الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الاعتبار في كفارة الظهار بحالة الوجوب

جزء التالي صفحة
السابق

( 6222 ) فصل : والاعتبار في الكفارة بحالة الوجوب ، في أظهر الروايتين ، وهو ظاهر كلام الخرقي ; لأنه قال : إذا حنث وهو عبد ، فلم يكفر حتى عتق ، فعليه الصوم لا يجزئه غيره . وكذلك قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يسأل عن عبد حلف على يمين ، فحنث فيها وهو عبد ، فلم يكفر حتى عتق ، أيكفر كفارة حر أو كفارة عبد ؟ قال : يكفر كفارة عبد ; لأنه إنما يكفر ما وجب عليه يوم حنث ، لا يوم حلف . قلت له : حلف وهو عبد ، وحنث وهو حر ؟ قال : يوم حنث . واحتج فقال : افترى وهو عبد أي ثم أعتق فإنما يجلد جلد العبد . وهو أحد أقوال الشافعي .

فعلى هذه الرواية يعتبر يساره وإعساره حال وجوبها عليه ، فإن كان موسرا حال الوجوب ، استقر وجوب الرقبة عليه ، فلم يسقط بإعساره بعد ذلك . وإن كان معسرا ، ففرضه الصوم ، فإذا أيسر بعد ذلك ، لم يلزمه الانتقال إلى الرقبة . والرواية الثانية ، الاعتبار بأغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين التكفير ، فمتى وجد رقبة فيما بين الوجوب إلى حين التكفير ، لم يجزئه إلا الإعتاق . وهذا قول ثان للشافعي ; لأنه حق يجب في الذمة بوجود مال ، فاعتبر فيه أغلظ الحالين كالحج . وله قول ثالث ، أن الاعتبار بحالة الأداء . وهو قول أبي حنيفة ، ومالك ; لأنه حق له بدل من غير جنسه ، فكان الاعتبار فيه بحالة الأداء ، كالوضوء .

ولنا أن الكفارة تجب على وجه الطهارة ، فكان الاعتبار فيها بحالة الوجوب كالحد ، أو نقول : من وجب عليه الصيام في الكفارة ، لم يلزمه غيره ، كالعبد إذا أعتق ، ويفارق الوضوء ، فإنه لو تيمم ثم وجد الماء ، بطل تيممه ، وهاهنا لو صام ، ثم قدر على الرقبة ، لم يبطل صومه ، وليس الاعتبار في الوضوء بحالة الأداء ، فإن أداءه فعله ، وليس الاعتبار به ، وإنما الاعتبار بأداء الصلاة ، وهي غير الوضوء . وأما الحج فهو عبادة العمر ، وجميعه وقت لها ، فمتى قدر عليه في جزء من وقته وجب ، بخلاف مسألتنا . ثم يبطل ما ذكروه بالعبد إذا أعتق ، فإنه لا يلزمه الانتقال إلى العتق مع ما ذكروه . فإن قيل : العبد لم يكن ممن تجب عليه الرقبة ، ولا تجزئه ، فلما لم تجزئه الزيادة ، لم تلزمه بتغير الحال ، بخلاف مسألتنا .

قلنا : هذا لا أثر له . إذا ثبت هذا ، فإنه إذا أيسر ، فأحب أن ينتقل إلى الإعتاق ، جاز له ، في ظاهر كلام الخرقي ; فإنه قال : ومن [ ص: 33 ] دخل في الصوم ، ثم قدر على الهدي ، لم يكن عليه الخروج إلا أن يشاء . وهذا يدل على أنه إذا شاء فله الانتقال إليه ، ويجزئه ، إلا أن يكون الحانث عبدا ، فليس له إلا الصوم وإن عتق . وهو قول الشافعي ، على القول الذي توافقنا فيه ; وذلك لأن العتق هو الأصل ، فوجب أن يجزئه كسائر الأصول . فأما إن استمر به العجز حتى شرع في الصيام ، لم يلزمه الانتقال إلى العتق . بغير خلاف في المذهب .

وهو مذهب الشعبي ، وقتادة ، ومالك ، والأوزاعي ، والليث ، والشافعي ، وأبي ثور ، وابن المنذر . وهو أحد قولي الحسن . وذهب ابن سيرين ، وعطاء ، والنخعي ، والحكم ، وحماد ، والثوري ، وأبو عبيد ، وأصحاب الرأي ، إلى أنه يلزمه العتق ; لأنه قدر على الأصل قبل أداء فرضه بالبدل ، فلزمه العود إليه ، كالمتيمم يجد الماء قبل الصلاة ، أو في أثنائها . ولنا أنه لم يقدر على العتق قبل تلبسه بالصيام ، فلم يسقط عنه ، كما لو استمر العجز إلى بعد الفراغ ، ولا يشبه الوضوء ، فإنه لو وجد الماء بعد التيمم بطل ، وهاهنا بخلافه ، ولأنه وجد المبدل بعد الشروع في صوم البدل . فلم يلزمه الانتقال إليه ، كالمتمتع يجد الهدي بعد الشروع في صيام السبعة .

( 6223 ) فصل : إذا قلنا : الاعتبار بحالة الوجوب ، فوقته في الظهار زمن العود ، لا وقت المظاهرة ; لأن الكفارة لا تجب حتى يعود ، وقته في اليمين زمن الحنث ، لا وقت اليمين ، وفي القتل زمن الزهوق ، لا زمن الجرح ، وتقديم الكفارة قبل الوجوب تعجيل لها قبل وجوبها ، لوجود سببها ، كتعجيل الزكاة قبل الحول وبعد وجوب النصاب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث