الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني عدة المطلقة إذا كانت حرة وهي من ذوات القروء

جزء التالي صفحة
السابق

( 6306 ) الفصل الثاني : إن عدة المطلقة ، إذا كانت حرة وهي من ذوات القروء ، ثلاثة قروء . بلا خلاف بين أهل العلم ; وذلك لقول الله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } . والقرء في كلام العرب يقع على الحيض والطهر جميعا ، فهو من الأسماء المشتركة ، قال أحمد بن يحيى بن ثعلب : القروء الأوقات ، الواحد قرء ، وقد يكون حيضا وقد يكون طهرا ; لأن كل واحد منهما يأتي لوقت . قال الشاعر :

كرهت العقر عقر بني تميم إذا هبت لقاريها الرياح

يعني : لوقتها . وقال الخليل بن أحمد يقال : أقرأت المرأة : إذا دنا حيضها وأقرأت : إذا دنا طهرها ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : {دعي الصلاة أيام أقرائك . فهذا الحيض . } وقال الشاعر :

مورثة عزا وفي الحي رفعة     لما ضاع فيها من قروء نسائكا

فهذا الطهر .

واختلف أهل العلم في المراد بقوله سبحانه : { يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } . واختلفت الرواية في ذلك عن أحمد ، فروي أنها الحيض . روي ذلك عن عمر ، وعلي ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، والثوري ، والأوزاعي ، والعنبري ، وإسحاق وأبي عبيد ، وأصحاب الرأي . وروي ذلك عن أبي بكر الصديق ، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وأبي موسى ، وعبادة بن الصامت ، وأبي الدرداء . قال القاضي : الصحيح عن أحمد ، أن الأقراء الحيض .

وإليه ذهب أصحابنا ، ورجع عن قوله بالأطهار ، فقال : في رواية النيسابوري : كنت أقول : إنه الأطهار ، وأنا أذهب اليوم إلى أن الأقراء الحيض . وقال في رواية الأثرم : كنت أقول الأطهار ، ثم وقفت لقول الأكابر . والرواية الثانية عن أحمد ، أن القروء الأطهار . وهو قول زيد ، وابن عمر ، وعائشة ، وسليمان بن يسار ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، وأبان بن عثمان ، وعمر بن عبد العزيز ، والزهري ومالك ، والشافعي ، وأبي ثور . وقال أبو بكر بن عبد الرحمن : ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك . قال ابن عبد البر : رجع أحمد إلى أن القروء الأطهار ، قال في رواية الأثرم : رأيت الأحاديث عمن قال : القروء الحيض .

تختلف ، والأحاديث عمن قال : إنه أحق بها حتى تدخل في الحيضة الثالثة . أحاديثها صحاح وقوية . واحتج من قال ذلك بقول الله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } . أي في عدتهن . كقوله تعالى : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة . أي : في يوم القيامة . } وإنما أمر بالطلاق في الطهر لا في الحيض . ويدل عليه [ ص: 82 ] قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر : مره { فليراجعها حتى تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، فإن شاء طلق ، وإن شاء أمسك ، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء } . متفق عليه . وفي رواية ابن عمر : ( فطلقوهن في قبل عدتهن ) .

ولأنها عدة عن طلاق مجرد مباح ، فوجب أن يعتبر عقيب الطلاق ، وكعدة الآيسة والصغيرة ولنا قول الله تعالى : { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } . فنقلهن عند عدم الحيض إلى الاعتداد بالأشهر ، فدل ذلك على أن الأصل الحيض ، كما قال تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا } . الآية ، ولأن المعهود في لسان الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : { تدع الصلاة أيام أقرائها . } رواه أبو داود .

وقال لفاطمة بنت أبي حبيش : { انظري ، فإذا أتى قرؤك ، فلا تصلي ، وإذا مر قرؤك ، فتطهري ، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء } رواه النسائي . ولم يعهد في لسانه استعماله بمعنى الطهر في موضع ، فوجب أن يحمل كلامه على المعهود في لسانه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { طلاق الأمة طلقتان ، وقرؤها حيضتان } . رواه أبو داود ، وغيره . فإن قالوا : هذا يرويه مظاهر بن مسلم ، وهو منكر الحديث . قلنا : قد رواه عبد الله بن عيسى ، عن عطية العوفي ، عن ابن عمر ، كذلك أخرجه ابن ماجه ، في ( سننه ) ، وأبو بكر الخلال ، في ( جامعه ) ، وهو نص في عدة الأمة ، فكذلك عدة الحرة .

ولأن ظاهر قوله تعالى : { يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } . وجوب التربص ثلاثة كاملة ، ومن جعل القروء الأطهار ، لم يوجب ثلاثة ; لأنه يكتفي بطهرين وبعض الثالث ، فيخالف ظاهر النص ، ومن جعله الحيض ، أوجب ثلاثة كاملة ، فيوافق ظاهر النص ، فيكون أولى من مخالفته ، ولأن العدة استبراء ، فكانت بالحيض ، كاستبراء الأمة ، وذلك لأن الاستبراء لمعرفة براءة الرحم من الحمل ، والذي يدل عليه الحيض ، فوجب أن يكون الاستبراء به . فإن قيل : لا نسلم أن استبراء الأمة بالحيضة ، وإنما هو بالطهر الذي قبل الحيضة . كذلك قال ابن عبد البر ، وقال : قولهم : إن استبراء الأمة حيضة بإجماع .

ليس كما ظنوا ، بل جائز لها عندنا أن تنكح إذا دخلت في الحيضة ، واستيقنت أن دمها دم حيض ، كذلك قال إسماعيل بن إسحاق ليحيى بن أكثم حين دخل عليه في مناظرته إياه . قلنا : هذا يرده قول النبي صلى الله عليه وسلم : { لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة } . ولأن الاستبراء تعرف براءة الرحم ، وإنما يحصل بالحيضة ، لا بالطهر الذي قبلها ، ولأن العدة تتعلق بخروج خارج من الرحم ، فوجب أن تتعلق بالطهر ، كوضع الحمل ، يحققه أن العدة مقصودها معرفة براءة المرأة من الحمل ، فتارة تحصل بوضعه ، وتارة تحصل بما ينافيه ، وهو الحيض الذي لا يتصور وجوده معه .

فأما قوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } فيحتمل أنه أراد قبل عدتهن ، إذ لا يمكن حمله على الطلاق في العدة ، ضرورة أن الطلاق سبق العدة ، لكونه سببها ، والسبب يتقدم على الحكم ، فلا يوجد قبله ، والطلاق في الطهر تطليق قبل العدة إذا كانت الأقراء الحيض .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث