الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل )

في صدقة التطوع ، وهي المرادة عند الإطلاق غالبا ( صدقة التطوع سنة ) مؤكدة للآيات والأحاديث الكثيرة الشهيرة فيها منها الخبر الصحيح { كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس } وقد تحرم كأن علم كذا وكذا إن ظن فيما يظهر من الآخذ أنه يصرفها في معصية لا يقال : تجب للمضطر لتصريحهم بأنه لا يجب البذل له إلا بثمنه ولو في الذمة لمن لا شيء معه نعم من لا يتأهل للالتزام يمكن جريان ذلك فيه حيث لم ينو الرجوع وسيأتي في السير أنه يلزم المياسير على الكفاية نحو إطعام المحتاجين ( وتحل لغني ) للخبر الصحيح به ويكره له ، وإن لم يكفه ماله ، أو كسبه إلا يوما وليلة ، ويظهر أخذا مما مر آنفا أنه لا عبرة بكسب حرام ، أو غير لائق به أخذها ، والتعرض له إن لم يظهر الفاقة ، أو يسأل وإلا حرم عليه قبولها ، واستثنى في الإحياء من تحريم سؤال القادر على الكسب ما إذا كان مستغرق الوقت في طلب العلم ، وفيه أيضا سؤال الغني حرام بأن وجد ما يكفيه هو وممونه يومهم وليلتهم وسترتهم وآنية يحتاجون إليها ، وهل له سؤال ما يحتاج إليه بعد يوم وليلة ؟ . ينظر إن كان السؤال متيسرا عند نفاد ذلك لم يجز ، وإلا جاز أن يطلب ما يحتاج إليه لسنة . ا هـ .

ونازع الأذرعي في التحديد بالسنة وبحث جواز طلب ما يحتاج إليه إلى وقت يعلم عادة تيسر السؤال والإعطاء فيه لا يحرم على من علم غنى سائل ، أو مظهر للفاقة الدفع إليه فيما يظهر خلافا للأذرعي ؛ لأن الحرمة إنما هي لتغريره بإظهار الفاقة من لا يعطيه لو علم غناه فمن علمه ، وأعطاه لم يحصل له تغرير ، ثم رأيت بعضهم رد عليه بتصريح شرح مسلم بعدم الحرمة ، وظاهر أن سؤال ما اعتيد سؤاله بين الأصدقاء ، ونحوهم مما لا يشك في رضا باذله ، وإن علم غنى آخذه كقلم ، وسواك لا حرمة فيه لاعتياد المسامحة به ، ومن أعطي لوصف يظن به كفقر ، أو صلاح ، أو نسب بأن توفرت القرائن أنه إنما أعطي بهذا القصد ، أو صرح له المعطي بذلك ، وهو باطنا بخلافه حرم عليه الأخذ مطلقا ، ومثله ما لو كان به وصف باطنا لو اطلع عليه المعطي لم يعطه ، ويجري ذلك في الهدية أيضا على الأوجه ، ومثلها سائر عقود التبرع فيما يظهر كهبة ووصية ووقف ونذر وبحث الأذرعي ندب التنزه للفقير عن قبول صدقة التطوع إلا إن حصل للمعطي نحو تأذ ، أو قطع رحم ، وقد يعارضه الخبر الصحيح { ما أتاك من هذا المال ، وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه } إلا أن يجاب بحمل البحث على ما إذا كان في الأخذ نحو شك في الحل ، أو هتك للمروءة ، أو دناءة في التناول ، وفي شرح مسلم وغيره متى أذل نفسه ، أو ألح في السؤال ، أو آذى المسئول حرم اتفاقا أي : وإن كان محتاجا كما أفتى به ابن الصلاح وفي الإحياء متى أخذ من جوزنا له المسألة عالما بأن باعث المعطي الحياء منه ، أو من الحاضرين ولولاه لما أعطاه فهو حرام إجماعا ، ويلزمه رده . ا هـ ، وحيث حرم الأخذ لم يملك ما أخذه ؛ لأن مالكه لم يرض ببذله له وذهب الحليمي إلى حرمة السؤال بالله تعالى إن أدى إلى تضجر ، ولم يأمن أن يرده وإلى أن رد السائل صغيرة ما لم ينهره ، وإلا فكبيرة .

ا هـ ، ويحمل الأول على ما إذا آذى بذلك المسئول إيذاء لا يحتمل عادة ، والثاني على نحو مضطر مع العلم بحاله ، وإلا فعموم ما قاله غريب ، وقد أطلقوا أنه يكره سؤال مخلوق بوجه الله لخبر أبي داود { لا يسأل بوجه الله إلا الجنة } وقضيته أن السؤال بالله من غير ذكر الوجه لا كراهة فيه ، وفيه نظر إذ الوجه بمعنى الذات فتساويا إلا أن يقال : إن ذكر الوجه فيه من الفخامة ما يناسب أن لا يسأل به إلا الجنة بخلاف ما إذا حذف ، ويظهر أن سؤال المخلوق بوجه الله ما يؤدي إلى الجنة كتعليم خبر لا يكره ، وأن سؤال الله بوجهه ما يتعلق بالدنيا يكره كما دل عليه الحديث ، وقد بسطت الكلام على ذلك في شرح المشكاة

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( فصل في صدقة التطوع )

( قوله : نعم من لا يتأهل للالتزام ) وليس له ثم ولي . شرح م ر . ( قوله : يمكن إلخ ) - فيه نظر دقيق فتأمله . ( قوله : وسيأتي في السير إلخ ) راجع الفرق بين هذا ، وما ذكره في المضطر ، وقد يصور ما ذكر في المضطر المحتاج بما إذا كان الباذل من غير المياسير ، أو كان المضطر غنيا ، لكن فقد ما يتناوله ، ووجده مع غيره فلا يلزمه دفعه له مجانا فلا إشكال . ( قوله : في المتن ، وتحل لغني ) قال الزركشي في التكملة : ولظاهر الأمر أي : في خبر { ما أتاك من هذا المال ، وأنت غير مستشرف ، ولا سائل فخذه } قال ابن حزم : يجب أخذه لمن عرض عليه ، ولو غنيا ، واحتج بعضهم بقوله تعالى { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه } ، وقد يتخرج على أن الأمر بعد الحظر للإباحة ، أو لا ، واختار بعض المتأخرين وجوب الأخذ ، ثم إذا كان حلالا لا تبعة فيه تموله ، وإلا رده في مورده إن عرف مستحقه ، وإلا فهو كالمال الضائع . ا هـ ، واستدلال الزركشي بظاهر الأمر يشكل على ما ذكره الشارح من كراهة الأخذ إذ مقتضى ذلك الاستدلال عدم الكراهة بعد طلب الأخذ فليتأمل .

( قوله : أخذها ) فاعل يكره . ( قوله : أو يسأل ) ومع حرمة القبول حينئذ يملك المدفوع إليه كما أفتى به شيخنا الشهاب م ر . ( قوله : وآنية ) قال في القوت عن الإحياء : ويكفي كونهم خزفية . ا هـ . ( قوله : وهل له سؤال ما يحتاج إليه بعد يوم ، وليلة ينظر فإن كان السؤال متيسرا عند نفاد ذلك لم يجز ، وإلا جاز له أن يطلب ما يحتاج إليه لسنة انتهى ) وينبغي أن يقال : يجوز طلب ما يحتاج إليه إلى وقت يعلم بالعادة تيسر السؤال ، والإسعاف فيه ، ولا يتجاوزه أسبوعا كان ، أو شهرا ، أو سنة ، أو دون ذلك . ا هـ . ( قوله : أو مظهر إلخ ) عطف على سائل قوله : وإن لم يعلم غنى آخذه ) الوجه وإن علم غنى آخذه ، وهو كذلك في النسخ المصححة .

( فرع ) أبرأه لظنه إعساره فتبين غناه نفذت البراءة ، أو بشرط الإعسار فتبين غناه بطلت م ر . ( قوله : حرم عليه الأخذ مطلقا ) هل يملك في هذه الحالة على قياس ما يأتي عن فتوى شيخنا م ر ، أو لا ؟ ، ويفرق بأنه هنا إنما أعطي لأجل ذلك الوصف ، فيه نظر ، والثاني أوجه ما لم يوجد نقل بخلافه ، وعليه فهل يبطل الوقف ، والنذر ؟ فيه نظر ، ثم رأيت قوله الآتي : وحيث حرم الأخذ لم يملك ما أخذه إلخ فتعين الفرق لكن في بطلان ذلك عدم انعقاد الوقف ، والنذر . ( قوله : وبحث الأذرعي ندب التنزه للفقير إلخ ) صنيع القوت صريح في أن هذا في الغني . ( قوله : أو ألح في السؤال ) ظاهره ، وإن لم يؤذ المسئول . ( قوله : أي : وإن كان محتاجا ) أي : إلا أن يضطر كما هو ظاهر . ( قوله : وفي الإحياء إلخ ) كذا في شرح م ر . ( قوله : وحيث حرم الأخذ لم يملك ما أخذه ) ، وحيث حرم السؤال ملك الأخذ ما أخذه بخلاف هبة الماء في الوقت كما أفتى به شيخنا الشهاب م ر . ( قوله : وحيث حرم الأخذ إلخ ) ، وحيث أعطاه على ظن صفة ، وهو في الباطن بخلافها ، ولو علم به لم يعطه لم يملك الأخذ ما أخذه كهبة الماء في الوقت كما قاله بعض المتأخرين ، وهو ظاهر هكذا في شرح م ر ، وقضيته أنه لو أعطى غنيا يظنه فقيرا ، ولو علم غناه لم يعطه لم يملك ما أعطاه فما مر عن فتاوى شيخنا أنه حيث حرم السؤال ملك الآخذ ما أخذه ينبغي حمله على غير ذلك ، وإن لم يظهر الفاقة يملك إلا أن يكون المتصدق لو علم الحال لم يعطه . ( قوله : وذهب الحليمي إلى حرمة السؤال بالله تعالى إن أدى إلخ ) في فتاوى السيوطي في كتاب الزكاة السؤال في المسجد مكروه كراهة تنزيه ، وإعطاء السائل فيه قربة يثاب عليها ، وليس بمكروه فضلا عن أن يكون حراما هذا هو المنقول ، والذي دلت عليه الأحاديث ، ثم أطال في بيان ذلك

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث