الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله عز وجل ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا

جزء التالي صفحة
السابق

قوله عز وجل:

ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا

قال قتادة ، ومطر الوراق، وغيرهما: ولبثوا في كهفهم الآية حكاية عن بني إسرائيل أنهم قالوا ذلك، واحتجا بأن قراءة عبد الله بن مسعود وفي مصحفه: "وقالوا لبثوا في كهفهم"، وذلك عند قتادة -على غير قراءة عبد الله- عطف على سيقولون ثلاثة ، ذكره الزهراوي

[ ص: 593 ] ثم أمر الله تعالى نبيه صلي الله عليه وسلم بأن يرد العلم إليه ردا على مقالهم وتفنيدا لهم، قال الطبري : "وقال بعضهم: لو كان ذلك خبرا من الله، لم يكن لقوله: قل الله أعلم بما لبثوا وجه مفهوم".

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

أين ذهب بهذا القائل؟ وما الوجه المفهوم البارع إلا أن تكون الآية خبرا عن لبثهم، ثم قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم قل الله أعلم بما لبثوا بخبره، هذا هو الحق من عالم الغيب، فليزل اختلافكم أيها المتخرصون.

وقال المحققون: بل قوله تعالى: ولبثوا في كهفهم الآية خبر من الله تعالى عن مدة لبثهم، ثم اختلف في معنى قوله بعد الإخبار: قل الله أعلم بما لبثوا -فقال الطبري : إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار عليهم إلى مدة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وأخبر الله تعالى نبيه أن هذه المدة في كونهم نياما، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر، فأمره الله تعالى أن يرد علم ذلك إليه.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

فقوله تعالى -على هذا التأويل-: "لبثوا" الأول يريد: في نوم الكهف، و"لبثوا" الثاني يريد: بعد الإعثار موتى إلى مدة محمد صلي الله عليه وسلم، أو إلى وقت عدمهم بالبلى، على الاختلاف الذي سنذكره بعد. وقال بعضهم: إنه لما قال: وازدادوا تسعا لم تدر الناس أهي ساعات أم أيام أم جمع أم شهور أم أعوام، واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك، فأمره الله تعالى برد العلم إليه، يريد: في التسع، فهي -على هذا- مبهمة.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وظاهر كلام العرب والمفهوم منه أنها أعوام، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف بعد عيسى عليه السلام بيسير، وقد بقيت من الحواريين بقية. وحكى النقاش ما معناه أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأمم، فلما كان الإخبار هنا للنبي العربي صلى الله عليه وسلم ذكرت التسع; إذ المفهوم عنده من السنين القمرية، فهذه الزيادة هي ما بين الحسابين.

[ ص: 594 ] وقرأ الجمهور: "ثلاث مائة سنين" بتنوين "مائة" ونصب "سنين" على البدل من "ثلاثمائة"، أوعطف البيان، وقيل: على التفسير والتمييز، وقرأ حمزة ، والكسائي ، ويحيى، وطلحة، والأعمش بإضافة "مائة" إلى "السنين" وترك التنوين، وكأنهم جعلوا "سنين" بمنزلة "سنة"; إذ المعنى بهما واحد. قال أبو علي : إذ هذه الأعداد التي تضاف في الشهور إلى الآحاد نحو ثلاثمائة رجل أو ثوب قد تضاف إلى الجموع، وانحى أبو حاتم على هذه القراءة، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: "ثلاثمائة سنة"، وقرأ الضحاك : "ثلاثمائة سنون"، بالواو. وقرأ أبو عمرو بخلاف-: "تسعا" بفتح التاء، وقرأ الجمهور: "تسعا" بكسر التاء.

وقوله تعالى: أبصر به وأسمع ، أي: ما أبصره وأسمعه، قال قتادة : لا أحد أبصر من الله تعالى ولا أسمع.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وهذه عبارات عن الإدراك، ويحتمل أن يكون المعنى: أبصر به أي: بوحيه وإرشاده، هداك وحججك والحق من الأمور، وأسمع به العالم، فتكونان أمرين لا على وجه التعجب. وقوله تعالى: ما لهم من دونه من ولي يحتمل أن يعود الضمير في "لهم" على أصحاب الكهف، أي: هذه قدرته وحده، لم يوالهم غيره بتلطف لهم، ولا اشترك معه أحد في هذا الحكم. ويحتمل أن يعود الضمير في "لهم" على معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار ومشاقيه، وتكون الآية اعتراضا بتهديد.

وقرأ الجمهور: "ولا يشرك في حكمه أحدا" بالياء من تحت، على معنى الخبر عن الله تبارك وتعالى، وقرأ ابن عامر ، والحسن ، وأبو رجاء ، وقتادة ، والجحدري : "ولا تشرك" بالتاء من فوق، على جهة النهي للنبي صلى الله عليه وسلم، ويكون قوله: "ولا تشرك" عطفا على قوله سبحانه: أبصر به وأسمع . وقرأ مجاهد : "ولا يشرك" بالياء من [ ص: 595 ] تحت وبالجزم، قال يعقوب: لا أعرف وجهه.

وحكى الطبري عن الضحاك بن مزاحم أنه قال: نزلت هذه الآية: ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة فقط، قال الناس: أهي أشهر أم أيام أم أعوام؟ فنزلت سنين وازدادوا تسعا .

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وأما هل دام أهل الكهف وبقيت أشخاصهم محفوظة بعد الموت؟ فاختلفت الروايات في ذلك -فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه مر بالشام في بعض غزواته مع ناس على موضع الكهف وجبله، فمشى الناس إليه فوجدوا عظاما، فقالوا: هذه عظام أصحاب الكهف، فقال لهم ابن عباس رضي الله عنهما: لا، أولئك قوم فنوا وعدموا منذ مدة طويلة فسمعه راهب فقال: ما كنت أحسب أن أحدا من العرب يعرف هذا، فقيل له: هذا ابن عم نبينا صلي الله عليه وسلم. وقالت فرقة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليحجن عيسى بن مريم ومعه أصحاب الكهف فإنهم لم يحجوا بعد.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وبالشام -على ما سمعت من ناس كثير- كهف كان فيه موتى يزعم مجاوروه أنهم أصحاب الكهف، وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم، ومعهم كلب رمة، وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة، وأكثرهم قد انجرد لحمه، وبعضهم متماسك، وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم إثارة، ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، دخلت إليهم فرأيتهم سنة أربع وخمسمائة، وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم مما يلي القبلة، وآثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة دقنيوس، وجدنا في آثارها غرائب في قبور ونحوها.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وإنما استسهلت ذكر هذا مع بعده لأنه عجب يتخلد ذكره ما شاء الله عز وجل.

وقوله تعالى: واتل ما أوحي إليك الآية. من قرأ: "ولا تشرك" بالنهي عطف قوله: "واتل" عليه، ومن قرأ: "ولا يشرك" جعل هذا أمرا بدئ به كلام آخر ليس من [ ص: 596 ] الأول، وكأن هذه الآية في معنى العتاب للنبي صلي الله عليه وسلم، عقب العتاب الذي كان على تركه الاستثناء، كأنه يقول: هذه أجوبة الأسئلة، فاتل وحي الله إليك، أي: اتبع في أعمالك، وقيل: اسرد بتلاوتك ما أوحي إليك من كتاب ربك، لا نقص في قوله، ولا مبدل لكلماته، وليس لك سواه جانب تميل إليه وتستند.

و "الملتحد": الجانب الذي يمال إليه، ومنه اللحد، كأنه الميل في أحد شقي القبر، ومنه: الإلحاد في الحق، وهو الميل عن الحق، ولا يفسد قوله: لا مبدل لكلماته أمر النسخ; لأن المعنى إما أن يكون: لا مبدل سواه فتبقى الكلمات على الإطلاق، وإما أن يكون أراد من "الكلمات" الخبر ونحوه مما لا يدخله النسخ، والإجماع أن الذي لا يتبدل هو الكلام القائم بالذات الذي بحسبه يجري القدر، فأما الكتب المنزلة فمذهب ابن عباس رضي الله عنهما أنها لا تبدل إلا بالتأويل، ومن العلماء من يقول: إن بني إسرائيل بدلوا ألفاظ التوراة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث