الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم

[ ص: 140 ] ثم قال ( فاطر السماوات والأرض ) وقرئ " فاطر السماوات " بالجر صفة لله ، وبالرفع على إضمار هو ، والنصب على المدح . وقرأ الزهري : " فطر السماوات " وعن ابن عباس : ما عرفت " فاطر السماوات " حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها أي ابتدأتها . وقال ابن الأنباري : أصل الفطر شق الشيء عند ابتدائه ، فقوله : ( فاطر السماوات والأرض ) يريد خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضم الأشياء إلى بعض ، فلما كان الشق جاز أن يكون في حال شق إصلاح ، وفي حال أخرى شق إفساد . ففاطر السماوات من الإصلاح لا غير . وقوله : ( هل ترى من فطور ) [ الملك : 3 ] و ( إذا السماء انفطرت ) [ الانفطار : 1 ] من الإفساد ، وأصلهما واحد .

ثم قال تعالى : ( وهو يطعم ولا يطعم ) أي وهو الرزاق لغيره ولا يرزقه أحد .

فإن قيل : كيف فسرت الإطعام بالرزق ، وقد قال تعالى : ( ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) [ الذاريات : 57 ] والعطف يوجب المغايرة ؟

قلنا : لا شك في حصول المغايرة بينهما ، إلا أنه قد يحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر لشدة ما بينهما من المقاربة . والمقصود من الآية : أن المنافع كلها من عنده ، ولا يجوز عليه الانتفاع . وقرئ " ولا يطعم " بفتح الياء ، وروى ابن المأمون عن يعقوب : " وهو يطعم ولا يطعم " على بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل ، وعلى هذا التقدير : فالضمير عائد إلى المذكور في قوله : ( أغير الله ) وقرأ الأشهب " وهو يطعم ولا يطعم " على بنائهما للفاعل ، وفسر بأن معناه : وهو يطعم ولا يستطعم . وحكى الأزهري : أطعمت بمعنى استطعمت . ويجوز أن يكون المعنى : وهو يطعم تارة ولا يطعم أخرى على حسب المصالح كقوله : وهو يعطي ويمنع ، ويبسط ويقدر ، ويغني ويفقر .

واعلم أن المذكور في صدر الآية هو المنع من اتخاذ غير الله تعالى وليا . واحتج عليه بأنه فاطر السماوات والأرض وبأنه يطعم ولا يطعم . ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غيره وليا . أما بيان أنه فاطر السماوات والأرض ، فلأنا بينا أن ما سوى الواحد ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يقع موجودا إلا بإيجاد غيره ، فنتج أن ما سوى الله فهو حاصل بإيجاده وتكوينه . فثبت أنه سبحانه هو الفاطر لكل ما سواه من الموجودات وأما بيان أنه يطعم ولا يطعم فظاهرة ؛ لأن الإطعام عبارة عن إيصال المنافع ، وعدم الاستطعام عبارة عن عدم الانتفاع . ولما كان واجبا لذاته كان لا محالة غنيا ومتعاليا عن الانتفاع بشيء آخر . فثبت بالبرهان صحة أنه تعالى فاطر السماوات والأرض ، وصحة أنه يطعم ولا يطعم ، وإذا ثبت هذا امتنع في العقل اتخاذ غيره وليا ، لأن ما سواه محتاج في ذاته وفي جميع صفاته وفي جميع ما تحت يده . والحق سبحانه هو الغني لذاته ، الجواد لذاته . وترك الغني الجواد ، والذهاب إلى الفقير المحتاج ممنوع عنه في صريح العقل .

وإذا عرفت هذا فنقول : قد سبق في هذا الكتاب بيان أن الولي معناه الأصلي في اللغة : هو القريب . وقد ذكرنا وجوه الاشتقاقات فيه . فقوله : ( قل أغير الله أتخذ وليا ) يمنع من القرب من غير الله تعالى . فهذا يقتضي تنزيه القلب عن الالتفات إلى غير الله تعالى ، وقطع العلائق عن كل ما سوى الله تعالى .

ثم قال تعالى ( قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ) والسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق أمته في الإسلام [ ص: 141 ] لقوله : ( وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) [ الأنعام : 163 ] ولقول موسى ( سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) [ الأعراف : 143 ]

ثم قال : ( ولا تكونن من المشركين ) ومعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك . ثم إنه تعالى لما بين كون رسوله مأمورا بالإسلام ثم عقبه بكونه منهيا عن الشرك قال بعده : ( إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) والمقصود أني إن خالفته في هذا الأمر والنهي صرت مستحقا للعذاب العظيم .

فإن قيل : قوله : ( قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) يدل على أنه عليه السلام كان يخاف على نفسه من الكفر والعصيان ، ولولا أن ذلك جائز عليه لما كان خائفا .

والجواب : أن الآية لا تدل على أنه خاف على نفسه ، بل الآية تدل على أنه لو صدر عنه الكفر والمعصية فإنه يخاف . وهذا القدر لا يدل على حصول الخوف ، ومثاله قولنا : إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين ، وهذا يدل على أن الخمسة زوج ، ولا على كونها منقسمة بمتساويين والله أعلم .

وقوله تعالى : ( إني أخاف ) قرأ ابن كثير ونافع ( إني ) بفتح الياء . وقرأ أبو عمرو والباقون بالإرسال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث