الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وحدثني عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن الحارث بن هشام سأل رسول الله كيف يأتيك الوحي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول قالت عائشة ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا

التالي السابق


474 476 - ( مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي أن الحارث بن هشام ) المخزومي ، شقيق أبي جهل ، أسلم يوم الفتح ، وكان من فضلاء الصحابة واستشهد في فتوح الشام سنة خمس عشرة ، وقد تكتب الحارث بلا ألف تخفيفا

( سأل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ) قال الحافظ : هكذا رواه الرواة عن عروة فيحتمل أن عائشة حضرت ذلك ، وعلى هذا اعتمد أصحاب الأطراف فأخرجوه في مسند عائشة ، ويحتمل أن الحارث أخبرها بذلك بعد ، فيكون [ ص: 12 ] من مرسل الصحابة ، وهو محكوم بوصله عند الجمهور ، ويؤيد الثاني ما رواه أحمد والبغوي وغيرهما من طريق عامر بن صالح الزبيري ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن الحارث بن هشام قال : سألت . وعامر فيه ضعف لكن له متابع عند ابن منده والمشهور الأول

( كيف يأتيك الوحي ؟ ) أي صفة الوحي نفسه أو صفة حامله أو أعم من ذلك ، وعلى كل تقدير فإسناد الإتيان إلى الوحي مجاز عقلي ; لأن الإتيان حقيقة من وصف حامله ، ويسمى مجازا في الإسناد للملابسة التي بين الحامل والمحمول ، أو هو استعارة بالكناية ; شبه الوحي برجل وأضيف إلى المشبه الإتيان الذي هو من خواص المشبه به ، وفيه أن السؤال عن الكيفية لطلب الطمأنينة لا يقدح في اليقين ، وجواز السؤال عن أحوال الأنبياء من الوحي وغيره .

( فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أحيانا ) جمع حين يطلق على كثير الوقت وقليله ، والمراد هنا مجرد الوقت فكأنه قال : " أوقاتا " ، ونصب ظرفا عامله ( يأتيني ) مؤخر عنه ، وفيه أن المسئول عنه إذا كان ذا أقسام يذكر المجيب في أول جوابه ما يقتضي التفصيل ، ( في مثل صلصلة ) بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة ، أصله صوت وقوع الحديد بعضه على بعض ، ثم أطلق على صوت له طنين ، وقيل صوت متدارك لا يدرك في أول وهلة . ( الجرس ) بجيم ومهملة الجلجل الذي يعلق في رءوس الدواب ، واشتقاقه من الجرس بإسكان الراء وهو الحس ، قيل : الصلصلة صوت الملك بالوحي

قال الخطابي : يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يثبته أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد ، ولما كان الجرس لا تحصل صلصلته إلا متداركة وقع التشبيه به دون غيره من آلات ، وقيل : صوت حفيف أجنحة الملك ، والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقى فيه مكان لغيره . ( وهو أشده علي ) ; لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أشد من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود ، وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى والدرجات ، وأفهم أن الوحي كله شديد وهذا أشده ; لأن العادة جرت بالمناسبة بين القائل والسامع ، وهي هنا إما باتصاف السامع بوصف القائل فغلبت الروحانية ، وهو النوع الأول وإما باتصاف القائل بوصف السامع ، وهو البشرية وهو النوع الثاني ، والأول أشد بلا شك ، وقال السراج البلقيني : سبب ذلك أن الكلام العظيم له مقدمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به كما جاء في حديث ابن عباس : وكان يعالج من التنزيل شدة .

وقيل : كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد ، قال الحافظ : وفيه نظر ، والظاهر أنه لا يختص بالقرآن كما في حديث يعلى بن أمية في قصة لابس الجبة المتضمخ بالطيب في الحج ، ففيه أنه رآه ، صلى الله عليه وسلم ، حالة نزول الوحي وأنه ليغط .

( فيفصم ) بفتح التحتية وسكون الفاء وكسر المهملة ، أي يقطع ( عني ) ويتجلى ما يغشاني ، ويروى بضم أوله من الرباعي ، وفي رواية [ ص: 13 ] بضم أوله وفتح الصاد على البناء للمجهول ، وأصل الفصم القطع ، ومنه قوله تعالى : ( لا انفصام لها ) ( سورة البقرة : الآية 256 ) ، وقيل : الفصم بالفاء القطع بلا إبانة ، وبالقاف القطع بإبانة ، فذكره يفصم بالفاء إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود ، والجامع بينهما بقاء العلقة .

( وقد وعيت ) بفتح العين حفظت ( ما قال ) أي القول الذي جاء به ، وفيه إسناد الوحي إلى قول الملك ، ولا معارضة بينه وبين قوله تعالى حكاية عن الكفار : ( إن هذا إلا قول البشر ) ( سورة المدثر : الآية 25 ) ; لأنهم كانوا ينكرون الوحي وينكرون مجيء الملك به ، فإن قيل : المحمود لا يشبه بالمذموم إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل ، والمشبه : الوحي ، والمشبه به : صوت الجرس ، وهو مذموم لصحة النهي عنه ، والتنفير من مرافقة ما هو معلق فيه ، والإعلام بأنهم لا تصحبهم الملائكة كما في مسلم وأبي داود وغيرهما ، فكيف شبه فعل الملك بأمر تنفر منه الملائكة ؟ أجيب بأنه لا يلزم في التشبيه تساوي المشبه بالمشبه به في الصفات كلها ، بل ولا في أخص وصف له ، بل يكفي اشتراكهما في صفة ما ، فالقصد هنا بيان الحس ، فذكر ما ألف السامعون سماعه تقريبا لأفهامهم .

والحاصل أن الصوت له جهتان : جهة قوة وبها وقع التشبيه ، وجهة طنين وبها وقع النفير عنه ، وعلل بكونه مزمار الشيطان ، واحتمال أن النهي عنه وقع بعد السؤال المذكور فيه نظر ، وهذا النوع شبيه بما يوحى إلى الملائكة ، كما في الصحيح مرفوعا : " إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ، كأنها سلسلة على صفوان ، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق ، وهو العلي الكبير " . وللطبراني وابن أبي عاصم مرفوعا : " إذا تكلم الله في السماء بالوحي أخذت السماء رجفة أو رعدة شديدة من خوف الله ، فإذا سمع أهل السماء صعقوا وخروا سجدا ، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد فينتهي به إلى الملائكة كلما مر بسماء سأله أهلها ماذا قال ربنا ؟ قال : الحق ، فينتهي به حيث أمره الله من السماء والأرض " . ولابن مردويه مرفوعا : " إذا تكلم الله بالوحي يسمع أهل السماء صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان فيفزعون " .

( وأحيانا يتمثل ) يتصور ( لي ) أي لأجلي ، فاللام تعليلية ( الملك ) جبريل ، كما في رواية ابن سعد ، فأل عهدية ( رجلا ) نصب على المصدرية ، أي مثل رجل أو بهيئة رجل ، فهو حال ، وإن لم تئول بمشتق لدلالة رجل على الهيئة بلا تأويل أو على تمييز النسبة لا تمييز الفرد ; لأن الملك لا إبهام فيه ، وكون تمييز النسبة محولا عن الفاعل كتصبب زيد عرقا أو المفعول كفجرنا الأرض عيونا ، أمر غالب لا دائم بدليل امتلأ الإناء ماء ، أو على المفعولية بتضمين " يتمثل " معنى " يتخذ " أي الملك رجلا مثالا ، واستبعد من جهة المعنى لاتحاد المتخذ والمتخذ والإتيان بمثال بلا دليل

قال المتكلمون : الملائكة أجسام علوية لطيفة تتشكل أي شكل أرادوا . وزعم بعض الفلاسفة أنها جواهر [ ص: 14 ] روحانية . قال الحافظ : والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا ، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه ، والظاهر أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفى على الرائي فقط ، وتقدم مزيد لذلك في أول حديث ( فيكلمني ) بالكاف ، والبيهقي عن القعنبي : " فيعلمني " بالعين ، قال الحافظ : والظاهر أنه تصحيف فإنه في الموطأ رواية القعنبي بالكاف ، وكذا أخرجه الدارقطني من حديث مالك من طريق القعنبي وغيره .

( فأعي ما يقول ) زاد أبو عوانة : " وهو أهونه علي " ، وعبر هنا بالاستقبال وفيما قبله بالماضي ; لأن الوحي حصل في الأول قبل الفصم وفي الثاني حال المكالمة ، أو أنه في الأول تلبس بصفات الملكية ، فإذا عاد إلى جبلته كان حافظا لما قيل له فعبر بالماضي ، بخلاف الثاني فإنه على حالته المعهودة .

وأورد على مقتضى هذا الحديث من حصر الوحي في الحالتين حالات أخرى ، أما من صفة الوحي بمجيئه كدوي النحل والنفث في الروع والإلهام والرؤيا الصالحة والتكليم ليلة الإسراء بلا واسطة ، وأما في صفة حامل الوحي كمجيئه في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح ، ورؤيته على كرسي بين السماء والأرض وقد سد الأفق ، والجواب منع الحصر في الحالين ، وحملهما على الغالب أو حمل ما يغايرهما على أنه وقع بعد السؤال ، أو لم يتعرض لصفتي الملك المذكورتين لندورهما ، فقد ثبت عن عائشة أنه لم يره كذلك إلا مرتين ، أو لم يأته في تلك الحالة بوحي ، أو أتاه به وكان على مثل صلصلة الجرس ، فإنه بين بها صفة الوحي لا صفة حامله

وأما فنون الوحي فدوي النحل لا يعارض صلصلة الجرس ; لأن سماع الدوي بالنسبة إلى الحاضرين كما في حديث عمر يسمع عنده دوي كدوي النحل ، والصلصلة بالنسبة إليه ، صلى الله عليه وسلم ، فشبهه عمر بدوي النحل بالنسبة إلى السامعين ، وشبهه هو ، صلى الله عليه وسلم ، بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه .

وأما النفث في الروع فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين ، فإذا أتاه في مثل الصلصلة نفث حينئذ في روعه ، وأما الإلهام فلم يقع السؤال عنه ; لأنه وقع عن صفة الوحي الذي يأتي بحامل ، وكذا التكليم ليلة الإسراء .

وأما الرؤيا الصالحة فقال ابن بطال : لا ترد لأن السؤال وقع عما ينفرد به عن الناس والرؤيا قد يشاركه فيها غيره ، انتهى .

والرؤيا الصادقة وإن كانت جزءا من النبوة فهي باعتبار صدقها ، وإلا لساغ أن يسمى صاحبها نبيا وليس كذلك ، ويحتمل أن السؤال وقع عما في اليقظة ، ولكون حال المنام لا يخفى على السائل اقتصر على ما يخفى عليه ، أو كان ظهور ذلك له ، صلى الله عليه وسلم ، في المنام أيضا على الوجهين المذكورين لا غير ، قاله الكرماني ، وفيه نظر

وقد ذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعا فذكرها ، وغالبها من صفات الوحي ، ومجموعها يدخل فيما ذكر ، انتهى .

( قالت عائشة ) بالإسناد السابق ، وإن كان بغير حرف عطف . وقد أخرجه الدارقطني من طريق عتيق بن [ ص: 15 ] يعقوب ، عن مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عنها ، مفصولا عن الحديث الأول . وكذا فصلهما مسلم من طريق أبي أسامة ، عن هشام ، ونكتته هنا اختلاف التحمل ; لأنها في الأول أخبرت عن مسألة الحارث ، وفي الثاني أخبرت عما شاهدته تأييدا للخبر الأول

( ولقد رأيته ) بواو القسم واللام للتأكيد ، أي والله لقد أبصرته ( ينزل ) بفتح أوله وكسر ثالثه ، وفي رواية : بضم أوله وفتح ثالثه ( عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ) الشديد صفة جرت على غير من هي له ; لأنه صفة البرد لا اليوم ( فيفصم ) بفتح الياء وكسر الصاد أو بضمها وكسر الصاد ، من أفصم ، رباعي ، وهي لغة قليلة ، أو مبني للمجهول ، روايات كما مر ، أي يقلع ( عنه وإن جبينه ليتفصد ) بالياء ثم التاء وفاء وصاد مهملة ثقيلة ، من الفصد ، وهو قطع العرق لإسالة الدم ، شبه جبينه بالعرق المفصود مبالغة في الكثرة ، أي ليسيل ( عرقا ) تمييز ، زاد ابن أبي الزناد عن هشام بهذا الإسناد عند البيهقي : " وإن كان ليوحى إليه وهو على ناقته فتضرب جرانها من ثقل ما يوحى إليه " ، وفيه دلالة على كثرة معاناة التعب والكرب ثم نزول الوحي لمخالفة العادة ، وهو كثرة العرق في شدة البرد فيشعر بأمر طارئ زائد على الطباع البشرية .

وحكى العسكري في كتاب التصحيف عن بعض شيوخه بالقاف من التقصيد ، قال العسكري : فإن ثبت من قولهم تقصد الشيء إذا تكسر وتقطع ، ولا يخفى بعده ، انتهى .

وقد وقع في هذا التصحيف أبو الفضل بن طاهر فرده عليه المؤتمن الساجي بالفاء ، فأصر على القاف

وذكر الذهبي عن ابن ناصر أنه رد على ابن طاهر لما قرأها بالقاف ، قال : فكابرني ، قلت : ولعله وجهه بما قال العسكري

وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك به ، وتابعه ابن عيينة وغيره عن هشام في الصحيحين



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث