الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها

المسألة السادسة : اعلم أن قوله تعالى : ( وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) [ البقرة : 144 و 150 ] عام في الأشخاص والأحوال ، إلا أنا أجمعنا على أن الاستقبال خارج الصلاة غير واجب ، بل إنه طاعة لقوله - عليه السلام - : " خير المجالس ما استقبل به القبلة " فبقي أن وجوب الاستقبال من خواص الصلاة ، ثم نقول : الرجل إما أن يكون معاينا للقبلة أو غائبا عنها ، أما المعاين فقد أجمعوا على أنه يجب عليه الاستقبال ، وأما الغائب فإما أن يكون قادرا على تحصيل اليقين أو لا يقدر عليه ، لكنه يقدر على تحصيل الظن ، أو لا يقدر على تحصيل اليقين ولا على تحصيل الظن فهذه أقسام ثلاثة :

القسم الأول : القادر على تحصيل العلم وفيه بحثان :

البحث الأول : قد عرفت أن الغائب عن القبلة لا سبيل له إلى تحصيل اليقين بجهة القبلة إلا بالدلائل الهندسية ، وما لا سبيل إلى أداء الواجب إلا به فهو واجب ، فيلزم من هذا أن يكون تعلم الدلائل الهندسية فرض عين على كل أحد إلا أن الفقهاء قالوا : إن تعلمها غير واجب بل ربما قالوا : إن تعلمها مكروه أو محرم ولا أدري ما عذرهم في هذا ؟

البحث الثاني : المصلي إذا كان بأرض مكة وبينه وبين الكعبة حائل ، واشتبه عليه فهل له أن يجتهد ؟ قال صاحب " التهذيب " نظر إن كان الحائل أصليا كالجبال فله الاجتهاد ، وإن لم يكن أصليا كالأبنية فعلى وجهين .

أحدهما : له الاجتهاد لأن بينه وبينها حائلا يمنع المشاهدة كما في الحائل الأصلي .

والثاني : ليس له الاجتهاد لأن فرضه الرجوع إلى اليقين ، وهو قادر على تحصيل اليقين فوجب أن لا يكتفي فيه بالظن ، وهذا الوجه هو اللائق بمساق الآية ؛ لأنها لما دلت على وجوب التوجه إلى الكعبة ، والمكلف إذا كان قادرا على تحصيل العلم لا يجوز له الاكتفاء بالظن ، فوجب عليه طلب اليقين .

القسم الثاني : القادر على تحصيل الظن دون اليقين . واعلم أن لتحصيل هذا الظن طرقا :

الطريق الأول : الاجتهاد ، وظاهر قول الشافعي - رضي الله عنه - يقتضي أن الاجتهاد يقدم على الرجوع إلى قول الغير وهو الحق ، والذي يدل عليه وجوه :

أحدها : قوله تعالى : ( فاعتبروا ياأولي الأبصار ) [ الحشر : 2 ] [ ص: 108 ] أمر بالاعتبار ، والرجل قادر على الاعتبار في هذه الصورة ، فوجب أن يتناوله الأمر .

وثانيها : أن ذلك الغير إنما وصل إلى جهة القبلة بالاجتهاد ؛ لأنه لو عرف القبلة بالتقليد أيضا لزم إما التسلسل أو الدور وهما باطلان ، فلا بد من الانتهاء آخر الأمر إلى الاجتهاد ، فيرجع حاصل الكلام إلى أن الاجتهاد أولى أم تقليد صاحب الاجتهاد ؟

ولا شك أن الأول أولى لأنه إذا أتى بالاجتهاد فلا يتطرق إليه احتمال الخطأ إلا من جهة واحدة ، فإذا قلد صاحب الاجتهاد فقد تطرق إلى عمله احتمال الخطأ من وجهين ، ولا شك أنه متى وقع التعارض بين طريقين فأقلهما خطأ أولى بالرعاية .

وثالثها : قوله - عليه السلام - : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " فهاهنا أمر بالاستقبال وهو قادر على الاجتهاد في الطلب فوجب أن يجب عليه ذلك .

فإن قيل : أليس أن صاحب " التهذيب " ذكر أنه إذا كان في قرية كبيرة فيها محاريب منصوبة إلى جهة واحدة أو وجد محرابا أو علامة للقبلة في طريق ، هي جادة للمسلمين ، يجب عليه أن يتوجه إليها ، ولا يجوز له الاجتهاد في الجهة ، قال : لأن هذه العلامات كاليقين ، أما في الانحراف يمنة أو يسرة فيجوز أن يجتهد مع هذه العلامات ، وكان عبد الله بن المبارك يقول بعد رجوعه من الحج : تياسروا يا أهل مرو وكذلك لو أخبره مسلم بأن قال : رأيت غالب المسلمين أو جماعة المسلمين اتفقوا على هذه الجهة فعليه قبوله وليس هذا بتقليد ، بل هو قبول الخبر من أهله كما في الوقت ، وهو ما إذا أخبره عدل : إني رأيت الفجر قد طلع أو الشمس قد زالت يجب قبول قوله ، هذا كله لفظ صاحب " التهذيب " ، واعلم أن هذا الكلام مشكل من وجوه :

أحدها : أنه لا معنى للتقليد إلا قبول قول الغير من غير حجة ولا شبهة ، فإذا قبلنا قول الغير أو فعله في تعيين القبلة من غير حجة ولا شبهة كان هذا تقليدا ، ونحن قد ذكرنا الدليل على أن القادر على الاجتهاد لا بد وأن يكون مأمورا بالاجتهاد .

وثانيها : أنه جوز المخالفة في اليمين واليسار بناء على الاجتهاد فنقول : هو قادر على تحصيل الظن بناء على الاجتهاد الذي يتولاه بنفسه ، فوجب أن تجوز له المخالفة كما في اليمين واليسار .

وثالثها : إما أن يكون ممنوعا من الاجتهاد ، أو من العمل بمقتضى الاجتهاد ، والأول باطل ؛ لأن معاذا لما قال : أجتهد برأيي مدحه الرسول - عليه السلام - على ذلك ، فدل على أن الاجتهاد غير ممنوع عنه ، والثاني أيضا باطل ؛ لأنه لما علم أو ظن أن القبلة ليست في الجهة التي فيها المحاريب فلو وجب عليه التوجه إلى ذلك المحراب لكان ذلك ترجيحا للتقليد على الاستدلال وأنه خطأ .

ورابعها : أن مذهب الشافعي - رضي الله عنه - أنه لا يجوز للمجتهد تقليد المجتهد ، فالقادر على تحصيل جهة القبلة بالأمارات كيف يجوز له تقليد محاريب البلاد ؟ واحتج القائلون بترجيح محاريب الأمصار على البلاد من وجوه :

الأول : أنها كالتواتر مع الاجتهاد ، فوجب رجحانه عليه .

والثاني : أن الرجل إذا رأى المؤذن فرغ من الأذان والإقامة وقد تقدم الإمام ، فهاهنا لا يحتاج إلى تعرف الوقت فكذا هاهنا .

الثالث : أن أهل البلد رضوا به ، والظاهر أنه لو كان خطأ لتنبهوا له ، ولو تنبهوا له لما رضوا به ، فهذا ما يمكن أن يقال في الجانبين .

الطريق الثاني : الرجوع إلى قول الغير ، مثل ما إذا أخبره عدل عن كون القبلة في هذه الجهة فهذا يفيد ظن أن القبلة هناك ، واتفقوا على أنه لا بد من شرطين : الإسلام والعقل ، فلا عبرة في هذا الباب بقول الكافر والمجنون ولا بعلمهما ، واختلفوا في شرائط ثلاثة .

أولها : البلوغ . حكى الخيضري نصا عن الشافعي أنه لا يقبل قول الصبي ، وحكى أبو زيد أيضا عن الشافعي أنه يقبل .

وثانيها : العدالة قالوا : لا يقبل خبر الفاسق [ ص: 109 ] لأنه كالشهادة ، وقيل : يقبل .

وثالثها : العدد ، فمنهم من اعتبره كما في الشهادة لا سيما الذين اعتبروا العدد في الرواية أيضا ، ومنهم من لم يعتبر العدد . ويتفرع على ما قلناه أحكام :

أولها : أن كل من كان الأخذ بقوله يفيد ظنا أقوى كان الأخذ بقوله مقدما على الأخذ بقول من يفيد ظنا أضعف ، مثاله أن تقليد المتيقن راجح على تقليد الظان بالاجتهاد ، وتقليد المجتهد الظان أولى من تقليد من قلد غيره وهلم جرا .

وثانيها : أنه إذا علم أن الاجتهاد لا يتم إلا بعد انقضاء الوقت ، فالأولى له تحصيل الاجتهاد حتى تصير الصلاة قضاء أو تقليد الغير حتى تبقى الصلاة أداء ، فيه تردد . وثالثها : أن من لا يعرف دلائل القبلة فله الرجوع إلى قول الغير حين الصلاة بل يجب .

الطريق الثالث : إن شاهد في دار الإسلام محرابا منصوبا جاز له التوجه إليه على التفصيل الذي تقدم ، أما إذا رأى القبلة منصوبة في طريق يقل فيه مرور الناس أو في طريق يمر فيه المسلمون والمشركون ولا يدري من نصبها أو رأى محرابا في قرية ولا يدري بناه المسلمون أو المشركون أو كانت قرية صغيرة للمسلمين لا يغلب على الظن كون أهلها مطلعين على دلائل القبلة وجب عليه الاجتهاد .

الطريق الرابع : ما يتركب من الاجتهاد وقول الغير ، وهو أن يخبره إنسان بمواقع الكواكب وكان هو عالما بالاستدلال بها على القبلة ، فهاهنا يجب عليه الاستدلال بما يسمع إذا كان عاجزا عن رؤيتها بنفسه .

القسم الثالث : الذي عجز عن تحصيل العلم والظن ، وهو الكائن في الظلمة التي خفيت الأمارات بأسرها عليه ، أو الأعمى الذي لا يجد من يخبره ، أو تعارضت الأمارات لديه وعجز عن الترجيح ، وفيه أبحاث :

البحث الأول : أن هذا الشخص يستحيل أن يكون مأمورا بالاجتهاد ؛ لأن الاجتهاد من غير دلالة ولا أمارة تكليف ما لا يطاق وهو منفي ، فلم يبق إلا أحد أمور ثلاثة : إما أن يقال التكليف بالصلاة مشروط بالاستقبال ، وتعذر الشرط يوجب سقوط التكليف بالمشروط ، فهاهنا لا تجب عليه الصلاة ، أو يقال : شرط الاستقبال قد سقط عن المكلف بعذر أقل من هذا ، وهو حال المسابقة فيسقط هاهنا أيضا ، فيجب عليه أن يأتي بالصلاة إلى أي جهة شاء ، ويسقط عنه شرط الاستقبال ، أو يقال : إنه يأتي بتلك الصلاة إلى جميع الجهات ليخرج عن العهدة بيقين ، فهذه هي الوجوه الممكنة ، أما سقوط الصلاة عنه فذلك باطل بالإجماع ، وأيضا فلأنا رأينا في الشرع في الجملة أن الصلاة صحت بدون الاستقبال كما في حال المسايفة وفي النافلة ، وأما إيجاب الصلاة إلى جميع الجهات فهو أيضا باطل لقيام الدلالة على أن الواجب عليه صلاة واحدة ، ولقائل أن يقول : أليس أن من نسي صلاة من صلوات يوم وليلة ولا يدري عينها فإنه يجب عليه قضاء تلك الصلوات بأسرها ليخرج عن العهدة باليقين ، فلم لا يجوز أن يكون الأمر هاهنا كذلك ؟ قالوا : ولما بطل القسمان تعين الثالث وهو التخيير في جميع الجهات .

البحث الثاني : أنه إذا مال قلبه إلى أن هذه الجهة أولى بأن تكون قبلة من سائر الجهات ، من غير أن يكون ذلك الترجيح مبنيا على استدلال ، بل يحصل ذلك بمجرد التشهي وميل القلب إليه فهل يعد هذا اجتهادا ، وهل المكلف مكلف بأن يعول عليه أم لا ؟ الأولى أن يكون ذلك معتبرا ؛ لقوله - عليه السلام - : " المؤمن ينظر بنور الله " ولأن سائر وجوه الترجيح لما انسدت وجب الاكتفاء بهذا القدر .

[ ص: 110 ] البحث الثالث : إذا أدى هذه الصلاة فالظاهر يقتضي أن لا يجب القضاء ؛ لأنه أدى وظيفة الوقت وقد صحت منه ، فوجب أن لا تجب عليه الإعادة ، وظاهر قول الشافعي - رضي الله عنه - أنه تجب الإعادة سواء بان صوابه أو خطؤه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث