الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل من عدله سبحانه أنه لا يزيد أحدا في العذاب على القدر الذي يستحقه

فصل

ولنرجع إلى المقصود ، وهو أن الذين قالوا : عذاب الكفار مصلحة لهم ورحمة لهم حاموا حول هذا المعنى ، ولم يقتحموا لجته ، وإلا فأي مصلحة لهم في عذاب لا ينقطع ، وهو دائم بدون الرب تعالى ، فتأمل هذا الوجه حق التأمل وأعطه حقه من النظر ، واجمع بين ذلك وبين معاني أسمائه وصفاته ، وما دل عليه كلام الله وكلام رسوله ، وما قاله الصحابة ومن بعدهم ، ولا تبادر إلى القول بلا علم ولا إلى الإنكار ، فإن أسفر لك صبح الصواب ، وإلا فرد الحكم إلى ما رده الله إليه بقوله : ( إن ربك فعال لما يريد ) وتمسك بقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقد ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، ووصف حالهم ثم قال : " ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء " .

الوجه الرابع : أن الذي يخلقه الله سبحانه ويقدره من الأمور نوعان : غايات ووسائل ، وقد اقتضت حكمته أن الوسائل تضمحل وتبطل إذا حصلت غايتها كما يبطل السفر عند بلوغ المنزل ، ويزول الأكل والشرب عند حصول الشبع والري ، والخيرات والمنافع هي الغايات المقصودة لنفسها .

والشرور والآلام إنما تقصد قصد الوسائل ، لإفضائها إلى الخيرات والمنافع ، وما كان مقصودا لنفسه فإن بقاءه ودوامه هو مقتضى الحكمة ، وأما إذا كان مقصودا لغيره ، فإذا حصل ذلك المقصود به لم يكن في دوامه وبقائه حكمة ولا مصلحة ، والله تعالى خلق النار سوطا يسوق بها عباده إلى رحمته وجنته ، ويخوفهم بها من معصيته ويطهر بها من اكتسب من عباده خبثا ونجاسة ، ولا [ ص: 268 ] يصلح إلا بها لمساكنته في جنته ، وعقوبته يعاقب بها أعداءه على مقادير جرائمهم ، وهذه كلها أمور مقصودة لغيرها مفضية إلى مصالح مقصودة لنفسها .

يوضحه الوجه الخامس : أن الله سبحانه جعل الشدائد والآلام والشرور في هذه الدار بتراء لا دوام لها ، وجعل الشدة بين فرجين ، فرج قبلها وفرج بعدها ، والعسر بين يسرين ، والبلاء بين عافيتين ، فليس عنده شدة دائمة ولا بلاء دائم ولا كرب دائم في هذه الدار التي هي دار ظلم وبلاء وخيراتها ممزوجة بشرورها ، وذلك أن الآلام والشدائد شرور ، والشر ليس إلى الله بخلاف الخيرات والنعم ، فإنها من مقتضى صفاته ، فهي دائمة بدوامه ، ومعلوم أن الدار التي هي حق من كل وجه أولى أن يكون الدوام لخيراتها ولذاتها ومسراتها ، وأن تكون شرورها إلى اضمحلال وزوال .

يوضحه الوجه السادس : أن القضاء الإلهي خير كله ، فإن مصدره علم الله وحكمته وكماله المقدس ، فهو خير كله ومصلحة وحكمة وعدل ورحمة ، ودخول الشر فيه بالعرض لا بالذات كالشر العارض في الحر والبرد والمطر ، والأكل والشرب والأعمال النافعة ، وما العرض لا يقصد لذاته فلا يجب دوامه كدوام ما يقصد لذاته من الخيرات والمنافع .

الوجه السابع : أنك إذا اعتبرت هذه الآلام والشدائد ، والنعمة والرحمة حشوها فظاهرها نقمة وباطنها نعمة فكم نقمة جلبت نعمة ، وكم من بلاء جلب عافية ، وكم من ذل جلب عزا ، وكسر جلب جبرا ، إذا اعتبرت أكثر الخيرات والمسرات واللذات وجدتها إنما ترتبت على الآلام والمشاق ، وأعظم اللذة وأجلها ما كان سببه أعظمه ألما ومشقة ، وهذه مشاهد في هذه الدار بالعيان ، ولما كانت أعلى الدرجات أهل الجهاد كان أشق شيء على النفوس وأكرهه إليها ، قال الله تعالى : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) ولهذا قيل :

وربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببا ما مثله سبب

فلا يوصل إلى الراحة واللذة إلا على جسر التعب والألم ، وهذا يريك أن المصائب والآلام حشوها نعم ولذات ومسرات ، وهذا لأن الرحمة لها السبق والغلبة فما في طي النقم والعقوبات من الرحمة أسبق من العقوبة ، وهي الغاية للغضب ، فلا بد أن يغلب أثرها أثر الغضب ، كما غلبت الصفة للصفة .

[ ص: 269 ] يوضحه الوجه الثامن : أن الرحمة سبقت إلى هذا المعاقب وظهر أثرها فيه فوجد بها وعاش وسمع وأبصر بها ، وبطش بها ومشى وتحرك بها ، وإلا لولا أنها سبقت إليه لم يكن له قيام ولا حياة ، بل إنما استظهر على معاصي الرب ومخالفته بالرحمة التي سبقت إليه ووسعته فغلبت أسباب هلاكه وتلفه ، فلما تمكنت أسباب التلف والهلاك واقتضت الرحمة أن جعل لها أسباب في مقابلتها ، من موجبها ومقتضاها تنزيلها ومحو أثرها ؛ ليخلص موجب الرحمة فيظهر أثره ، ودوام العذاب بدوام تلك الأسباب ، فلو زالت لزال العذاب .

يوضحه الوجه التاسع : أن هذه النفوس فيها ما يقتضي الرحمة من إقرارها بفاطرها وربوبيته ، وعلمه وقدرته ، وسمعه وبصره ومحبته ، وتعظيمه وإجلاله وسؤاله ، وفيها ما يقتضي الغضب والعقوبة كالشرك به وإيثار هواها على طاعته ومرضاته ، ولما كان مقتضى العقوبة فيها أقوى كان الحكم له ، ومعلوم أن العقوبة إن لم تذهب الأسباب المقتضية لها ولم تزلها بالكلية فإنها تخففها وتضعفها ، فإما أن تقاوم أسبابا وإما أن تترجح عليها وعلى التقديرين يبطل أثرها ، قال الله تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) وقال تعالى : ( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله ) إلى آخر الآيات .

فهم يعلمون أن الأرض ومن فيها له ، وأنه رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم ، وأن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ، وإذا مسهم الضر في البر والبحر تضرعوا إليه وفزعوا إليه ، وقالوا : إنما نعبد من دونه هذه الآلهة لتقربنا إليه وتشفع لنا عنده ، وهو يملكها ، ونواصيها بيده ، ويحبونه ويقصدون التقرب إليه ، وهذا مما وضعه فيهم برحمته ونعمته ، فعلم فيهم ما يقتضي رحمته ونعمته ولكن لما غلبت أسباب النقمة كان الحكم للغالب ، ذلك لا يمنع اقتضاء المغلوب أثره وترتبه عليه .

وقد ثبت في الصحيح أن الله يقول للملائكة : أخرجوا من النار من في قلبه من الخير ما يزن ذرة أو برة ، وأنها تخرج منها من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان ، [ ص: 270 ] فانظر هذا الجزء اللطيف جدا كيف غلب تلك الأسباب الكثيرة القوية وأبطلها وعاد الحكم له ، وثبت في الصحيحين " أنه يخرج منها من لم يعمل خيرا قط " .

ولكن هذا إخراج منها وهي باقية على حقيقتها وناريتها ، فأخرج منها بهذا الجزء اليسير ، ومعلوم أن أعداءه المشركين لن تخلو قلوبهم من الإيمان به ، قال الله تعالى : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) فأثبت لهم إيمانا مع الشرك ، وهذا الإيمان وإن لم يؤثر في إخراجهم من النار ، كما أثر إيمان أهل التوحيد ، بل كانوا معه خالدين فيها بشركهم وكفرهم ، فإن النار إنما سعرها عليهم الشرك والظلم ، فلا يمتنع في الرحمة والعدل أن يطفئها ويذهبها بعد أخذ الحق منهم ، فيجتمع ضعف أسباب تسعيرها وقوة أسباب زوالها ، فهذا غير ممتنع في الحكمة الإلهية ، ولم يخبر الرسول بامتناعه ، وأنه لا يكون في موضع واحد .

ولا دل على ذلك نقل ولا عقل ، بل الذي دل عليه النقل والإجماع أنهم خالدون فيها أبدا ، وأنهم ليسوا بخارجين منها ، ولا يموتون فيها ولا يحيون ، وهذا متفق عليه بين المسلمين ، وإنما الشأن في أمر آخر .

الوجه العاشر : أن أسباب العذاب من النفس وغاياتها اتباع أهوائها ، وأما أسباب الخير فمن ربها وفاطرها ، وهو الغاية والمقصود بها ، فهي به وله ، قال الله تعالى : ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) فالحسنات مصدرها من الله وغايتها منتهية إليه ، والسيئات من النفس وهي غايتها ، قال الله تعالى : ( وما بكم من نعمة فمن الله ) فليس للحسنات سبب إلا مجرد فضل الله ومنته ، والأعمال الصالحة وإن كانت أسباب النعم والخيرات فمن وفقه لها وأعانه عليها وشاءها له سواه ؟ فالنعم وأسبابها من الله ، وأما السيئات التي أسلفها العبد فمن نفسه ، وسببها جهله وظلمه ، فإذا ترتبت عليها سيئات الجزاء كان السبب والمسبب من نفسه ، [ ص: 271 ] فليس للجزاء السيئ في الدنيا والآخرة سبب إلا ذنوب العبد التي من نفسه ، فالشر كله والخير كله من ربه ، فإن أكثره ليس للعبد فيه مدخل ، فإن الله هو الذي أنعم عليه به ، ولهذا قال بعض السلف : " لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه " ولهذا قال تعالى : ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) فخص بالخطاب تنبيها على الأدنى ، ولم يخرجه في صورة العموم لئلا يتوهم أنه عام مخصوص ، فكان ذكر الخاص أبلغ في العموم وقصده من ذكر العام ، فتأوله فإنه عجيب في القرآن .

والمقصود أن سبب الحسنات كلها هو الحي القيوم الذي لم يزل ولا يزال ، وهو الغاية المقصودة من فعلها بدوام سببها ، وأما السيئات فسببها وغايتها منقطع هالك فلا يجب دوامها ، فتأمل هذا الوجه فإنه من ألطف الوجوه ، فإن الأسباب تضمحل باضمحلال غاياتها وتبطل ببطلانها ، ولهذا كان كل عمل باطلا إلا ما أريد به وجه الله ، فإن جزاءه وثوابه يدوم بدوامه ، ما لم يرد به وجه الله وأريد به ما يضمحل ويفنى ، فإنه يفنى بفنائه ، قال الله تعالى : ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) ، وهذه هي الأعمال التي كانت لغيره ، فكما أن ما لا يكون به لا يكون ، فما كان لغيره لا يدوم ، ولهذا كان لبعض حكم الله تعالى في تخريب هذا العالم أن يشهد من عبد شيئا غيره أنه لا يصلح للعبادة والألوهية ويشهد العابد حال معبوده ، والمقصود أن النعم تدوم بدوام سببها وغايتها ، وأن الشرور والآلام تبطل وتضمحل باضمحلال سببها .

فهذه الوجوه وغيرها تبين أن الحكمة والمصلحة في خلق النار تقتضي بقاءها ببقاء السبب والحكمة التي خلقت له ، فإذا زال السبب وحصلت الحكمة عاد الأمر إلى السابقة الغالبة الواسعة .

يزيد وضوحا الوجه الحادي عشر : أن الرب يستحيل أن يكون إلا رحيما ، فرحمته من لوازم ذاته ، ولهذا كتب على نفسه الرحمة ، ولم يكتب على نفسه الغضب ، فهو لم يزل ولا يزال رحيما ، ولا يجوز أن يقال : إنه لم يزل ولا يزال غضبان ، ولا أن غضبه من لوازم ذاته ، ولا أنه كتب على نفسه العقوبة والغضب ، ولا أن غضبه يغلب رحمته ويسبقها [ ص: 272 ] وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة : " إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله " فإذا كان ذات الغضب الشديد لا يدوم ولا يستمر بل يزول ، وهو الذي سعر النار ، فإنها إنما سعرت بغضب الجبار تبارك وتعالى ، فإذا زال السبب الذي سعرها ، فكيف لا تطفأ ، وقد طفئ غضب الرب وزال .

وهذا بخلاف رضاه فإنه من لوازم ذاته دائم بدوامها ، ولهذا دام نعيم أهل الجنة والرضا ، كما يقول لهم في الجنة : " إني أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا " فكيف يساوى بين موجب رضاه وموجب سخطه في الدوام ، ولم يستو الموجبان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث