الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله عز وجل وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة

جزء التالي صفحة
السابق

قوله - عز وجل -:

وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه

"وقفينا"؛ تشبيه؛ كأن مجيء عيسى - عليه السلام - كان في قفاء مجيء النبيين؛ وذهابهم؛ والضمير في "آثارهم"؛ للنبيين المذكورين في قوله: يحكم بها النبيون ؛ و"مصدقا"؛ حال مؤكده؛ و"التوراة"؛ بين يدي عيسى؛ لأنها جاءت قبله؛ كما أن رسول الله - صلى اللـه عليه وسلم - بين يدي الساعة؛ وقد تقدم القول في هذا المعنى في غير موضع.

و"الإنجيل"؛ اسم أعجمي ذهب به مذهب الاشتقاق؛ من "نجل"؛ إذا استخرج؛ وأظهر؛ والناس على قراءته بكسر الهمزة؛ إلا الحسن بن أبي الحسن؛ فإنه قرأ "الأنجيل"؛ بفتح الهمزة؛ وقد تقدم القول على ذلك في أول سورة "آل عمران ".

[ ص: 182 ] والهدى: الإرشاد؛ والدعاء إلى توحيد الله وإحياء أحكامه؛ والنور: ما فيه مما يستضاء به؛ و"مصدقا"؛ حال مؤكدة معطوفة على موضع الجملة التي هي: "فيه هدى"؛ فإنها جملة في موضع الحال؛ وقال مكي ؛ وغيره: "مصدقا"؛ معطوف على الأول.

قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: وفي هذا قلق من جهة اتساق المعاني؛ وقرأ الناس: "وهدى وموعظة"؛ بالنصب؛ وذلك عطف على "مصدق"؛ وقرأ الضحاك : "وهدى وموعظة"؛ بالرفع؛ وذلك متجه؛ وخص المتقون بالذكر لأنهم المقصود به في علم الله ؛ وإن كان الجميع يدعى؛ ويوعظ؛ ولكن ذلك على غير المتقين عمى وحيرة.

وقرأ أبي بن كعب : "وأن ليحكم"؛ بزيادة "أن"؛ وقرأ حمزة وحده: "وليحكم"؛ بكسر اللام؛ وفتح الميم؛ على لام "كي"؛ ونصب الفعل بها؛ والمعنى: "وآتيناه الإنجيل ليتضمن الهدى والنور والتصديق؛ ليحكم أهله بما أنزل الله فيه"؛ وقرأ باقي السبعة: "وليحكم"؛ بسكون اللام التي هي لام الأمر؛ وجزم الفعل؛ ومعنى أمره لهم بالحكم أي: "هكذا يجب عليهم"؛ وحسن عقب ذلك التوقيف على وعيد من خالف ما أنزل الله ؛ ومن القراء من يكسر لام الأمر؛ ويجزم الفعل؛ وقد تقدم نظير هذه الآية؛ وتقريره هذه الصفات لمن لم يحكم بما أنزل الله هو على جهة التأكيد؛ وأصوب ما يقال فيها أنها تعم كل مؤمن وكل كافر؛ فيجيء كل ذلك في الكافر على أتم وجوهه؛ وفي المؤمن على معنى كفر المعصية؛ وظلمها؛ وفسقها.

وأخبر تعالى بعد بنزول هذا القرآن؛ وقوله: "بالحق"؛ يحتمل أن يريد: مضمنا الحقائق من الأمور؛ فكأنه نزل بها؛ ويحتمل أن يريد أنه أنزله بأن حق ذلك؛ لا أنه وجب على الله ؛ ولكن حق في نفسه؛ وأنزله تعالى صلاحا لعباده؛ وقوله: "من الكتاب"؛ يريد من الكتب المنزلة؛ فهو اسم جنس؛ واختلفت عبارة المفسرين في معنى "مهيمنا"؛ فقال ابن عباس : "ومهيمنا": شاهدا؛ وقال أيضا: مؤتمنا؛ وقال ابن زيد : معناه: مصدقا؛ وقال الحسن بن أبي الحسن: أمينا؛ وحكى الزجاج : قريبا؛ ولفظة المهيمن أخص من هذه الألفاظ؛ لأن المهيمن على الشيء هو المعني بأمره؛ [ ص: 183 ] الشاهد على حقائقه؛ الحافظ لحاصله؛ فلا يدخل فيه ما ليس منه؛ والله - تبارك وتعالى- هو المهيمن على مخلوقاته؛ وعباده؛ والوصي مهيمن على محجوريه؛ وأموالهم؛ والرئيس مهيمن على رعيته؛ وأحوالهم؛ والقرآن جعله مهيمنا على الكتب؛ يشهد بما فيها من الحقائق؛ وعلى ما نسبه المحرفون إليها؛ فيصحح الحقائق؛ ويبطل التحريف؛ وهذا هو شاهد ومصدق ومؤتمن وأمين؛ ومهيمن؛ بناء اسم فاعل؛ قال أبو عبيدة : ولم يجئ في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعة أحرف؛ وهي: "مسيطر"؛ و"مبيطر"؛ و"مهيمن"؛ و"مجيمر"؛ وذكر أبو القاسم الزجاج - في شرحه لصدر "أدب الكتاب" - و"مبيقر"؛ يقال: "بيقر الرجل"؛ إذا سار من الحجاز إلى الشام؛ ومن أفق إلى أفق؛ و"بيقر"؛ أيضا: لعب البيقرى؛ وهي لعبة يلعب بها الصبيان؛ وقال مجاهد : قوله تعالى: "ومهيمنا عليه"؛ يعني محمدا - صلى اللـه عليه وسلم -؛ هو مؤتمن على القرآن.

قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: وغلط الطبري - رحمه الله - في هذه اللفظة على مجاهد ؛ فإنه فسر تأويله على قراءة الناس: "ومهيمنا"؛ بكسر الميم الثانية؛ فبعد التأويل؛ ومجاهد - رحمه الله - إنما يقرأ هو وابن محيصن: "مهيمنا عليه"؛ بفتح الميم الثانية؛ فهو بناء اسم المفعول؛ وهو حال من الكتاب؛ معطوفة على قوله: "مصدقا"؛ وعلى هذا يتجه أن المؤتمن عليه هو محمد - صلى اللـه عليه وسلم -؛ و"عليه"؛ في موضع رفع؛ على تقدير أنها مفعول لم يسم فاعله؛ هذا على قراءة مجاهد ؛ وكذلك مشى مكي - رحمه الله - وتوغل في طريق الطبري في هذا الموضع؛ قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد - رحمه الله -: "مهيمن" أصله: "مؤيمن" - من بني أمين -؛ أبدلت همزته هاء؛ كما قالوا: "أرقت الماء"؛ و"هرقته"؛ قال الزجاج : وهذا حسن على طريق العربية؛ وهو موافق لما جاء في التفسير؛ من أن معنى "مهيمن": "مؤتمن"؛ وحكى ابن قتيبة هذا الذي قال المبرد في بعض كتبه؛ فحكى النقاش أن ذلك بلغ ثعلبا؛ فقال: "إن ما قال ابن قتيبة رديء"؛ وقال: "هذا باطل؛ والوثوب على القرآن شديد؛ وهو ما سمع الحديث من قوي؛ ولا ضعيف؛ وإنما جمع الكتب"؛ انتهى كلام ثعلب.

قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: ويقال من "مهيمن": "هيمن الرجل على الشيء"؛ إذا حفظه؛ وحاطه؛ وصار قائما عليه [ ص: 184 ] أمينا؛ ويحتمل أن يكون "مصدقا"؛ و"ومهيمنا"؛ حالين من الكاف في "إليك"؛ ولا يخص ذلك قراءة مجاهد وحده؛ كما زعم مكي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث