الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم

[ ص: 153 ] قوله عز وجل ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم )

اعلم أن الكلام في تفسير لفظ الإله قد تقدم في تفسير : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) [ الفاتحة : 1 ] أما الواحد ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قال أبو علي : قولهم واحد اسم جرى على وجهين في كلامهم . أحدهما : أن يكون اسما ، والآخر أن يكون وصفا ، فالاسم الذي ليس بصفة قولهم : واحد المستعمل في العدد نحو : واحد اثنان ثلاثة ، فهذا اسم ليس بوصف كما أن سائر أسماء العدد كذلك ، وأما كونه صفة فنحو قولك : مررت برجل واحد وهذا شيء واحد فإذا أجري هذا الاسم على الحق سبحانه وتعالى ، جاز أن يكون الذي هو الوصف كالعالم والقادر ، وجاز أن يكون الذي هو الاسم كقولنا شيء ، ويقوي الأول قوله : ( وإلهكم إله واحد ) وأقول : تحقيق هذا الكلام في العقل أن الأشياء التي يصدق عليها أنها واحد مشتركة في مفهوم الوحدانية ، ومختلفة في خصوصيات ماهياتها ، أعني كونها جوهرا ، أو عرضا ، أو جسما ، أو مجردا ، ويصح أيضا فعل كل واحد منهما ، أعني ماهيته وكونه واحدا مع الذهول عن الآخر ، فإذن كون الجوهر جوهرا مثلا غير ، وكونه واحدا غير ، والمركب منهما غير ، فلفظ الواحد تارة يفيد مجرد معنى أنه واحد ، وهذا هو الاسم ، وتارة يفيد معنى أنه واحد حين ما يحصل نعتا لشيء آخر ، وهذا معنى كونه نعتا .

المسألة الثانية : الواحدية هل هي صفة زائدة على الذات أم لا ؟ اختلفوا فيها فقال قوم : إنها صفة زائدة على الذات ، واحتجوا عليه بأنا إذا قلنا ؛ هذا الجوهر واحد ، فالمفهوم من كونه جوهرا غير المفهوم من كونه واحدا ، بدليل أن الجوهر يشاركه العرض في كونه واحدا ، ولا يشاركه في كونه جوهرا ، ولأنه يصح أن يعقل كونه جوهرا حال الذهول عن كونه واحدا ، والمعلوم مغاير لغير المعلوم ، ولأنه لو كان كونه واحدا نفس كونه جوهرا ، لكان قولنا الجوهر واحد جاريا مجرى قولنا : الجوهر جوهر ، ولأن مقابل الجوهر هو العرض ، ومقابل الواحد هو الكثير ، فثبت أن المفهوم من كونه واحدا ، إما أن يكون سلبيا أو ثبوتيا لا جائز أن يكون سلبيا ؛ لأنه لو كان سلبيا لكان سلبا للكثرة ، والكثرة إما أن تكون سلبية أو ثبوتية ، فإن كانت الكثرة سلبية ، والوحدة سلب الكثرة ، كانت الوحدة سلبا للسلب وسلب السلب ثبوت ، فالوحدة ثبوتية وهو المطلوب ، وإن كانت الكثرة ثبوتية ولا معنى للكثرة إلا مجموع الوحدات ، فلو كانت الوحدة سلبية مع الكثرة كان مجموع المعدومات أمرا موجودا وهو محال ، فثبت أن الوحدة صفة زائدة ثبوتية ، ثم هذه الصفة الزائدة إما أن يقال إنه لا تحقق لها إلا في الذهن ، أو لها تحقق خارج الذهن ، والأول باطل ، وإلا لم يكن الذهني مطابقا لما في الخارج ، فيلزم أن لا يكون الشيء الواحد في نفسه واحدا وهو محال لأنا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنه واحد قد كان واحدا في نفسه قبل أن يوجد ذهنيا وفرضيا واعتباريا ، فثبت أن كون الشيء واحدا صفة ثبوتية زائدة على ذاته قائمة بتلك الذات ، واحتج من أبى كون الوحدة صفة ثبوتية بأن قال : لو كانت الوحدة صفة زائدة على الذات ، كانت الوحدات متساوية في ماهية كونها واحدة ومتباينة بتعيناتها ، فيلزم أن يكون للوحدة وحدة أخرى ، وينجر ذلك إلى ما لا نهاية له وهو محال .

[ ص: 154 ] المسألة الثالثة : الواحد هو الشيء الذي لا ينقسم من جهة ما قيل له إنه واحد ، فالإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم من حيث هو إنسان إلى إنسانين بل قد ينقسم إلى الأبعاض والأجزاء من الموجودات لا ينفك عن الوحدة حتى العدد فإن العشرة الواحدة من حيث إنها عشرة واحدة قد عرضت الوحدة لها ، فإن قلت : عشرتان فالعشرتان مرة واحدة قد عرضت الوحدة لها من هذه الجهة ، فلا شيء من الموجودات ينفك عن الوحدة ولأجل هذا اشتبه على بعضهم الوحدة بالموجود ، فظن أن كل موجود لما صدق عليه أنه واحد كان وجوده نفس وحدته ، والحق أنه ليس كذلك ؛ لأن الوجود ينقسم إلى الواحد والكثير ، والمنقسم إلى شيء مغاير لما به الانقسام .

المسألة الرابعة : الحق سبحانه وتعالى ( واحد ) باعتبارين .

أحدهما : أنه ليست ذاته مركبة من اجتماع أمور كثيرة .

والثاني : أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه واجب الوجود وفي كونه مبدأ لوجود جميع الممكنات ، فالجوهر الفرد عند من يثبته واحد بالتفسير الأول ، وليس واحد بالتفسير الثاني . والبرهان على ثبوت الوحدة بالتفسير الأول أنه لو كان مركبا لافتقر تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته واجب لغيره ، فهو مركب مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، فما لا يكون كذلك استحال أن يكون مركبا ، فإذن حقيقته سبحانه حقيقة أحدية فردية لا كثرة فيها بوجه من الوجوه ، لا كثرة مقدارية ، كما تكون للأجسام ، ولا كثرة معنوية كما تكون للنوع المتركب من الفصل والجنس أو الشخص المتركب من الماهية والتشخص إلا أنه قد صعب ذلك على أقوام ، وذلك لأنه سبحانه عالم قادر حي مريد ، فالمفهوم من هذه الصفات إما هو نفس المفهوم من ذاته ، أو ليس كذلك والأول باطل لوجوه :

أحدها : أنه يمكننا أن نتعقل ذاته مع الذهول عن كل واحد من هذه الصفات ، وإن لم يمكن ذلك فلا شك أنه يمكننا تعقل كل واحد من هذه الصفات مع الذهول عن أن نتعقل ذاته المخصوصة ، بل هذا هو الواجب عند من يقول : إن ذاته المخصوصة غير معلومة ، وصفاته معلومة والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم ، فإذن هذه الصفات أمور زائدة على الذات .

وثانيها : أن هذه الصفات لو كانت هي نفس الذات لكان قولنا في الذات : إنها عالمة أو ليست عالمة جاريا مجرى قولنا : الذات ذات أو لا ذات ، ولاستحال أن يكون ذلك في البحث يحتمل أن يقام البرهان على نفيه وإثباته ، فإن من قال : الذات ذات علم كل أحد بالضرورة صدقه ، ومن قال : الذات ليست بذات علم كل أحد بالضرورة كذبه ، ولما كان قولنا : الذات عالمة أو ليست عالمة ليس بمثابة قولنا لذات : ذات الذات ليست بذات ، علمنا أن هذه الصفات أمور زائدة على الذات .

وثالثها : أنه لو كان المرجع بهذه الصفات إلى ذاته فقط ، وذاته ليست إلا شيئا واحدا ، لكان المرجع بهذه الصفات إلى شيء واحد ، فكان ينبغي أن تكون إقامة الدلالة على كونه قادرا تغني عن إقامة الدلالة على كونه عالما ، وعلى كونه حيا ، فلما لم يكن كذلك بل افتقرنا في كل صفة إلى دليل خاص ، علمنا أنه ليس المرجع بها إلى الذات ، إذا ثبت أن هذه الصفات أمور زائدة على الذات ، فنقول : هذه الصفات إما أن تكون سلبية أو ثبوتية ، لا جائز أن تكون سلبية ؛ لأن السلب نفي محض ، والنفي المحض لا تخصص فيه ، ولأنا جعلنا كونه عالما قادرا عبارة عن نفي الجهل والعجز ، فالجهل والعجز إما أن يكون المرجع بهما إلى العدم وأنه ليس بعالم ولا قادر ، أو يكون المرجع إلى أمر ثبوتي : وهو أن الجهل عبارة عن اعتقاد غير مطابق ، والعجز عبارة عن إخلال حال القدرة ، فإن كان الأول كان العلم والقدرة عبارة عن سلب السلب ، فيكون [ ص: 155 ] ثبوتيا ، وإن كان الثاني لم يلزم من انتفاء الجهل والعجز بهذا المعنى تحقق العلم والقدرة ، فإن الجماد قد انتفى عنه الجهل والعجز بهذا المعنى مع أنه غير موصوف بالعلم والقدرة ، فثبت أن صفات الله تعالى أمور زائدة على ذاته قائمة بذاته ، والإله عبارة عن مجموع الذات والصفات ، فقد عاد القول إلى أن حقيقة الإله تعالى مركبة من أمور كثيرة ، فكيف القول فيه ؟

وإشكال آخر : وهو أنا قد دللنا على أن الوحدة صفة زائدة على الذات قائمة بالذات ، فإذا كانت حقيقة الحق واحدة ، فهناك أمور ثلاثة : تلك الحقيقة ، وتلك الواحدية ، وموصوفية تلك الحقيقة بتلك الواحدية ، فذلك ثالث ثلاثة ، فأين التوحيد ؟

وإشكال ثالث : وهو أن تلك الحقيقة هل هي موجودة وواجبة الوجود أم لا ؟ فإن كانت موجودة فهي بوجودها تشارك سائر الموجودات ، وبماهياتها تمتاز عن سائر الموجودات ، فهناك كثرة حاصلة بسبب الوجود والماهية ، وإن لم تكن موجودة فهذا إشارة إلى العدم ، وكذا القول في الوجوب ؛ فإنها إن كانت واجبة الوجود لذاتها ، فوجوب وجودها يستحيل أن يكون عين الذات ؛ لأن الوجوب صفة لانتساب الموضوع إلى المحمول بالموصوفية ، والانتساب مغاير بين الشيئين ، مغاير لكل واحد منهما من حيث هو ، فلأن تكون صفة ذلك الانتساب مغايرة لهما أولى ، وأيضا فالذات قائمة بنفسها ويستحيل أن يكون مسمى الواجب أمرا قائما بالنفس ، ولأنا نصف الذات بالوجوب ، ووصف الشيء بنفسه محال ، فثبت أنه لو وجب موجود واجب الوجود لكان وجوب وجوده زائدا على ذاته ، فهناك أمران ؛ تلك الذات مع ذلك الوجوب ومع الموصوفية بذلك الوجوب فقد عاد التثليث .

وإشكال رابع : وهو أن هذه الحقيقة البسيطة هل يمكن الإخبار عنها ، وهل يمكن التعبير عنها أم لا ؟ والأول محال ؛ لأن الإخبار إنما يكون بشيء عن شيء ، فالمخبر عنه غير المخبر به ، فهما أمران لا واحد ، وإن لم يكن التعبير عنه فهو معلوم البتة لا بالنفي ولا بالإثبات ، فهو مغفول عنه ، فهذا جملة ما في هذا المقام من السؤالات :

والجواب عن الأول : أنه سبحانه ذات موصوفة بهذه الصفات ، ولا شك أن المجموع مفتقر في تحققه إلى تحقق أجزائه ، إلا أن الذات قائمة بنفسها واجبة لذاتها ، ثم إنها بعد وجوبها بعدية بالرتبة مستلزمة لتلك النعوت والصفات ، فهذا مما لا مانع فيه عند العقل .

وأما الإشكال الثاني : وهو أن الوحدة صفة زائدة على الذات ، فإذا نظرت إليها من حيث إنها واحدة فهناك أمور ثلاثة لا أمر واحد ، فالجواب أن الذي ذكرته حق ، ولكن فرق بين النظر إليه من حيث إنه هو وبين النظر إليه من حيث إنه محكوم عليه بأنه واحد ، فإذا نظرت إليه من حيث إنه هو مع ترك الالتفات إلى أنه واحد ، فهناك تتحقق الوحدة ، وههنا حالة عجيبة ، فإن العقل ما دام يلتفت إلى الوحدة فهو بعد لم يصل إلى عالم الوحدة ، فإذا ترك الوحدة فقد وصل إلى الوحدة ، فاعتبر هذه الحالة بذهنك اللطيف لعلك تصل إلى سره ، وهذا أيضا هو الجواب عن إشكال الوجود وإشكال الوجوب .

أما الإشكال الرابع : وهو أنه هل يمكن التعبير عنه ؟ فالحق أنه لا يمكن التعبير عنه ؛ لأنك متى عبرت عنه فقد أخبرت عنه بأمر آخر ، والمخبر عنه مغاير للمخبر به لا محالة ، فليس هناك توحيد ، ولو أخبرت عنه بأنه لا [ ص: 156 ] يمكن الإخبار عنه ، فهناك ذات مع سلب خاص ، فلا يكون هناك توحيد ، فأما إذا نظرت إليه من حيث إنه هو من غير أن تخبر عنه لا بالنفي ولا بالإثبات ، فهناك تحقق الوصول إلى مبادئ عالم التوحيد ، ثم الالتفات المذكور لا يمكن التعبير عنه إلا بقوله : ( هو ) فلذلك عظم وقع هذه الكلمة عند الخائضين في بحار التوحيد ، وسنذكر شمة من حقائقها في تفسير هذه الآية بعون الله تعالى ، أما الوحدة بالمعنى الثاني ، وهي أنه ليس في الوجود شيء يشاركه في وجوب الوجود ، فإن هذه الوحدة هي الوحدة الخاصة بذات الحق سبحانه وتعالى ، وبراهين ذلك مذكورة في تفسير قوله تعالى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) [الأنبياء : 22] أما الوحدة بالتفسير الأول ، فليست من خواص ذات الحق سبحانه وتعالى ؛ لأنه لا شك في وجود موجودات ، وهذه الموجودات إما مفردات أو مركبات ، فالمركب لا بد فيه من المفردات ، فثبت أنه لا بد من إثبات المفردات في عام الممكنات ، فالواحدية بالمعنى الأول ليست من الأمور التي توحد الحق سبحانه بها ، أما الواحدية بالمعنى الثاني فالحق سبحانه وتعالى متوحد بها ومتفرد بها ، ولا يشاركه في ذلك النعت شيء سواه ، فهذه تلخيص الكلام في هذا المقام بحسب ما يليق بعقل البشر وفكره القاصر ، مع الاعتراف بأنه سبحانه منزه عن تصرفات الأفكار والأوهام ، وعلائق العقول والأفهام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث