الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل من عدله سبحانه أنه لا يزيد أحدا في العذاب على القدر الذي يستحقه

الوجه الثاني عشر : أنه كما قيد الغضب الشديد بذلك اليوم قيد العذاب المرتب عليه به كما في قوله : ( فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ) وقوله : ( ويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ) فجعل العذاب والمشهد واقعين في ذلك اليوم العظيم ، بل جعل العذاب يوم العذاب أبدا .

ولا يقال في الشيء الأبدي الذي لا يفنى ولا يبيد : إنه عمل يوم ، وطعام يوم ، وعذاب يوم ، ولم ينتقص هذا بقوله سبحانه : ( ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ) ولا بقوله : ( إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر ) فإن استقراره واستمراره لا يقتضي أبديته لغة ولا عرفا ولا عقلا ، وقد أخبر سبحانه عن بطن الأم أنه مستقر الجنين بقوله : ( ونقر في الأرحام ما نشاء ) وقال تعالى : ( وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع ) سواء كان المستقر صلب الأب والمستودع بطن الأم أو عكس ذلك ، أو دار الدنيا ودار البرزخ ، كما هي أقوال المفسرين في الآية ، فالمستقر لا يدل على أنه أبدي ، وكذلك المستمر لا يدل على الأبدية .

فاستقرار كل شيء واستمراره ودوامه وخلوده وثباته بحسب ما يليق به من البقاء والإقامة ، وقال تعالى : ( لابثين فيها أحقابا ) وهذا لا يقال في لبث لا انتهاء له ، وتأويل الآية عند من [ ص: 273 ] تأولها أنهم يلبثون فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ، أي لا يذوقون في تلك الأحقاب بردا ولا شرابا : لا يفيدهم شيئا ، فإنه يلزم على تأويله أنهم يذوقون البرد والشراب بعد مضي تلك الأحقاب ، ومتى ذاقوا البرد والشراب انقطع عنهم العذاب .

الوجه الثالث عشر : أنه سبحانه وتعالى يذكر نعيم أهل الجنة فيصفه بأنه غير منقطع ، وأنه ما من نفاد ، يذكر عقاب أهل النار ثم يخبر معه أنه فعال لما يريد أو يطلقه ، فالأول كقوله : ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ) وأما الثاني فقوله : ( هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب جنات عدن مفتحة لهم الأبواب متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب إن هذا لرزقنا ما له من نفاد هذا وإن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها فبئس المهاد ) إلى قوله تعالى ( إن ذلك لحق تخاصم أهل النار ) ولم يقل فيه ما قاله في النعيم .

وقريب من هذا أنه سبحانه وتعالى يذكر خلود أهل النعيم فيه ، فيقيده بالتأبيد ، ويذكر معه خلود أهل العذاب ، فلا يقيده بالتأبيد ، بل يطلقه ، وهذا كقوله تعالى : ( إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ) .

ولا ينتقض هذا بقوله : ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ) فإن تأبيد الخلود فيها لا يستلزم أبديتها ودوام بقائها ، بل يدل على أنهم خالدون فيها أبدا ما دامت كذلك ، فالأبد استمرارهم فيها ما دامت موجودة ، وهو سبحانه لم يقل : إنها باقية أبدا ، وفرق بين الأمرين فتأمله .

على أن التأبيد قد جاء في القرآن فيما هو منقطع ، كقوله عن اليهود : ( ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ) [ ص: 274 ] وهذا إنما هو أبد مدة حياتهم في الدنيا ، وإلا فهم في النار يتمنون الموت حين يقولون ( يامالك ليقض علينا ربك ) وقول العرب : لا أفعل هذا أبدا ، ولا أتزوج أبدا ، أشهر من أن تذكر شواهده ، وإنما يريدون مدة منقطعة ، وهي أبد الحياة ومدة عمرهم ، فهكذا الأبد في العذاب هو أبد مدة بقاء النار ودوامها .

الوجه الرابع عشر : أنه لو كانت دار الشقاء دائمة دوام دار النعيم ، وعذاب أهلها فيها مساويا لنعيم أهل الجنة بدوامه لم تكن الرحمة غالبة للغضب بل يكون الغضب قد غلب الرحمة ، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء ملزومه ، والشأن في بيان الملازمة ، وأما انتفاء اللازم فظاهر ، وقد دل عليه الحديث المتفق على صحته من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي تغلب " وبيان الملازمة أن المعذبين في دار الشقاء أضعاف أهل النعيم ، كما ثبت في الصحيح " إن الله تعالى يقول : يا آدم ، فيقول : لبيك وسعديك والخير في يديك ، فيقول : إن الله يأمرك أن تبعث من ذريتك بعث النار ، فيقول : ربي ، وما بعث النار ؟ فيقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد في الجنة " فقال الصحابة : يا رسول الله وأينا ذلك الواحد ؟ فقال : " إن معكم خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه : يأجوج ومأجوج " .

فعلى هذا أهل الجنة عشر عشر أهل النار ، وإنما دخلوها بالغضب ، فلو دام هذا العذاب دوام النعيم وساواه في وجوده لكانت الغلبة للغضب ، وهذا بخلاف ما إذا كانت الرحمة هي الغالبة فإن غلبتها تقتضي نقصان عدد المعذبين أو مدتهم .

يوضحه الوجه الخامس عشر : أن الله تعالى جعل الدنيا مثالا وأنموذجا وعبرة لما أخبر به في الآخرة ، فجعل آلامها ولذاتها وما فيها من النعيم والعذاب وما فيها من الثمار والحرير ، والذهب والفضة والنار تذكرة ومثالا وعبرة ، ليستدل العباد بما شاهدوه على ما أخبروا به ، وقد أنزل في هذه الدار رحمته وغضبه ، وأجرى عليهم آثار الرحمة والغضب ، ويسر لأهل الرحمة أسباب الرحمة ، ولأهل الغضب أسباب الغضب ، ثم [ ص: 275 ] جعل سبحانه الغلبة والعافية لما كان عن رحمته ، وجعل الاضمحلال والزوال لما كان عن غضبه فلا بد من حين قامت الدنيا إلى أن يرثها الله ومن عليها أن تغلب آثار غضبه ولو في العاقبة ، فلا بد أن يغلب الرخاء الشدة ، والعافية البلاء ، والخير وأهله الشر وأهله ، وإن أديلوا أحيانا فإن الغلبة المستقرة الثابتة للحق وأهله ، وآخر أمر المبطلين الظالمين إلى زوال وهلاك ، فما قام للشر والباطل جيش إلا أقام الله سبحانه للحق جيشا يظفر به ويكون له العلو والغلبة ، قال تعالى : ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ) فكما غلبت الرحمة غلبت جنودنا ، وإذا كان هذا مقتضى حمده وحكمته في هذه الدار ، فهكذا في دار الحق المحض تكون الغلبة لما خلق بالرحمة والبقاء لها .

وسر هذا الوجه وما يتصل به أن الخير هو الغالب للشر ، وهو المهيمن عليه ، الذي لو دخل جحر ضب لدخل خلفه حتى يخرجه ويغيره ، وإذا كانت للشر دولة وصولة لحكمة مقصودة لغيرها قصد الوسائل ، فالخير مقصود مطلوب لنفسه قصد الغايات .

الوجه السادس عشر : أنه قد ثبت في الصحيح أن الجنة يبقى فيها فضل ، فينشئ الله لها خلقا يسكنهم إياها بغير عمل كان منهم ، محبة منه للجود والإحسان والرحمة ، فإذا كان وجوده ورحمته قد اقتضيا أن يدخل هؤلاء الجنة بغير تقدم عمل منهم ولا معرفة ولا إقرار ، فما المانع أن تدرك رحمته من قد أقر به في دار الدنيا ، واعترف بالله ربه ومالكه ، واكتسب ما أوجب غضبه عليه ، فعاقبه بما اكتسبه ، وعرفه حقيقة ما اجترحه وأشهده أنه كان كاذبا مبطلا ، وأن رسله هم الصادقون المحقون ، فشهد ذلك وأقر على نفسه وتقطعت نفسه حسرة وندما ، وأخرجت النار منه خبثه كما يخرج الكير خبث الحديد .

ولا يقال : الخبث لا يفارقهم والإصرار لا يزول عنهم ، كما قال تعالى : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) فإن هذا ليس في حكم الطبيعة الحيوانية ، ولهذا في الدنيا لما يمسهم العذاب تجد عقدة الإصرار قد انحلت عنهم وانكسرت نخوة الباطل ولكن لم تظهر قلوبهم بذلك وحده .

[ ص: 276 ] وأما قوله تعالى : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) فذلك قبل دخول النار فقالوا : ( ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) ، وهذا إخبار عن حالهم قبل أن يدخلوا النار ، وقبل أن تذيب لحومهم ونفوسهم التي نشأت على الكفر ، فالخبث بعد كامن فيها ، فلو ردوا والحالة هذه لعادوا لما نهوا عنه ، والحكمة والرحمة تقتضي أن النار تأكل تلك اللحوم التي نشأت من أكل الحرام ، وتنضج تلك الجلود التي باشرت محارم الله تعالى وتطلع على الأفئدة التي أشركت به وعبدت معه غيره ، فتسليط النار على هذه القلوب والأبدان من غاية الحكمة ، حتى إذا أخذت المسألة حقها وأخذت العقوبة منهم مأخذها وعادوا إلى ما فطروا عليه ، وزال ذلك الخبث والشر الطارئ على الفطرة ، والعزيز الحكيم حينئذ حكم هو أعلم به ، وهو الفعال لما يريد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث