الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها

[ ص: 9 ] ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم )

قوله تعالى : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم )

اعلم أن في هذه الآية مسائل :

المسألة الأولى : أجمع المفسرون على أنه ليس المراد من هذه الآية مجرد بيان الشرط والجزاء ، أعني مجرد بيان أن من فعل كذا ، فإن الله يفعل به كذا ، بل المراد منه بيان أن منهم من منع عمارة المساجد ، وسعى في خرابها ، ثم إن الله تعالى جازاهم بما ذكر في الآية ، إلا أنهم اختلفوا في أن الذين منعوا من عمارة المسجد وسعوا في خرابه من هم ؟ وذكروا فيه أربعة أوجه :

أولها : قال ابن عباس : أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه ، وألقى فيه الجيف ، وحاصر أهله وقتلهم ، وسبى البقية وأحرق التوراة ، ولم يزل بيت المقدس خرابا حتى بناه أهل الإسلام في زمن عمر .

وثانيها : قال الحسن وقتادة والسدي : نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس ، وبعض النصارى أعانه على ذلك بغضا لليهود .

قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : هذان الوجهان غلطان ؛ لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح - عليه السلام - بدهر طويل ، والنصارى كانوا بعد المسيح ؛ فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس ، وأيضا فإن النصارى يعتقدون في تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود وأكثر ، فكيف أعانوا على تخريبه .

وثالثها : أنها نزلت في مشركي العرب الذين منعوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الدعاء إلى الله بمكة وألجئوه إلى الهجرة ، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام ، وقد كان الصديق - رضي الله عنه - بنى مسجدا عند داره ، فمنع ، وكان ممن يؤذيه ولدان قريش ونساؤهم ، وقيل : إن قوله تعالى : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) [ الإسراء : 110 ] نزلت في ذلك ، فمنع من الجهر لئلا يؤذى ، وطرح أبو جهل العذرة على ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقيل : ومن أظلم من هؤلاء المشركين الذين يمنعون المسلمين الذين يوحدون الله ولا يشركون به شيئا ، ويصلون له تذللا وخشوعا ، ويشغلون قلوبهم بالفكر فيه ، وألسنتهم بالذكر له ، وجميع جسدهم بالتذلل لعظمته وسلطانه .

ورابعها : قال أبو مسلم : المراد منه الذين صدوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية ، واستشهد بقوله تعالى : ( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ) [ الفتح : 25 ] وبقوله : ( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام ) [ الأنفال : 34 ] وحمل قوله : ( إلا خائفين ) بما يعلي الله من يده ، ويظهر من كلمته ، كما قال في المنافقين : ( لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ) [ الأحزاب : 60 ] وعندي فيه وجه خامس ، وهو أقرب إلى رعاية النظم : وهو أن يقال : إنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود ، فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة عند توجههم إلى الكعبة ، [ ص: 10 ] ولعلهم سعوا أيضا في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها ، وسعوا أيضا في تخريب مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى القبلة ، فعابهم الله بذلك ، وبين سوء طريقتهم فيه ، وهذا التأويل أولى مما قبله ، وذلك لأن الله تعالى لم يذكر في الآيات السابقة على هذه الآية إلا قبائح أفعال اليهود والنصارى ، وذكر أيضا بعدها قبائح أفعالهم ، فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد منها قبائح أفعال المشركين في صدهم الرسول عن المسجد الحرام ، وأما حمل الآية على سعي النصارى في تخريب بيت المقدس فضعيف أيضا على ما شرحه أبو بكر الرازي ، فلم يبق إلا ما قلناه .

المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه :

فأما من حملها على النصارى وخراب بيت المقدس ، قال : تتصل بما قبلها من حيث إن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط ، فقيل لهم : كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد والسعي في خرابها هكذا .

وأما من حمله على المسجد الحرام ، وسائر المساجد ، قال : جرى ذكر مشركي العرب في قوله : ( كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ) [ البقرة : 113 ] وقيل : جرى ذكر جميع الكفار وذمهم ، فمرة وجه الذم إلى اليهود والنصارى ، ومرة إلى المشركين .

المسألة الثالثة : قوله : ( مساجد الله ) عموم ، فمنهم من قال : المراد به كل المساجد ، ومنهم من حمله على ما ذكرناه من المسجد الحرام وغيره من مساجد مكة ، وقالوا : قد كان لأبي بكر - رضي الله عنه - مسجد بمكة يدعو الله فيه ، فخربوه قبل الهجرة ، ومنهم من حمله على المسجد الحرام فقط ، وهو قول أبي مسلم حيث فسر المنع بصد الرسول عن المسجد الحرام عام الحديبية ، فإن قيل : كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد ؟ قلنا : فيه وجوه :

أحدها : هذا كمن يقول لمن آذى صالحا واحدا : ومن أظلم ممن آذى الصالحين .

وثانيها : أن المسجد موضع السجود ، فالمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مسجدا واحدا بل مساجد .

المسألة الرابعة : قوله : ( أن يذكر فيها اسمه ) في محل النصب ، واختلفوا في العامل فيه على أقوال :

الأول : أنه ثاني مفعولي " منع " لأنك تقول : منعته كذا ، ومثله : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات ) [ الإسراء : 59 ] ( وما منع الناس أن يؤمنوا ) [ الإسراء : 94 ] .

الثاني : قال الأخفش : يجوز أن يكون على حذف " من " ، كأنه قيل : منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه .

الثالث : أن يكون على البدل من " مساجد الله " .

الرابع : قال الزجاج : يجوز أن يكون على معنى : كراهة أن يذكر فيها اسمه ، والعامل فيه " منع " .

المسألة الخامسة : السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين :

أحدهما : منع المصلين والمتعبدين والمتعهدين له من دخوله ، فيكون ذلك تخريبا .

والثاني : بالهدم والتخريب ، وليس لأحد أن يقول : كيف يصح أن يتأول على بيت الله الحرام ، ولم يظهر فيه التخريب ؛ لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه يكون تخريبا له ، وقيل : إن أبا بكر - رضي الله عنه - كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر .

المسألة السادسة : ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم ، وفيه إشكال ؛ لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى : ( إن الشرك لظلم عظيم ) [ لقمان : 13 ] مع أن الشرك أعظم من هذا الفعل ، وكذا الزنا ، وقتل النفس أعظم من هذا الفعل ، والجواب عنه : أقصى ما في الباب أنه عام دخله التخصيص فلا يقدح فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث