الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 20 ] ( فصل ) لما كان العلم لا بد أن يتعلق بمعلوم ناسب أن نذكر في هذا الفصل طرفا من أحوال المعلوم . ولم يذكر ذلك في الأصل إلا في باب الأمر . ووجه المناسبة في ذكره هناك : أن القائل بأن الأمر عين النهي قال : لو لم يكن عينا لكان ضدا ، أو مثلا أو خلافا . إذا علمت ذلك : ف ( المعلومان : إما نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ) كالوجود والعدم المضافين إلى معين واحد ( أو خلافان ، يجتمعان ويرتفعان ) كالحركة والبياض في الجسم الواحد ( أو ضدان لا يجتمعان ، ويرتفعان لاختلاف الحقيقة ) كالسواد والبياض لا يمكن اجتماعهما ، لأن الشيء لا يكون أسود أبيض في زمن واحد ، ويمكن ارتفاعهما مع بقاء المحل لا أسود ولا أبيض لاختلاف حقيقتهما ( أو مثلان لا يجتمعان ويرتفعان لتساوي الحقيقة ) كبياض وبياض ، ولا يخرج فرض وجود معلومين عن هذه الأربع صور .

ودليل الحصر : أن المعلومين : إما أن يمكن اجتماعهما أو لا ، فإن أمكن اجتماعهما فهما الخلافان كالحركة والبياض ، وإن لم يمكن اجتماعهما فإما أن يمكن ارتفاعهما أو لا . [ ف ] الثاني : النقيضان ، كوجود زيد وعدمه .

ووجود الحركة مع السكون ، والأول لا يخلو ، إما أن يختلفا في الحقيقة أو لا . [ ف ] الأول : الضدان ، كالسواد والبياض لاختلاف الحقيقة ، والثاني : المثلان كبياض وبياض ، لكن الخلافان قد يتعذر ارتفاعهما ، لخصوص حقيقة غير كونهما خلافين ، كذات واجب الوجود سبحانه مع صفاته ، وقد يتعذر افتراقهما ، كالعشرة مع الزوجية خلافان ويستحيل افتراقهما ، والخمسة مع الفردية ، والجوهر مع الألوان ، وهو كثير ، ولا تنافي بين إمكان الافتراق والارتفاع بالنسبة إلى الذات ، وتعذر الارتفاع [ والافتراق ] بالنسبة إلى أمر خارجي عنهما ، وهذا الذي ذكر كله في ممكن الوجود . أما الله سبحانه وتعالى وصفاته : فإنه لا يقال بإمكان رفع شيء منها ، لتعذر رفعه بسبب وجوب وجوده ( وكل شيئين حقيقتاهما إما متساويتان يلزم من وجود كل ) واحدة [ ص: 21 ] ( وجود الأخرى وعكسه ) يعني ويلزم من عدم كل واحدة منهما عدم الأخرى كالإنسان والضاحك بالقوة ، فإنه يلزم من وجود كل واحد منهما وجود الآخر ، ومن عدمه عدمه ، فلا إنسان إلا وهو ضاحك بالقوة ، ولا ضاحك بالقوة إلا وهو إنسان ، ونعني بالقوة كونه قابلا ولو لم يقع ، ويقابله الضاحك بالفعل ، وهو المباشر للضحك . ( أو ) إما ( متباينتان ، لا تجتمعان في محل واحد ) كالإنسان والفرس ، فما هو إنسان ليس بفرس ، وما هو فرس فليس بإنسان ، فيلزم من صدق أحدهما على محل عدم صدق الآخر . ( أو ) إما ( إحداهما أعم مطلقا ، والأخرى أخص مطلقا ، توجد إحداهما مع وجود كل أفراد الأخرى ) كالحيوان والإنسان ، فالحيوان أعم مطلقا لصدقه على جميع أفراد الإنسان ، فلا يوجد إنسان بدون حيوانية ألبتة . فيلزم من وجود الإنسان - الذي هو أخص - وجود الحيوان ، الذي هو أعم ، ( بلا عكس ) يعني : فلا يلزم من عدم الإنسان الذي هو أخص عدم الحيوان الذي هو أعم ; لأن الحيوان قد يبقى موجودا في الفرس وغيره ( أو ) إما ( كل واحدة منهما ) أي من الحقيقتين ( أعم من وجه وأخص من ) وجه ( آخر توجد كل ) واحدة من الحقيقتين ( مع الأخرى وبدونها ) أي وبدون الأخرى ، ومعنى ذلك : أنهما يجتمعان في صورة ، وتنفرد كل واحدة منهما عن الأخرى بصورة ، كالحيوان والأبيض فإن الحيوان يوجد بدون الأبيض في السودان ، ويوجد الأبيض بدون الحيوان في الثلج والقطن وغيرهما ، مما ليس بحيوان . ويجتمعان في الحيوان الأبيض . فلا يلزم من وجود الأبيض وجود الحيوان ، ولا من وجود الحيوان وجود الأبيض ، ولا من عدم أحدهما عدم الآخر .

ففائدة هذه القواعد : الاستدلال ببعض الحقائق على بعض . والله أعلم

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث