الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الحج عن الغير

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال ( ومن أمره رجلان بأن يحج عن كل واحد منهما حجة فأهل بحجة عنهما فهي عن الحاج ويضمن النفقة ) [ ص: 150 ] لأن الحج يقع عن الآمر حتى لا يخرج الحاج عن حجة الإسلام ، وكل واحد منهما أمره أن يخلص الحج له من غير اشتراك ، ولا يمكن إيقاعه عن أحدهما لعدم الأولوية فيقع عن المأمور ، ولا يمكنه أن يجعله عن أحدهما بعد ذلك ، بخلاف ما إذا حج عن أبويه فإن له أن يجعله عن أيهما شاء لأنه متبرع بجعل ثواب عمله لأحدهما أو لهما فيبقى على خياره بعد وقوعه سببا لثوابه ، وهنا يفعل بحكم الآمر ، وقد خالف أمرهما فيقع عنه .

ويضمن النفقة إن أنفق من مالهما لأنه صرف نفقة الآمر إلى حج نفسه ، [ ص: 151 ] وإن أبهم الإحرام بأن نوى عن أحدهما غير عين ، فإن مضى على ذلك صار مخالفا لعدم الأولوية ، وإن عين أحدهما قبل المضي فكذلك عند أبي يوسف رحمه الله ، وهو القياس لأنه مأمور بالتعيين ، والإبهام يخالفه فيقع عن نفسه ، بخلاف ما إذا لم يعين حجة أو عمرة حيث كان له أن يعين ما شاء لأن الملتزم هناك مجهول وهاهنا المجهول من له الحق .

وجه الاستحسان أن الإحرام شرع وسيلة إلى الأفعال لا مقصودا بنفسه . والمبهم يصلح وسيلة بواسطة التعيين فاكتفى به شرطا ، بخلاف ما إذا أدى الأفعال على الإبهام لأن المؤدى لا يحتمل التعيين فصار مخالفا

التالي السابق


ولنرجع إلى الشرح ( قوله ومن أمره رجلان إلخ ) صور الإبهام هنا أربعة : أن يهل بحجة عنهما ، أو عن أحدهما على الإبهام . أو يهل بحجة من غير تعيين للمحجوج عنه ، أو يحرم عن أحدهما بعينه بلا تعيين لما أحرم به . ففي الأولى قال هي عن الحاج ويضمن النفقة . وفي الثانية قال إن مضى على ذلك إلخ . وحاصله أنه ما لم يشرع في الأعمال فالأمر موقوف لم ينصرف الإحرام إلى نفسه ولا إلى واحد من الآمرين ، فإن عين أحدهما قبل الوقوف انصرف إليه وإلا انصرف إلى نفسه وضمن النفقة . وفي الثالثة قال في الكافي : لا نص فيه ، وينبغي أن [ ص: 150 ] يصح التعيين هنا إجماعا لعدم المخالفة . وفي الرابعة يجوز بلا خلاف . ومبنى الأجوبة على أنه إذا وقع عن نفس المأمور لا يتحول بعد ذلك إلى الآمر ، وأنه بعدما صرف نفقة الآمر إلى نفسه ذاهبا إلى الوجه الذي أخذ النفقة له لا ينصرف الإحرام إلى نفسه إلا إذا تحققت المخالفة أو عجز شرعا عن التعيين . إذا عرفنا هذا فلا إشكال في تحقق المخالفة إذا أحرم بحجة واحدة عنهما وهو غني عن الإطناب .

وما يتخايل من جعل الحجة الواحدة عن أبويه مضمحل بأن الكلام فيما إذا كان مأمورا بفعل بحكم الآمر على وزانه لا فيما إذا حج متبرعا فلا يتحقق الخلاف في تركه تعيين أحدهما في الابتداء فيحتمل التعيين في الانتهاء لأن حقيقته جعل الثواب ونقول : لو أمره كل [ ص: 151 ] من الأبوين أن يحج عنه حجة الإسلام فأحرم بها عنهما كان الجواب كالجواب المذكور في الأجنبيين ، فلا إشكال أن مخالفة كل منهما فيما إذا أحرم بحجة عن أحدهما لم تتحقق بمجرد ذلك لأن كلا منهما أمره بحجة وأحدهما صالح لكل منهما صادق عليه ، ولا منافاة بين العام والخاص ، ولا يمكن أن تصير للمأمور لأنه نص على إخراجها عن نفسه بجعلها لأحد الآمرين فلا تنصرف إليه إلا إذا وجد أحد الأمرين اللذين ذكرناهما ولم يتحقق بعد لأن معه مكنة التعيين ما لم يشرع في الأعمال ، بخلاف ما إذا لم يعين حتى شرع وطاف ولو شوطا لأن الأعمال لا تقع لغير معين فتقع عنه ثم ليس في وسعه أن يحولها إلى غيره . وإنما جعل له الشرع ذلك في الثواب ولولا السمع لم يحكم به في الثواب أيضا . ولا خفاء في أن إحرامه بحجة بلا زيادة ليس فيه مخالفة أحد ولا تعذر التعيين ولا يقع عن نفسه لما قدمناه .

وأما الرابع فأظهر من الكل . ولو أمره رجل بحجة فأهل بحجتين إحداهما عن نفسه والأخرى عن الآمر فهو مخالف لتضمن الإذن بالحج مع كون نفقة السفر هي المحققة للصحة إفراد السفر للآمر ، فلو رفض التي عن نفسه جازت الباقية عن الآمر كأنه أحرم بها وحدها ابتداء ، إذ لا إخلال في ذلك المقصود بالرفض . والحاج عن غيره إن شاء قال لبيك عن فلان وإن شاء اكتفى بالنية عنه . والأفضل أن يكون قد حج عن نفسه حجة الإسلام خروجا من الخلاف ، وسنقرره إن شاء الله تعالى .

ويجوز إحجاج الحر والعبد والأمة والحرة . وفي الأصل نص على كراهة المرأة . في المبسوط : فإن أحج امرأته جاز مع الكراهة لأن حج المرأة أنقص فإنه ليس عليها رمل ولا سعي في بطن الوادي ولا رفع صوت التلبية ولا الحلق ا هـ .

والأفضل إحجاج الحر العالم بالمناسك الذي حج عن نفسه حجة الإسلام . وذكر في البدائع كراهة إحجاج الصرورة لأنه تارك فرض الحج والعبد لأنه ليس أهلا لأداء الفرض عن نفسه فيكره عن غيره ، وليس للمأمور أن يأمر غيره بما أمر به عن الآمر وإن مرض في الطريق إلا أن يكون وقت الدفع قيل له اصنع ما شئت فحينئذ يكون له أن يأمر غيره به وإن كان صحيحا ، وفيه لو أحج رجلا يحج ثم يقيم بمكة جاز لأن الفرض صار مؤدى ، والأفضل أن يحج ثم يعود إليه ( قوله بخلاف ما إذا لم يعين حجة أو عمرة ) هذه هي الصورة الرابعة فيما ذكرناه من صور الإبهام توهمها واردة عليه فدفع الإيراد بالفرق لأن الملتزم فيها مجهول دون الملتزم له وما نحن فيه قلبه .

وجهالة الملتزم لا تمنع لما عرف في الإقرار بمجهول لمعلوم [ ص: 152 ] حيث يصح ويلزمه البيان ، بخلافه بمعلوم لمجهول فإنه لا يصح أصلا

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث