( قوله وأقرع فيما يخص إلخ ) وذلك فيما إذا تعدد العتق ولم يف ما يخص العتق بجميعهم فلو أعتق سالما وغانما وتصدق على زيد بمائة معا وثلث ماله مائة أعطي زيد خمسين وأقرع بين العبدين فمن خرجت له القرعة عتق كله إن كانت قيمته خمسين وقدرها فقط إن زادت قيمته عليها فإن كانت قيمته دون الخمسين عتق كله وعتق من الآخر ما يفي بالخمسين ا هـ ع ش ( قوله كما مر ) أي في شرح وقسط بالقيمة ( قوله ولو اجتمع ) إلى المتن في المغني ( قوله قدمت المنجزة ) قال في شرح الإرشاد وظاهر أن المنجز يقدم على المعلق وإن لم تكن مرتبة ، ثم رأيت في الروضة ما نصه وظاهر أنه لا فرق بين تقدم المنجزة وتأخرها فلو قال أعتقوا غانما بعد موتي ثم أعطى عمرا مائة قدمت المائة انتهى ا هـ سم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث