الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار

وأما قوله تعالى : ( لآيات لقوم يعقلون ) ففيه مسائل :

[ ص: 183 ] المسألة الأولى : قوله : ( لآيات ) لفظ جمع فيحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى الكل ، أي : مجموع هذه الأشياء آيات ، ويحتمل أن يكون راجعا إلى كل واحد مما تقدم ذكره ، فكأنه تعالى بين أن في كل واحد مما ذكرنا آيات وأدلة ، وتقرير ذلك من وجوه :

أحدها : أنا بينا أن كل واحد من هذه الأمور الثمانية يدل على وجود الصانع سبحانه وتعالى من وجوه كثيرة .

وثانيها : أن كل واحد من هذه الآيات يدل على مدلولات كثيرة ، فهي من حيث إنها لم تكن موجودة ثم وجدت دلت على وجود المؤثر وعلى كونه قادرا ؛ لأنه لو كان المؤثر موجبا لدام الأثر بدوامه ، فما كان يحصل التغير ، ومن حيث إنها وقعت على وجه الإحكام والإتقان دلت على علم الصانع ، ومن حيث إن حدوثها اختص بوقت دون وقت دلت على إرادة الصانع ، ومن حيث إنها وقعت على وجه الاتساق والانتظام من غير ظهور الفساد فيها دلت على وحدانية الصانع ، على ما قال تعالى ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) [ الأنبياء : 22 ] .

وثالثها : أنها كما تدل على وجود الصانع وصفاته فكذلك تدل على وجوب طاعته وشكره علينا عند من يقول بوجوب شكر المنعم عقلا ؛ لأن كثرة النعم توجب الخلوص في الشكر .

ورابعها : أن كل واحد من هذه الدلائل الثمانية أجسام عظيمة ، فهي مركبة من الأجزاء التي لا تتجزأ ، فذلك الجزء الذي يتقاصر الحس والوهم والخيال عن إدراكه قد حصل فيه جميع هذه الدلائل ، فإن ذلك الجزء من حيث إنه حادث ، فكان حدوثه لا محالة مختصا بوقت معين ولا بد وأن يكون مختصا بصفة معينة ، مع أنه يجوز في العقل وقوعه على خلاف هذه الأمور ، وذلك يدل على الافتقار إلى الصانع الموصوف بالصفات المذكورة ، وإذا كان كل واحد من أجزاء هذه الأجسام ، ومن صفاتها شاهدا على وجود الصانع ، لا جرم ، قال : إنها آيات . وحاصل القول أن الموجود إما قديم وإما محدث ، أما القديم فهو الله سبحانه وتعالى ، وأما المحدث فكل ما عداه ، وإذا كان في كل محدث دلالة على وجود الصانع كان كل ما عداه شاهدا على وجوده مقرا بوحدانيته معترفا بلسان الحال بإلهيته ، وهذا هو المراد من قوله : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) [ الإسراء : 44 ] .

أما قوله تعالى : ( لقوم يعقلون ) فإنما خص الآيات بهم ؛ لأنهم الذين يتمكنون من النظر فيه ، والاستدلال به على ما يلزمهم من توحيد ربهم وعدله وحكمه ليقوموا بشكره ، وما يلزم من عبادته وطاعته .

واعلم أن النعم على قسمين : نعم دنيوية ونعم دينية ، وهذه الأمور الثمانية التي عدها الله تعالى نعم دنيوية في الظاهر ، فإذا تفكر العاقل فيها واستدل بها على معرفة الصانع صارت نعما دينية ، لكن الانتفاع بها من حيث إنها نعم دنيوية لا يكمل إلا عند سلامة الحواس وصحة المزاج ، فكذا الانتفاع بها من حيث إنها نعم دينية لا يكمل إلا عند سلامة العقول وانفتاح بصر الباطن فلذلك قال : ( لآيات لقوم يعقلون ) قال القاضي عبد الجبار : الآية تدل على أمور :

أحدها : أنه لو كان الحق يدرك بالتقليد واتباع الآباء والجري على الإلف والعادة لما صح ذلك .

وثانيها : لو كانت المعارف ضرورية وحاصلة بالإلهام لما صح وصف هذه الأمور بأنها آيات ؛ لأن المعلوم بالضرورة لا يحتاج في معرفته إلى الآيات .

وثالثها : أن سائر الأجسام والأعراض وإن كانت تدل على الصانع فهو تعالى خص هذه الثمانية بالذكر ؛ لأنها جامعة بين كونها دلائل وبين كونها نعما على المكلفين على أوفر حظ ونصيب ، ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع في القلوب وأشد تأثيرا في الخواطر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث