الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة

ثم ذكر تعالى أن مع هذا الوعيد الشديد أقام الحجة وأزاح العلة فقال : ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : المعنى : أنا ما أنزلنا عليك القرآن إلا لتبين لهم بواسطة بيانات هذا القرآن الأشياء التي اختلفوا فيها ، والمختلفون هم أهل الملل والأهواء ، وما اختلفوا فيه ، هو الدين ، مثل التوحيد والشرك والجبر والقدر ، وإثبات المعاد ونفيه ، ومثل الأحكام ، مثل أنهم حرموا أشياء تحل كالبحيرة والسائبة وغيرهما ، وحللوا أشياء تحرم كالميتة .

المسألة الثانية : اللام في قوله : ( لتبين ) تدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض ، ونظيره آيات كثيرة منها قوله : ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس ) [ إبراهيم : 1 ] وقوله : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) [ الذاريات : 56 ] .

وجوابه : أنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل .

المسألة الثالثة : قال صاحب " الكشاف " : قوله : ( وهدى ورحمة ) معطوفان على محل قوله : ( لتبين ) إلا أنهما انتصبا على أنه مفعول لهما ، لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب ، ودخلت اللام في قوله : ( لتبين ) لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل ، وإنما ينتصب مفعولا له ما كان فعلا لذلك الفاعل .

المسألة الرابعة : قال الكلبي : وصف القرآن بكونه هدى ورحمة لقوم يؤمنون ، لا ينفي كونه كذلك في حق الكل ، كما أن قوله تعالى في أول سورة البقرة : ( هدى للمتقين ) [ البقرة : 2 ] لا ينفي كونه هدى لكل الناس ، كما ذكره في قوله : ( هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) [ البقرة : 185 ] وإنما خص المؤمنين بالذكر من حيث أنهم قبلوه فانتفعوا به ، كما في قوله : ( إنما أنت منذر من يخشاها ) [ النازعات : 45 ] لأنه إنما انتفع بإنذاره هذا القوم فقط ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث