الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


قلت : فالخمر يطرح فيها السمك ، والملح ، فيصنع مربى قال : لا بأس بذلك إذا تحولت عن حال الخمر ، وأصل المسألة أن تخليل الخمر بالعلاج جائز عندنا ، ويحل تناول الخل بعد التخليل ، وعند الشافعي التخليل حرام بإلقاء شيء في الخمر من ملح ، أو خل ، ولا يحل ذلك الخل قولا واحدا ، والتخليل من غير إلقاء شيء فيه بالنقل من الظل إلى الشمس ، أو إيقاد النار بالقرب منه لا يحل عنده أيضا ، ولكن إذا تخلل ، فله قولان في إباحة تناول ذلك الخل ، واحتج في ذلك بما روي { أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن تخليل الخمر } ، وفي رواية { نهى أن تتخذ الخمر خلا } ، وفي { حديث أبي طلحة رضي الله عنه أنه كان في حجره خمور ليتامى ، فلما نزل تحريم الخمر قال ماذا أصنع بها يا رسول الله ؟ قال عليه الصلاة والسلام : أرقها قال : أفلا أخللها قال : عليه الصلاة والسلام لا } ، فقد أمره بالإراقة .

ولو كان التخلل جائزا لأرشده إلى ذلك لما فيه من الإصلاح في حق اليتامى ، فلما سأله عن التخلل نهاه عن ذلك ، فلو كان جائزا لكان الأولى أن يرخص فيه في خمور اليتامى ، وإذا ثبت بهذه الأخبار أن التخليل حرام ، فالفعل المحرم شرعا لا يكون مؤثرا في الحل كذبح الشاة في غير مذبحها ; ولأن الخمر عين محرم الانتفاع بها من كل وجه ، والتخليل تصرف فيها على قصد التمول ، فيكون حراما كالبيع ، والشراء ، وكما لو ألقى في الخمر شيئا حلوا كالسكر ، والفانيذ حتى صار حلوا ، وهذا ; لأن نجاسة العين توجب الاجتناب ، وفي التخليل اقتراب منه ، وذلك ضد المأمور به نصا في قوله عز وجل { ، فاجتنبوه } بخلاف الخمر للإراقة ، فإنه مبالغة في الاجتناب عنه ، ثم ما يلقى في الخمر نجس بملاقاة الخمر إياه ، وما يكون نجسا في نفسه لا يفيد الطهارة في غيره ، وعلى هذا الحرف تفصيل بين ما إذا ألقي فيه شيء ، وبين ما إذا لم يجعل فيه شيء ، وهذا بخلاف ما إذا تخلل بنفسه ; لأنه لم يوجد هناك تنجيس شيء بإلقائه فيه ، ولا مباشرة فعل حرام في الخمر ، فهو نظير الصيد إذا خرج من الحرم بنفسه حل اصطياده .

ولو أخرجه إنسان لم يحل ، ووجب رده إلى الحرم ومن قتل مورثه يحرم من الميراث بمباشرته فعلا حراما بخلاف ما إذا مات بنفسه ، وحقيقة المعنى فيه أن من طبع الخمر أن يتخلل بمضي الزمان ، فإذا تخللت ، فقد تحولت بطبعها ، وصارت في حكم شيء آخر ، فأما التخليل ، فليس بتقليب للعين ; لأنه ليس للعباد تقليب الطباع ، وإنما الذي إليهم إحداث المجاورة بين الأشياء ، فيكون هذا تنجيسا لما يلقى في الخمر لا تقليبا لطبع الخمر ، وهو نظير الشاب يصير شيخا بمضي الزمان ، وبتكليفه لا يصير شيخا ، فإذا لم يتبدل طبعه [ ص: 23 ] بهذا التخليل بقي صفة الخمرية فيه ، وإن كان لم يطهر كما إذا ألقي فيه شيئا من الحلاوة ، وهذا بخلاف جلد الميتة إذا دبغ ، فإن نجاسة الجلد بما اتصل به من الدسومات النجسة ، والدبغ إزالة لتلك الدسومة ، وإلى العباد الفصل ، والتمييز بين الأشياء ، فكان فعله إصلاحا من حيث إنه يميز به الطاهر من النجس ، فأما نجاسة الخمر ، فلعينها لا لغير اتصل بها ، وإنما تنعدم هذه الصفة بتحولها بطبعها ، ولا أثر للتخليل في ذلك .

وحجتنا في ذلك ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال { : أيما إهاب دبغ ، فقد طهر كالخمر يخلل ، فيحل } ، ولا يقال : قد روي كالخمر تخلل ، فحل ; لأن الروايتين كالخبرين ، فيعمل بهما ، ثم ما رويناه أقرب إلى الصحة ; لأنه شبه دبغ الجلد به ، والدبغ يكون بصنع العباد لا بطبعه ، فعرفنا أن المراد التخليل الذي يكون بصنع العباد ، والمعنى فيه : أن هذا صلاح لجوهر فاسد ، فيكون من الحكمة ، والشرع أن لا ينهى عما هو حكمة ، وبيان الوصف أن الخمر جوهر ، فاسد ، فإصلاحه بإزالة صفة الخمرية عنه ، والتخليل إزالة لصفة الخمرية ، فعرفنا أنه إصلاح له ، وهو كدبغ الجلد ، فإن عين الجلد نجس ، ولهذا لا يجوز بيعه .

ولو كانت النجاسة بما اتصل به من الدسومات لجوز بيعه كالدسومات النجسة ، ولكن الدبغ إصلاح له من حيث إنه يعصمه عن النتن ، والفساد ، فكان جائزا شرعا ، ولا معنى لما قال إن هذا إفساد في الحال لما يلقى فيه ; لأن هذا موجود في دبغ الجلد ، فإنه إفساد لما يجعل فيه من الشب ، والقرظ ، وهذا إصلاح باعتبار مآله ، والعبرة للمآل لا للحال ، فإن إلقاء البذر في الأرض يكون إتلافا للبذر في الحال ، ولكنه إصلاح باعتبار مآله ، وبهذا يتبين أن التخليل ليس بتصرف في الخمر على قصد تمول الخمر بل هو إتلاف لصفة الخمرية ، وبين تمول الخمر ، وإتلاف صفة الخمرية منافاة ، فما كان الاقتراب من العين لإتلاف صفة الخمرية إلا نظير الاقتراب منها لإراقة العين ، وذلك جائز شرعا ، ونحن نسلم أن تقليب الطباع ليس إلى العباد ، وإنما إليهم إحداث المجاورة ، ولكن إحداث المجاورة بين الخل والخمر بهذه الصفة يقوى على إتلاف صفة الخمرية بتحولها إلى طبع الحل في أسرع الأوقات ، فكان هذا أقرب إلى الجواز من الإمساك ، وإذا جاز الإمساك إلى أن يتخلل ، فالتخليل ، أولى بالجواز ، وأما إذا ألقى فيه شيئا من الحلاوة ، فذلك ليس بإتلاف لصفة الخمرية ; لأنه ليس من طبع الخمر أن يصير حلوا ، فعرفنا أن معنى الشدة ، والمرارة قائم فيه ، وإن كان لا يظهر لغلبة الحلاوة عليه ، فأما من طبع الخمر أن يصير خلا ، فيكون التخليل إتلافا لصفة الخمرية كما بينا ، يوضحه أن من وجه ، فعليه إحداث المجاورة ، ومن وجه إتلاف لصفة [ ص: 24 ] الخمرية كما قلنا ، فيوفر حظه عليهما ، فيقول لاعتبار جانب إحداث المجاورة لا يحل بإلقاء شيء من الحلاوات فيه ، ولاعتبار جانب إتلاف صفة الخمرية يحل التخليل .

فأما ما روي من النهي عن التخليل ، فالمراد أن يستعمل الخمر استعمال الخل بأن يؤتدم به ، ويصطبغ به ، وهو نظير ما روي { أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن تحليل الحرام ، وتحريم الحلال ، وأن تتخذ الدواب كراسي } ، والمراد الاستعمال { ، ولما نزل قوله تعالى { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } قال عدي بن حاتم رضي الله عنه ما عبدناهم قط قال النبي صلى الله عليه وسلم أليس كانوا يأمرون ، وينهون ، فيطيعونهم ؟ قال : نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام : هو ذاك } قد فسر الاتخاذ بالاستعمال ، وفي حديث أبي طلحة ذكر بعض الرواة ، { أفلا أخللها ؟ قال نعم } ، وإن صح ما روي ، فإنما نهى عن التخليل في الابتداء للزجر عن العادة المألوفة ، فقد كان يشق عليهم الانزجار عن العادة في شرب الخمر ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقة الخمور ، ونهى عن التخليل لذلك كما أمر بقتل الكلاب للمبالغة في الزجر عن العادة المألوفة في اقتناء الكلاب ، ثم كان لا يأمن عليهم أن يعفوا في خمور اليتامى إذ لم يبق بأيديهم شيء من الخمر ، فأمر في خمور اليتامى أيضا بالإراقة للزجر ، والواجب على الوصي المنع من إفساد مال اليتيم لا إصلاح ما فسد منه .

( ألا ترى ) أن شاة اليتيم إذا ماتت لا يجب على الوصي دبغ جلدها ، وإن كان لو فعله جاز ، فكذلك لا يجب عليه التخليل ، وإن كان لو فعله كان جائزا إذا ثبت جواز التخليل ، فكذلك جواز اتخاذ المربى من الخمر بإلقاء الملح ، والسمك فيه ; لأنه إتلاف لصفة الخمرية كما في التخليل ، والذي روي عن عمر رضي الله عنه أنه نهى عن ذلك يعارضه ما روي أن ابن عباس رضي الله عنه سئل عن ذلك ، فقال لا بأس به ، ثم تأويل حديث عمر رضي الله عنه مثل ما بينا من تأويل الحديث المرفوع أنه نهى عن ذلك على طريق السياسة للزجر ، ولا يحل للمسلم بيع الخمر ، ولا أكل ثمنها ; لأن الله تعالى سماها رجسا ، فيقضي ذلك بنجاسة العين ، وفساد المالية ، والتقويم كما في الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وقد أمر بالاجتناب عنها ، فاقتضى ذلك أن لا يجوز للمسلم الاقتراب منها على جهة التمول بحال ، وفي الحديث { أن أبا عامر كان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية من خمر كل عام ، فأهدى له في العام التي حرمت فيه ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن الله قد حرم الخمر ، فلا حاجة لي في خمرك قال : خذها ، وبعها ، وانتفع بثمنها في حاجتك ، فقال عليه الصلاة والسلام يا أبا عامر إن الذي حرم شربها حرم بيعها ، وأكل ثمنها . } { ، وسئل ابن عمر رضي الله عنه عن بيع الخمر ، وأكل ثمنها ، فقال : قاتل الله اليهود [ ص: 25 ] حرمت عليهم الشحوم ، فجملوها ، وباعوها ، وأكلوا ثمنها ، وإن الذي حرم الشرب حرم بيعها ، وأكل ثمنها ، وممن لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر بائعها ، ومشتريها . } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث