الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله

أما قوله تعالى : ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : في البحث عن ماهية محبة العبد لله تعالى : اعلم أنه لا نزاع بين الأمة في إطلاق هذه اللفظة ، وهي أن العبد قد يحب الله تعالى ، والقرآن ناطق به ، كما في هذه الآية ، وكما في قوله : ( يحبهم ويحبونه ) [ المائدة : 54 ] وكذا الأخبار ، روي أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت عليه السلام وقد جاءه لقبض روحه : هل رأيت خليلا يميت خليله ؟ فأوحى الله تعالى إليه : هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله ؟ فقال : يا ملك الموت الآن فاقبض .

وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله متى الساعة ؟ فقال : ما أعددت لها ؟ فقال : ما أعددت كثير صلاة ولا صيام ، إلا أني أحب الله ورسوله . فقال عليه الصلاة والسلام : المرء مع من أحب . فقال أنس : فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك .

وروي أن عيسى عليه السلام مر بثلاثة نفر ، وقد نحلت أبدانهم ، وتغيرت ألوانهم ، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى ما أرى ؟ فقالوا : الخوف من النار ، فقال : حق على الله أن يؤمن الخائف . ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين ، فإذا هم أشد نحولا وتغيرا ، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى هذا المقام ؟ قالوا : الشوق إلى الجنة . فقال : حق على الله أن يعطيكم ما ترجون . ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولا وتغيرا ، كأن وجوههم المرايا من النور ، فقال : كيف بلغتم إلى هذه الدرجة ؟ قالوا : بحب الله . فقال عليه الصلاة والسلام : أنتم المقربون إلى الله يوم القيامة .

وعند السدي قال : تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها ، فيقال : يا أمة موسى ، ويا أمة عيسى ، ويا أمة محمد ، غير المحبين منهم ، فإنهم ينادون : يا أولياء الله ، وفي بعض الكتب : عبدي أنا - وحقك - لك محب ، فبحقي عليك كن لي محبا .

واعلم أن الأمة وإن اتفقوا في إطلاق هذه اللفظة ، لكنهم اختلفوا في معناها ، فقال جمهور المتكلمين : إن المحبة نوع من أنواع الإرادة ، والإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات ، فيستحيل تعلق المحبة بذات الله تعالى وصفاته ، فإذا قلنا : نحب الله ، فمعناه نحب طاعة الله وخدمته ، أو نحب ثوابه وإحسانه ، وأما العارفون فقد قالوا : العبد قد يحب الله تعالى لذاته ، وأما حب خدمته أو حب ثوابه فدرجة نازلة ، واحتجوا [ ص: 186 ] بأن قالوا : إنا وجدنا أن اللذة محبوبة لذاتها ، والكمال أيضا محبوب لذاته ، أما اللذة فإنه إذا قيل لنا : لم تكتسبون ؟ قلنا : لنجد المال ، فإن قيل : ولم تطلبون المال ؟ قلنا : لنجد به المأكول والمشروب ، فإن قالوا : لم تطلبون المأكول والمشروب ؟ قلنا : لتحصل اللذة ويندفع الألم ، فإن قيل لنا : ولم تطلبون اللذة وتكرهون الألم ؟ قلنا : هذا غير معلل ؛ فإنه لو كان كل شيء إنما كان مطلوبا لأجل شيء آخر ، لزم إما التسلسل ، وإما الدور ، وهما محالان ، فلا بد من الانتهاء إلى ما يكون مطلوبا لذاته ، وإذا ثبت ذلك فنحن نعلم أن اللذة مطلوبة الحصول لذاتها ، والألم مطلوب الدفع لذاته ، لا لسبب آخر ، وأما الكمال فلأنا نحب الأنبياء والأولياء لمجرد كونهم موصوفين بصفات الكمال ، وإذا سمعنا حكاية بعض الشجعان مثل رستم ، وإسفنديار ، واطلعنا على كيفية شجاعتهم مالت قلوبنا إليهم ، حتى إنه قد يبلغ ذلك الميل إلى إنفاق المال العظيم في تقرير تعظيمه ، وقد ينتهي ذلك إلى المخاطرة بالروح ، وكون اللذة محبوبة لذاتها لا ينافي كون الكمال محبوبا لذاته .

إذا ثبت هذا فنقول : الذين حملوا محبة الله تعالى على محبة طاعته ، أو على محبة ثوابه ، فهؤلاء هم الذين عرفوا أن اللذة محبوبة لذاتها ، ولم يعرفوا أن الكمال محبوب لذاته ، أما العارفون الذين قالوا : إنه تعالى محبوب في ذاته ولذاته ، فهم الذين انكشف لهم أن الكمال محبوب لذاته ؛ وذلك لأن أكمل الكاملين هو الحق سبحانه وتعالى ، فإنه لوجوب وجوده غني عن كل ما عداه ، وكمال كل شيء فهو مستفاد منه ، وإنه سبحانه وتعالى أكمل الكاملين في العلم والقدرة ، فإذا كنا نحب الرجل العالم لكماله في علمه ، والرجل الشجاع لكماله في شجاعته ، والرجل الزاهد لبراءته عما لا ينبغي من الأفعال ، فكيف لا نحب الله وجميع العلوم بالنسبة إلى علمه كالعدم ، وجميع القدر بالنسبة إلى قدرته كالعدم ، وجميع ما للخلق من البراءة عن النقائص بالنسبة إلى ما للحق من ذلك كالعدم ، فلزم القطع بأن المحبوب الحق هو الله تعالى ، وأنه محبوب في ذاته ولذاته ، سواء أحبه غيره أو ما أحبه غيره ، واعلم أنك لما وقفت على النكتة في هذا الباب ، فنقول : العبد لا سبيل له إلى الاطلاع على الله سبحانه ابتداء ، بل ما لم ينظر في مملوكاته لا يمكنه الوصول إلى ذلك المقام ، فلا جرم كل من كان اطلاعه على دقائق حكمة الله وقدرته في المخلوقات أتم ، كان علمه بكماله أتم ، فكان له حبه أتم ، ولما كان لا نهاية لمراتب وقوف العبد على دقائق حكمة الله تعالى ، فلا جرم لا نهاية لمراتب محبة العباد لجلال حضرة الله تعالى .

ثم تحدث هناك حالة أخرى ، وهي أن العبد إذا كثرت مطالعته لدقائق حكمة الله تعالى ، كثر ترقيه في مقام محبة الله ، فإذا كثر ذلك صار ذلك سببا لاستيلاء حب الله تعالى على قلب العبد ، وغوصه فيه على مثال القطرات النازلة من الماء على الصخرة الصماء فإنها مع لطافتها تثقب الحجارة الصلدة ، فإذا غاصت محبة الله في القلب تكيف القلب بكيفيتها ، واشتد ألفه بها ، وكلما كان ذلك الألف أشد كانت النفرة عما سواه أشد ؛ لأن الالتفات إلى ما عداه يشغله عن الالتفات إليه ، والمانع عن حضور المحبوب مكروه ، فلا تزال تتعاقب محبة الله ونفرته عما سواه على القلب ، ويشتد كل واحد منهما بالآخر ، إلى أن يصير القلب نفورا عما سوى الله تعالى ، والنفرة توجب الإعراض عما سوى الله ، والإعراض يوجب الفناء عما سوى الله تعالى ، فيصير ذلك القلب مستنيرا بأنوار القدس ، مستضيئا بأضواء عالم العصمة فانيا عن الحظوظ المتعلقة بعالم الحدوث ، وهذا المقام أعلى الدرجات ، وليس له في هذا العالم مثال إلا العشق الشديد على أي شيء كان ، فإنك ترى من التجار المشغوفين بتحصيل المال من نسي جوعه وطعامه وشرابه عند استغراقه في حفظ المال ، فإذا عقل ذلك في ذلك المقام الخسيس [ ص: 187 ] فكيف يستبعد ذلك عند مطالعة جلال الحضرة الصمدية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث