الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


السادس عشر : أن طرق العلم ثلاثة : الحس ، والعقل ، والمركب منهما ، فالمعلومات ثلاثة أقسام : أحدها : ما يعلم بالعقل ، والثاني : ما يعلم بالسمع ، والثالث : ما يعلم بالعقل والسمع ، وكل منها ينقسم إلى ضروري ونظري ، وإلى معلوم ومظنون وموهوم ، فليس كل ما يحكم به العقل يكون علما ، بل قد يكون ظنا أو وهما كاذبا ، كما أن ما يدركه السمع والبصر كذلك ، فلا بد من حاكم يفصل بين هذه الأنواع ، فإذا اتفق العقل والسمع أو العقل والحس على قضية كانت معلومة يقينية ، وإذا انفرد بها الحس عن العقل كانت وهمية ، كما ذكر من أغلاط الحس في رؤية المتحرك أشد الحركة وأسرعها ساكنا ، والساكن متحركا ، والواحد اثنين والاثنين واحدا ، والعظيم الجرم صغيرا والصغير كبيرا ، والنقطة دائرة ، وأمثال ذلك ، وهذه الأمور يجزم بغلطها لتفرد الحس بها عن العقل .

وكذلك حكم السمع قد يكون كاذبا ، وقد يكون صادقا ، ضرورة ونظرا ، وقد يكون ظنيا ، فإذا قارنه العقل كان حكمه علما ضروريا ونظريا ، كالعلم بمخبر الأخبار المتواترة فإنه حصل بواسطة السمع والعقل ، فإن السمع أدى إلى العقل ما سمعه من ذلك ، والعقل حكم بأن المخبرين لا يمكن تواطؤهم على الكذب فأفاده علما ضروريا أو نظريا على الاختلاف في ذلك بوجود المخبر به ، والنزاع في كونه ضروريا أو نظريا لا فائدة فيه ، وكذلك الوهم يدرك أمورا ، لا يدرى صحيحة هي أم باطلة فيردها إلى العقل الصريح ، فما صححه منها قبله وما حكم ببطلانه رده ، فهذا أصل يجب الاعتبار به وبه يعرف الصحيح من الفاسد .

[ ص: 120 ] إذا عرف هذا فمعلوم أن السمع الذي دل العقل على صحته من السمع الذي لم يشهد له عقل ، ولهذا كان الخبر المتواتر أعرف عند العقل من الآحاد ، وما ذاك إلا لأن دلالة العقل قد قامت على أن المخبرين لا يتواطئون على الكذب ، وإن كان الذي أخبروا به مخالفا لما اعتاده المخبر وألفه وعرفه فلا نجد محيدا عن تصديقهم ، والدلالة العقلية البرهانية على صدق الرسل أضعاف الأدلة الدالة على صدق المخبرين خبر التواتر ، فإن أولئك لم يقم على صدق كل واحد منهم دليل ، ولكن اجتماعهم على الخبر دليل على صدقهم ، والرسل عليهم الصلاة والسلام قد قامت البراهين اليقينية على صدق كل فرد منهم ، فقد اتفقت كلمتهم وتواطأت أخبارهم على إثبات العلو والفوقية لله تعالى ، وأنه تعالى فوق عرشه فوق سماواته بائن من خلقه ، وأنه مكلم متكلم آمر ناه يرضى ويغضب ، ويثيب ويعاقب ويحب ويبغض ، فأفاد خبرهم العلم بالمخبر عنه أعظم من الأخبار المتواترة لمخبرها ، ويجب فإن الأخبار المتواترة مستندة إلى حس قد يغلط ، وأخبار الأنبياء مستندة إلى وحي لا يغلط ، فالقدح فيها بالعقل من جنس شبه السوفسطائية القادحة في الحس والعقل ، ولو التفتنا إلى كل شبهة يعارض بها الدليل القطعي لم يبق لنا وثوق بشيء نعلمه بحس أو عقل بهما ، يوضحه :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث