الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله عز وجل وترى الشمس إذا طلعت تتزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال

جزء التالي صفحة
السابق

قوله عز وجل:

وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا

بين هاتين الآيتين اقتضاب يبينه ما تقدم من الآيات، وتقديره: فآووا وضرب الله على آذانهم، ومكثوا كذلك.

وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو : "تزاور" بتشديد الزاي وإدغام التاء، وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي : "تزاور" بتخفيفها، بتقدير: تتزاور، فحذفت إحدى التاءين، وقرأ ابن عامر ، وابن أبي إسحاق ، وقتادة : (تزور) في وزن تحمر، وقرأ الجحدري ، وأبو رجاء : "تزوار" بألف بعد الواو. ومعنى اللفظة على كل هذا التصريف: تعدل وتروغ وتميل، وهذه عبارات المفسرين، أما إن الأخفش قال: [ ص: 578 ] "تزور" معناه: تنقبض، والزور: الميل، والأزور في العين: المائل النظر إلى ناحية، ويستعمل في غير العين، كقول ابن أبي ربيعة:


وجنبي خيفة القوم أزور



ومن اللفظة قول عنترة:


فازور من وقع القنا بلبانه



ومنه قول بشر بن أبي حازم:


تؤم بها الحداة مياه نخل ...     وفيها عن أبانين ازورار



[ ص: 579 ] وفي حديث غزوة مؤتة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري جعفر وزيد بن حارثة.

وقرأ الجمهور: "تقرضهم" بالتاء، وقرأت فرقة: "يقرضهم" بالياء، أي الكهف، كأنه من القرض وهو القطع، أي: يقتطعهم الكهف بظله من ضوء الشمس. وجمهور من قرأ بالتاء فالمعنى أنهم كانوا لا تصيبهم شمس البتة، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، فيتأولون "تقرضهم" بمعنى: تتركهم، أي: كأنها عنده تقطع كل ما لا تناله عن نفسها، وفرقة ممن قرأ بالتاء تأولت أنها كانت بالعشي تنالهم فكأنها "تقرضهم"، أي تقتطعهم مما لا تناله، وقالوا: كان في مسها لهم بالعشي صلاح لأجسامهم. وحكى الطبري أن العرب تقول: قرضت موضع كذا، أي قطعته، ومنه قول ذي الرمة:


إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف ...     شمالا وعن أيمانهن الفوارس



ومنه: أقرضني درهما، أي: اقطعه لي من مالك. وهذه الصفة مع الشمس تقتضي أنه كان لهم حاجب من جهة الجنوب، وحاجب من جهة الدبور، وهم في زاويته. وحكى الزجاج وغيره قال: كان باب الكهف ينظر إلى بنات نعش، وقاله عبد الله بن مسلم، وهذا نحو ما قلناه، غير أن الكهف كان مستور الأعلى من المطر. وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من الله تعالى دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك.

وقوله تعالى: ذات اليمين وذات الشمال يحتمل أن يريد: ذات يمين الكهف، بأن تقدر باب الكهف بمثابة وجه إنسان، فإن الشمس تجيء منه أول النهار عن [ ص: 580 ] يمين وآخره عن شمال، ويحتمل أن يريد: ذات يمين الشمس وذات شمالها، بأن نقدر الشعاع الممتد منها إلى الكهف بمثابة وجه الإنسان. والوجه الأول أوضح.

و"الفجوة": المتسع، وجمعها فجاء، قال قتادة : في فضاء منه، ومنه الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص. وقال ابن جبير : في فجوة منه : في مكان داخل.

وقوله تعالى: ذلك من آيات الله الإشارة إلى الأمر بجملته، وعلى قول الزجاج "إن الشمس كانت تزاور وتقرض دون حجاب" تكون الإشارة إلى هذا المعنى خاصة. ثم تابع بتعظيم الله عز وجل والتسليم له وما يقتضي صرف الآمال إليه.

وقوله تعالى: وتحسبهم أيقاظا وهم رقود الآية. صفة حال قد نقضت، وجاءت أفعالها مستقبلة تجوزا واتساعا.

و"أيقاظا" جمع يقظ، كعضد وأعضاد، وهو المنتبه. قال أهل التفسير: كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون، فلذلك كان الرائي يحسبهم أيقاظا.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

ويحتمل أن يحسب الرائي ذلك لشدة الحفظ الذي كان عليهم، وقلة التغير، وذلك أن الغالب على النوام أن يكون لهم استرخاء وهيئات تقتضي النوم، ورب نائم على أحوال لم تتغير عن حالة اليقظة، فيحسبه الرائي يقظانا وإن كان مسدود العين، ولو صح فتح أعينهم بسند يقطع العذر كان أبين في أن يحسب عليهم التيقظ.

وقرأ الجمهور: "ونقلبهم" بنون العظمة، وقرأ الحسن : "وتقلبهم" بالتاء المفتوحة وضم اللام والباء، وهو مصدر مرتفع بالابتداء، قاله أبو حاتم . وحكى ابن جني القراءة عن الحسن بفتح التاء وضم اللام وفتح الباء، وقال: هذا نصب بفعل مقدر، كأنه قال: وترى، أو تشاهد تقلبهم.

[ ص: 581 ] قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وأبو حاتم أثبت.

ورأت فرقة أن التقلب هو الذي من أجله كان الرائي يحسبهم أيقاظا.

وهذا -وإن كان التقلب لمن صادف رؤيته دليلا على ذلك- فإن ألفاظ الآية لم تسقه إلا خبرا مستأنفا، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان هذا التقليب مرتين في السنة، وقالت فرقة: كل سنة مرة، وقالت فرقة: كل سبع سنين مرة، وقالت فرقة: إنما قلبوا في التسع الأواخر، وأما في الثلاثمائة فلا. وذكر بعض المفسرين أن تقلبهم إنما كان حفظا من الأرض، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لو مستهم الشمس لأحرقتهم، ولولا التقليب لأكلتهم الأرض.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وآية الله تعالى في نومهم هذه المدة الطويلة وحياتهم دون تغذ أذهب في الغرابة من حفظهم مع مس الشمس ولزوم الأرض، ولكنها روايات تختلف وتتأمل بعد، وظاهر كلام المفسرين أن التقلب كان بأمر الله تعالى وفعل ملائكته. ويحتمل أن يكون ذلك بإقدار الله إياهم على ذلك وهم في غمرة النوم لا ينتبهون كما يعتري كثيرا من النوام; لأن القوم لم يكونوا موتى.

وقوله تعالى: "وكلبهم". أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقة، كان لصيد أحدهم فيما روي، وقيل: كان لراع مروا عليه فصحبهم وتبعه الكلب.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وحدثني أبي رضي الله عنه قال: سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله تعالى في محكم تنزيله. وقيل: كان أنمر، [ ص: 582 ] وقيل: كان أحمر، وقالت فرقة: كان رجلا طباخا لهم، حكاه الطبري ولم يسم قائله، وقالت فرقة: كان أحدهم، وكان قعد عند باب الغار طليعة لهم.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

فسمي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع من الناس، كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا لأنه منها كالكلب من الإنسان، ويقال له: كلب الجبار. أما أن هذا القول يضعفه ذكر بسط الذراعين فإنهما في العرف من صفة الكلب حقيقة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا يبسط أحدكم ذراعيه في السجود انبساط الكلب"، وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت أنه قرئ: "وكالبهم باسط ذراعيه"، فيحتمل أن يريد بـ "الكالب" هذا الرجل، على ما روي; إذ بسط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الربيئة، المستخفي بنفسه، ويحتمل أن يريد بـ "الكالب" الكلب، وقوله تعالى: باسط ذراعيه أعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضي لأنها حكاية، ولم يقصد الإخبار عن فعل الكلب.

و "الوصيد": العتبة التي لباب الكهف، أو موضعها حيث ليست، وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وابن جبير : الوصيد: الفناء. وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- أيضا: الوصيد: الباب، وقال ابن جبير أيضا: الوصيد: التراب، والقول الأول أصح، والباب الموصد هو المغلق، أي: قد وقف على وصيده.

ثم ذكر الله تعالى ما حفهم من الرعب واكتنفهم من الهيبة، وقرأ: "لو اطلعت" بكسر الواو جمهور القراء، وقرأ الأعمش ، وابن وثاب : "لو اطلعت" بضمها، وقد ذكر ذلك عن نافع ، وشيبة ، وأبي جعفر ، وقرأ ابن كثير ، ونافع وابن عباس رضي الله عنهما وأهل مكة والمدينة: "لملئت" بشد اللام على تضعيف المبالغة، أي: ملئت ثم [ ص: 583 ] ملئت، وقرأ الباقون: "لملئت" بتخفيف اللام، والتخفيف أشهر في اللغة، وقد جاء التثقيل في قول المخبل السعدي:


وإذ فتك النعمان بالناس محرما ...     فملئ من كعب بن عوف سلاسله



وقالت فرقة: إنما حفهم هذا الرعب لطول شعورهم وأظفارهم، ذكره المهدوي والزجاج ، وهذا قول بعيد، ولو كانت حالهم هكذا، لم يقولوا: لبثنا يوما أو بعض يوم ، وإنما الصحيح في أمرهم، أن الله عز وجل حفظ لهم الحالة التي قاموا عليها لتكون لهم ولغيرهم فيهم آية، فلم يبل لهم ثوب، ولا تغيرت صفة، ولا أنكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهم، ولروي ذلك.

وقرأ الجمهور: "رعبا" بسكون العين، وقرأ "رعبا" بضمها أبو جعفر وعيسى، قال أبو حاتم : هما لغتان.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث