الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل هديه في الأضاحي

جزء التالي صفحة
السابق

فصل وأما هديه في الأضاحي فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع الأضحية ، وكان يضحي بكبشين ، وكان ينحرهما بعد صلاة العيد ، وأخبر أن ( من ذبح قبل الصلاة فليس من النسك في شيء ، وإنما هو لحم قدمه لأهله ) هذا الذي دلت عليه سنته وهديه لا الاعتبار بوقت الصلاة والخطبة ، بل بنفس فعلها ، وهذا هو الذي ندين الله به ( وأمرهم أن يذبحوا الجذع من الضأن والثني مما سواه ) وهي المسنة .

[ ص: 290 ] وروي عنه أنه قال : ( كل أيام التشريق ذبح ) لكن الحديث منقطع لا يثبت وصله .

وأما نهيه عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فلا يدل على أن أيام الذبح ثلاثة فقط ؛ لأن الحديث دليل على نهي الذابح أن يدخر شيئا فوق ثلاثة أيام من يوم ذبحه ، فلو أخر الذبح إلى اليوم الثالث لجاز له الادخار وقت النهي ما بينه وبين ثلاثة أيام ، والذين حددوه بالثلاث [ ص: 291 ] فهموا من نهيه عن الادخار فوق ثلاث أن أولها من يوم النحر ، قالوا : وغير جائز أن يكون الذبح مشروعا في وقت يحرم فيه الأكل ، قالوا : ثم نسخ تحريم الأكل فبقي وقت الذبح بحاله .

فيقال لهم : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه إلا عن الادخار فوق ثلاث لم ينه عن التضحية بعد ثلاث ، فأين أحدهما من الآخر ؟ ولا تلازم بين ما نهى عنه ، وبين اختصاص الذبح بثلاث لوجهين .

أحدهما : أنه يسوغ الذبح في اليوم الثاني والثالث ، فيجوز له الادخار إلى تمام الثلاث من يوم الذبح ، ولا يتم لكم الاستدلال حتى يثبت النهي عن الذبح بعد يوم النحر ، ولا سبيل لكم إلى هذا .

الثاني : أنه لو ذبح في آخر جزء من يوم النحر لساغ له حينئذ الادخار ثلاثة أيام بعده بمقتضى الحديث ، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أيام النحر يوم الأضحى ، وثلاثة أيام بعده وهو مذهب إمام أهل البصرة الحسن ، وإمام أهل مكة عطاء بن أبي رباح ، وإمام أهل الشام الأوزاعي ، وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي رحمه الله واختاره ابن المنذر ؛ ولأن الثلاثة تختص بكونها أيام منى ، وأيام الرمي وأيام التشريق ، ويحرم صيامها ، فهي إخوة في هذه الأحكام فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع . وروي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كل منى منحر ، وكل أيام التشريق ذبح ) روي من حديث جبير بن مطعم ، وفيه انقطاع ، ومن حديث أسامة بن زيد ، عن عطاء عن جابر .

[ ص: 292 ] قال يعقوب بن سفيان : أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون .

وفي هذه المسألة أربعة أقوال هذا أحدها .

والثاني : أن وقت الذبح يوم النحر ويومان بعده ، وهذا مذهب أحمد ومالك ، وأبي حنيفة رحمهم الله ، قال أحمد : هو قول غير واحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وذكره الأثرم عن ابن عمر ، وابن عباس رضي الله عنهم .

الثالث : أن وقت النحر يوم واحد ، وهو قول ابن سيرين ، لأنه اختص بهذه التسمية فدل على اختصاص حكمها به ، ولو جاز في الثلاثة لقيل لها : أيام النحر كما قيل لها : أيام الرمي وأيام منى ، وأيام التشريق ، ولأن العيد يضاف إلى النحر ، وهو يوم واحد كما يقال عيد الفطر .

الرابع : قول سعيد بن جبير ، وجابر بن زيد : إنه يوم واحد في الأمصار وثلاثة أيام في منى ؛ لأنها هناك أيام أعمال المناسك من الرمي والطواف والحلق فكانت أياما للذبح بخلاف أهل الأمصار .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث