الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

وأما المقام الرابع وهو إفادتها واليقين فنقول وبالله التوفيق : الأخبار المقبولة في باب الأمور الخبرية العلمية أربعة أقسام أحدها : متواتر لفظا ومعنى ، والثاني : أخبار متواترة معنى إن لم تتواتر بلفظ واحد ، الثالث : أخبار مستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة ، الرابع : أخبار آحاد مروية بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط عن مثله حتى تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فأما القسمان الأولان فالأخبار الواردة في عذاب القبر والشفاعة والحوض ورؤية الرب تعالى وتكليمه عباده يوم القيامة ، وأحاديث علوه فوق سماواته على عرشه ، وأحاديث إثبات العرش ، والأحاديث الواردة في إثبات المعاد والجنة والنار نحو ذلك مما يعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بها كما يعلم بالاضطرار أنه جاء بالتوحيد وفرائض الإسلام وأركانه ، وجاء بإثبات الصفات للرب تعالى ، فإنه ما من باب من هذه الأبواب إلا وقد تواتر فيه المعنى المقصود عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا معنويا لنقل ذلك عنه بعبارات متنوعة من وجوه متعددة يمتنع في مثلها في العادة التواطؤ على الكذب عمدا أو سهوا ، وإذا كانت العادة العامة والخاصة المعهودة من حال سلف الأمة وخلفها تمنع التواطؤ على الاتفاق على الكذب في هذه الأخبار ، ويمتنع في العادة وقوع الغلط فيها ، أفادت العلم واليقين .

[ ص: 549 ] ثم للناس في حصول العلم وبها طريقان : أحدهما : أنه ضروري ، والثاني : أنه نظري ، فأصحاب الضرورة يستدلون بحصول العلم لهم ضرورة على حصول التواتر الموجب له ، وأصحاب النظر يعكسون الأمر ويقولون نحن نستدل بتواتر المخبرين على إفادة العلم .

والطريق الأول أعلى التقديرين ، فكل عالم بهذه الأحاديث وطرقها ونقلها وتعددها يعلم علما يقينا لا شك فيه بل يجد نفسه مضطرة إلى ثبوتها أولا وثبوت مخبرها ثانيا ، ولا يمكنه دفع هذين العلمين عن نفسه ، العلم الأول : ينشأ من جهة معرفته بطريق الأحاديث وتعددها وتباين طرقها واختلاف مخارجها ، وامتناع التواطؤ زمانا ومكانا على وضعها ، والعلم الثاني : ينشأ من جهة إيمانه بالرسالة ، وأن الرسول صادق فيما يخبر به .

وهذا عند أهل الحديث أعظم من علم الأطباء بوجود بقراط وجالينوس فإنهما من أفاضل الأطباء ، وأعظم من علم النحاة بوجود سيبويه والخليل والفراء وعلمهم بالعربية ، ولكن أهل الكلام وأتباعهم في غاية قلة المعرفة بالحديث وعدم الاعتناء به ، وكثير منهم بل أفضلهم عند أصحابه لا يعتقد أنه روي في الباب الذي يتكلم فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا أو يظن أن المروي فيه حديث أو حديثان كما يجده لأكابر شيوخ المعتزلة كأبي الحسين البصري يعتقد أنه ليس في الرؤية إلا حديث واحد وهو حديث جرير ، ولم يعلم أنه فيها ما يقارب ثلاثين حديثا ، وقد ذكرناها في كتاب صفة الجنة " حادي الأرواح " .

فإنكار هؤلاء لما علمه أهل الوراثة النبوية من كلام نبيهم أقبح من إنكار ما هو مشهور من مذاهب الأئمة عند أتباعهم وما يعلم أن كثيرا من الناس قد تطرق سمعه هذه الأحاديث ولا تفيده علما ، لأنه لم تجتمع طرقها وتعددها واختلاف مخارجها من قبله ، فإذا اتفق له إعراض عنها أو نفرة عن روايتها ، بإحسان ظن بمن قال بخلافها أو تعارض خيال شيطاني يقوم بقلبه ، فهناك يكون الأمر كما قال تعالى : قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد فلو كانت أضعاف ذلك لم تحصل لهم إيمانهم ولا علما . وحصول العلم في القلب [ ص: 550 ] بموجب التواتر مثل الشبع والري ونحوهما ، وكل واحد من الأخبار يفيد قدرا من العلم ، فإذا تعددت الأخبار وقويت أفادت العلم ، إما للكثرة وإما للقوة وإما لمجموعهما ، كما يحصل الشبع إما بكثرة أو بقوة المأكول وإما لمجموعهما .

والعلم بمخبر الخبر لا يكون بمجرد سماع حروفه بل يفهم معناه مع سماع لفظه ، فإذا اجتمع في قلب المستمع لهذه الأخبار ، العلم بطريقها ومعرفة حال رواتها وفهم معناه ، حصل له العلم الضروري الذي لا يمكنه رفعه ، ولهذه كان جميع أئمة الحديث الذين لهم لسان صدق في الأمة قاطعين بمضمون هذه الأحاديث ، شاهدين بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم جازمين بأن من كذب بها أو أنكر مضمونها فهو كافر ، مع علم من له اطلاع على سيرتهم وأحوالهم بأنهم من أعظم الناس صدقا وأمانة وديانة وأوفرهم عقولا وأشدهم تحفظا وتحريا للصدق ومجانبة للكذب ، وأن أحدا منهم لا يجابي في ذلك آباه ولا ابنه ، ولا شيخه ولا صديقه ، وأنهم حرروا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريرا لم يبلغه أحد سواهم ، لا من الناقلين عن الأنبياء ولا من غير الأنبياء ، وهم شاهدوا شيوخهم على هذه الحال وأعظم ، وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ ، حتى انتهى الأمر إلى من أثنى الله عليهم أحسن الثناء ، وأخبر برضاه عنهم واختباره لهم واتخاذه إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة .

ومن تأمل ذلك أفاده علما ضروريا بما ينقلونه عن نبيهم أعظم من كل علم ينقله كل طائفة عن صاحبه ، وهذا أمر وجداني عندهم لا يمكنكم جحده بل هو بمنزلة ما تحسونه من الألم واللذة والحب والبغض ، حتى أنهم يشهدون بذلك ويحلفون عليه ويباهون من خالفهم عليه .

وقول هؤلاء القادحين في أخباره وسنته يجوز أن يكون رواة هذه الأخبار كاذبين أو غالطين ، بمنزلة قول أعدائه يجوز أن يكون الذي جاء به شيطان كاذب .

وكل أحد يعلم أن أهل الحديث أصدق الطوائف كما قال عبد الله بن المبارك : وجدت الدين لأهل الحديث ، والكلام للمعتزلة ، والكذب للرافضة ، والخيل لأهل الرأي ، وسوء الرأي والتدبير لآل أبي فلان .

وإذا كان أهل الحديث عالمين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذه الأخبار وحدث بها في الأماكن والأوقات المتعددة ، وعلمهم بذلك ضروري ، لم يكن من لا عناية له بالسنة والحديث ، وأن هذه الأخبار آحاد لا تفيد العلم ، مقبولا عليهم ، فإنهم يدعون الضروري ، وخصومهم إما أن ينكروا حصوله لأنفسهم أو لأهل الحديث ، فإن أنكروا [ ص: 551 ] حصوله لأنفسهم لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم ، وإن أنكروا حصوله لأهل الحديث كانوا مكابرين لهم على ما يعلمونه من نفوسهم بمنزلة من يكابر غيره على ما يجده في نفسه من فرحه وألمه ، وخوفه وحبه ، والمناظرة إذا انتهت إلى هذا الحد لم يبق فيها فائدة ، وينبغي العدول إلى ما أمر الله به رسوله من المباهلة ، قال تعالى : فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث