الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوم يزادون عن الحوض


( ( عنه يذاد المفتري كما ورد ومن نحا سبل السلامة لم يرد ) )

( ( عنه ) ) أي : عن حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الشرب منه ( ( يذاد ) ) بضم التحتية ، وفتح الذال المعجمة ، فدال مهملة قبلها ألف مبني لما لم يسم فاعله ، أي : يطرد ويساق ويدفع دفعا عنيفا ، قال في القاموس : الذود السوق والطرد والدفع كالذياد ( ( المفتري ) ) نائب الفاعل من الفرية بكسر الفاء الكذب ، يقال : فري يفري فريا ، وافترى يفتري افتراء إذا كذب ، وهو افتعال منه ، ومنه ( ولا يأتين ببهتان يفترينه ) ، وفي الحديث " من أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا " فالفرى جمع فرية ، وهي الكذبة ، وأفرى أفعل منه للتفضيل ، أي : أكذب الكذبات أن يقول : رأيت في النوم كذا ، ولم يكن رأى شيئا ، لأنه كذب على الله ؛ لأنه هو الذي يرسل ملك الرؤيا ليريه المنام .

والحاصل أن من الذين يذادون عن الحوض جنس المفترين على الله تعالى ، وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - من المحدثين في الدين من الروافض والخوارج وثائر أصحاب الأهواء والبدع المضلة ، وكذلك المسرفون من الظلمة المفرطون في الظلم والجور وطمس الحق ، كذلك المتهتكون في ارتكاب المناهي ، والمعلنون في اقتراف المعاصي ، وقد أخرج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال :

أغفى رسول الله [ ص: 198 ] - صلى الله عليه وسلم - إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقال : " إنه أنزلت علي آنفا سورة ، فقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر ) حتى ختمها قال : " هل تدرون ما الكوثر ؟ قالوا :

الله ورسوله أعلم ، قال :

هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منه ، فأقول : يا رب إنه من أمتي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدث بعدك "
وأخرج الطبراني عنه مرفوعا " أعطيت الكوثر - قلت : يا رسول الله ، وما الكوثر ؟ قال : نهر في الجنة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب لا يشرب منه أحد فيظمأ ، ولا يتوضأ منه أحد فيشعث ، لا يشربه من أخفر ذمتي ، ولا من قتل أهل بيتي " وأخرج مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ليردن علي الحوض أقوام فيختلجون دوني ، فأقول : رب أصحابي ، رب أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " وأخرج ابن أبي عاصم في السنة عن ريحانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمير المؤمنين الحسن بن علي - رضي الله عنه - أنه قال لمعاوية : أنت السباب لعلي ؟ أما والله لتردن عليه الحوض - وما أراك ترده - فتجده مشمر الإزار على ساق يذود عنه لا يأتي المنافقون ذود غريبة الإبل قول الصادق المصدوق ، وقد خاب من افترى .

وأخرج الطبراني وابن حبان والحاكم وصححه عن خباب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " سيكون أمراء من بعدي ، فلا تصدقون بكذبهم ، ولا تعينوهم على ظلمهم ، فمن فعل لم يرد علي الحوض " وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - قال :

سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أنا فرطكم على الحوض ، من ورد شرب ، ومن شرب لم يظمأ أبدا ، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم " قال أبو حازم : فسمع النعمان بن أبى عياش وأنا أحدث هذا الحديث فقال : هكذا سمعت سهلا يقول ؟ قلت : نعم .

فقال :

وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري سمعته يزيد " إنهم مني ، فيقال : إنك لا تدري ما عملوا بعدك ، فأقول سحقا لمن بدل بعدي [ ص: 199 ] وأخرج الإمام أحمد والطبراني والبزار عن ابن عباس - رضي الله عنهما - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " أنا فرطكم على الحوض فمن ورد أفلح ، ويجاء بأقوام فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول :

يا رب ، فيقال :

ما زالوا بعدك مرتدين على أعقابهم
" وأخرج الحكيم في نوادر الأصول عن عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال :

" يا عثمان ، لا ترغب عن سنتي ، فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم القيامة " .

وأخرج الترمذي ، والحاكم ، عن كعب بن عجرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج عليهم ، وقال :

" إنه سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم ، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ، وليس بوارد علي الحوض ، ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ، ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه ، وهو وارد علي الحوض .

" وأخرج الطبراني من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :

" ليرفعن لي رجال من أصحابي إذا رأيتهم اختلجوا دوني فأقول أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " فهذا معنى قوله ( ( كما ورد ) ) .

ذلك في الأحاديث النبوية مما ذكرنا ومما لم نذكر ، وقد أخرج البخاري ومسلم حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - بلفظ : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم :

" أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعن إلي رجال منكم إذا هويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني ، فأقول : أي رب أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " وفيهما من حديث أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رفعوا إلي اختلجوا دوني ، فلأقولن : أي رب أصحابي ، فليقالن لي : إنك لا تدري ما أحدثوا ، فأقول : سحقا لمن بدل بعدي " وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال :

" يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي - أو قال : من أمتي ، فيحلئون عن الحوض ، فأقول : يا رب أصحابي ، فيقول : إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى " ، وفي رواية ، فيجعلون ، قال في جامع الأصول : اختلجوا إذا استلبوا وأخذوا بسرعة ، وقوله : فيحلئون [ ص: 200 ] يعني : مبنيا للمجهول ، أي : يدفعون عن الماء ، ويطردون عن وروده إذا كان بالحاء المهملة ، ومن رواه بالجيم فهو من الجلاء ، وهو النفي عن الوطن ، وهو راجع إلى الطرد .

وفي رواية عند البخاري : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هلم ، فقلت : إلى أين ؟ فقال : إلى النار والله ، فقلت : ما شأنهم ، فقال : إنهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة أخرى ، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم ، قلت : إلى أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا على أدبارهم ، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم " وفي رواية لمسلم : " وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون ، فأقول : يا رب ، هؤلاء أصحابي ، فيجيبني ملك فيقول : وهل تدري ما أحدثوا بعدك ! " وعند مسلم أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها أنه - صلى الله عليه وسلم - قال :

" فوالله ليقطعن دوني رجال فلأقولن : أي رب ، مني ومن أمتي ، فيقول : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، ما زالوا يرجعون على أعقابهم " وفي الصحيحين من حديث أسماء بنت الصديق - رضي الله عنهما - قالت :

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إني على الحوض أنظر من يرد منكم ، وسيؤخذ ناس دوني ، فأقول : يا رب ، مني ومن أمتي - وفي رواية ، فأقول : أصحابي - فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك ؟ فوالله ما برحوا يرجعون على أعقابهم " وفي ذلك أحاديث كثيرة جدا .

قال القرطبي : قال علماؤنا كل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله ولم يؤذن به ، فهو من المطرودين عن الحوض ، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين كالخوارج والروافد والمعتزلة على اختلاف فرقهم ، فهؤلاء كلهم مبدلون ، وكذا الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وإذلال أهله ، والمعلنون بكبائر الذنوب ، والمستخفون بالمعاصي ، وجماعة أهل الزيغ والبدع .

ثم الطرد قد يكون في حال ، ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد .

قال :

وقد يقال : إن أهل الكبائر يردون ويشربون ، وإذا دخلوا النار بعد ذلك لم يعذبوا بالعطش . انتهى .

فأهل البدع مطرودون عن حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - ومردودون عن الشرب ، منه ( ( ومن ) ) أي : [ ص: 201 ] وأي شخص من هذه الأمة من ذكر وأنثى ( ( نحا ) )

أي : قصد ، يقال : نحاه ينحوه وينحاه قصده كانتحاه ( ( سبل ) )

بضم السين المهملة ككتب ، جمع سبيل ، وهو الطريق وما وضح منه ، وجمعه أن الطريق الحق واحد باعتبار خصاله ، وشعبه المتوصل منه إليها ( ( السلامة ) )

من الكلمات الجامعة لخير الدنيا والآخرة ، قال في القاموس : السلامة البراءة من العيوب ، يعني أن من نهج منهج الحق وسلك طريق السنة ، وسلم من البدع وكبائر الذنوب فإنه يرد على حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - ويشرب منه ، و ( ( لم يرد ) )

عن الشرب منه ، ولم يطرد عن الورود عليه كما يفهم من الأحاديث المارة ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث