الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

اللحد أفضل من الشق

جزء التالي صفحة
السابق

( ويكونون ) أي المدخلون للميت القبر ( وترا ) استحبابا واحدا أو ثلاثة فأكثر بحسب الحاجة للاتباع في الواحد ، رواه أبو داود ، ولما صح { أنه صلى الله عليه وسلم دفنه علي والعباس والفضل } .

وفي رواية بدل العباس وأسامة وعبد الرحمن بن عوف ونزل معهم خامس .

وفي رواية علي والفضل وقثم وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل معهم خامس .

أما الواجب في المدخل له فهو ما تحصل به الكفاية ( ويوضع في اللحد ) أو غيره ( على يمينه ) ندبا كما في المجموع والروضة وإن صوب الإسنوي قول الإمام وجوبه اتباعا للسلف والخلف وكالاضطجاع عند النوم فإن وضع على اليسار كره وهو مراد المجموع بقوله خلاف الأفضل بدليل قوله عقبه كما سبق في المصلي مضطجعا والذي قدمه إنما هو الكراهة ، ويوجه ( للقبلة ) حتما تنزيلا له منزلة المصلي ، فإن دفن مستدبرا أو مستلقيا نبش حتما إن لم يتغير ، وإلا فلا ولئلا يتوهم أنه غير مسلم كما يعلم مما يأتي .

ويؤخذ من قوله أنه كالمصلي عدم وجوب الاستقبال بالكافر القبلة علينا وهو كذلك فيجوز استقباله واستدباره .

نعم لو ماتت ذمية وفي جوفها جنين مسلم جعل ظهرها للقبلة وجوبا ليتوجه الجنين للقبلة حيث وجب دفنه لو كان منفصلا إذ وجه الجنين لظهر أمه ، وتدفن هذه المرأة بين مقابر المسلمين والكفار ( ويسند وجهه ) استحبابا في هذا والأفعال المعطوفة عليه وكذا رجلاه ( إلى جداره ) أي القبر ويقوس لئلا ينكب ( و ) يسند ( ظهره بلبنة ) طاهرة ( ونحوها ) كطين ليمنعه عن الاستلقاء على قفاه ويجعل تحت [ ص: 8 ] رأسه لبنة أو حجر ويفضى بخده الأيمن إليه أو إلى التراب .

قال في المجموع بأن ينحى الكفن عن خده ويوضع على التراب ( ويسد فتح اللحد ) بفتح الفاء وسكون التاء المثناة الفوقية وكذا غيره ( بلبن ) وهو طوب لم يحرق ونحوه كطين لقول سعد فيما مر وانصبوا على اللبن نصبا ، ولأن ذلك أبلغ في صيانة الميت عن نبشه ، ونقل المصنف في شرح مسلم أن اللبنات التي وضعت في قبره صلى الله عليه وسلم تسع ( ويحثو ) بيديه جميعا ( من دنا ) من القبر ( ثلاث حثيات تراب ) من تراب القبر ويكون الحثي من قبل رأس الميت { ; لأنه صلى الله عليه وسلم حثى من قبل رأس الميث ثلاثا } رواه البيهقي وغيره بإسناد جيد ، ولما فيه من إسراع الدفن والمشاركة في هذا الغرض وإظهار الرضا بما صار إليه الميت ، وظاهر صنيع المصنف أن أصل سد اللحد مندوب كسابقه ولاحقه ، فيجوز إهالة التراب عليه من غير سد ، وبه صرح جمع لكن بحث آخرون وجوب السد كما عليه الإجماع الفعلي من زمنه صلى الله عليه وسلم إلى الآن ، فتحرم تلك الإهالة لما فيها من الإزراء وهتك الحرمة ، وإذا حرمنا ما دون ذلك ككبه على وجهه وحمله على هيئة مزرية فهذا أولى ا هـ .

ويجرى ما ذكر في تسقيف الشق وفي الجواهر : لو انهدم القبر تخير الولي [ ص: 9 ] بين تركه وإصلاحه ونقله منه إلى غيره ا هـ .

ووجهه أنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء . وألحق بانهدامه انهيار ترابه عقب دفنه ، ومعلوم أن الكلام حيث لم يخش عليه نحو سبع أو يظهر منه ريح ، وإلا وجب إصلاحه قطعا والتعبير بالحثيات هو الأفصح من حثى يحثي حثيا وحثيات ، ويجوز حثا يحثو حثوا وحثوات ، ويسن أن يقول مع الأولى منها خلقناكم ومع الثانية وفيها نعيدكم ومع الثالثة ومنها نحرجكم تارة أخرى زاد المحب الطبري : اللهم لقنه عند المسألة حجته ، وفي الثانية : اللهم افتح أبواب السماء لروحه ، وفي الثالثة : اللهم جاف الأرض عن جنبيه ، وضابط الدنو ما لا تحصل معه مشقة لها وقع فيما يظهر فمن لم يدن لا يسن له ذلك دفعا للمشقة في الذهاب إليه ، لكن قال في الكفاية : إنه يستحب ذلك لكل من حضر الدفن وهو شامل للبعيد أيضا ، واستظهره الولي العراقي وهو المعتمد ، على أنه يمكن الجمع بينهما بحمل الأول على التأكيد ( ثم يهال ) أي يصب التراب على الميت ( بالمساحي ) بفتح الميم جمع مسحاة بكسرها ، وهي آلة تمسح الأرض بها ولا تكون إلا من حديد بخلاف المجرفة ، قاله الجوهري ، والميم زائدة لأنها مأخوذة من السحو : أي الكشف ، وظاهر أن المراد هنا هي أو ما في معناها ، وحكمة ذلك إسراع تكميل الدفن وإنما كان ذلك بعد الحثي ; لأنه أبعد عن وقوع اللبنات وعن تأذي الحاضرين بالغبار .

( ويرفع القبر ) بدارنا معشر المسلمين ( شبرا ) تقريبا أي قدره ( فقط ) ليعرف فيزار ويحترم ، وكقبره صلى الله عليه وسلم كما صححه ابن حبان ، فإن لم يرتفع ترابه شبرا زيد كما بحثه الشيخ وهو ظاهر ، بل قد يحتاج للزيادة كأن سفته الريح قبل إتمام حفره أو قل تراب الأرض لكثرة الحجارة أما لو مات مسلم بدار الكفر فلا يرفع قبره بل يخفى لئلا يتعرض له الكفار إذا رجع المسلمون ، قاله المتولي ، وكذا لو كان بموضع يخاف نبشه لسرقة كفنه أو عداوة أو أو نحوهما كما قاله الإسنوي ، وألحق الأذرعي به أيضا ما لو مات ببلد بدعة وخشي عليه من نبشه وهتكه والتمثيل به كما فعلوه ببعض الصلحاء وأحرقوه ( والصحيح أن تسطيحه أولى من تسنيمه ) لأن قبره صلى الله عليه وسلم [ ص: 10 ] وقبري صاحبيه كانت كذلك كما صح عن القاسم بن محمد ، وورد أنه صلى الله عليه وسلم سطح قبر ابنه إبراهيم ، فلا يؤثر في ذلك كون التسطيح صار شعارا للروافض إذ السنة لا تترك بمرافقة أهل البدع فيها ، وقول علي رضي الله عنه { أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته } لم يرد به تسويته بالأرض بل تسطيحه جمعا بين الأخبار ، ومقابل الصحيح أن تسنيمه أولى لما مر .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : بحسب الحاجة ) أي فلو انتهت باثنين مثلا زيد عليهما ثالث مراعاة للوترية ( قوله ونزل معهم خامس ) وهو العباس كما قاله ابن شهبة ( قوله : ويوجه للقبلة حتما ) وقع السؤال في الدرس عما لو مات ملتصقان ماذا يفعل بهما ، ويمكن الجواب عنه بأن الظاهر فصلهما ليوجه كل منهما للقبلة ، ولأنه بعد الموت لا ضرورة إلى بقائهما ملتصقين ، ونقل عن بعض الهوامش الصحيحة ما يوافقه .

( قوله : أو مستلقيا نبش ) ظاهره ولو للقبلة ، وعبارة الشيخ عميرة نصها : لو جعل القبر ممتدا من قبلي إلى بحري وأضجع على ظهره وأخمصاه للقبلة ورفعت رأسه قليلا كما يفعل في المحتضر هل يجوز ذلك أم يحرم ؟ لم أر من تعرض له ، والظاهر التحريم ، ثم رأيت في حج التصريح بالحرمة أيضا ، وسيأتي ذلك في كلام الشارح أيضا بعد قول المصنف في الزيادة ، أو دفن لغير القبلة إلخ ( قوله : عدم وجوب الاستقبال بالكافر إلخ ) أي ولا عليهم ; لأنهم وإن كانوا مخاطبين بفروع الشريعة لكن الميت لكفره لا احترام له حتى يستقبل به ، وإنما قال علينا ; لأن المسلمين هم الذين يعتقدون احترام القبلة ( قوله : نعم لو ماتت ذمية ) أي أما المسلمة فتراعى هي لا ما في بطنها ( قوله : وفي جوفها جنين مسلم ) قال حج : نفخت فيه الروح ا هـ .

وهو قد يؤخذ من قوله حيث وجب دفنه ; لأن الظاهر أن المراد من بلغ في بطنها أربعة أشهر ; لأنه لو كان منفصلا لوجب دفنه ( قوله : وتدفن هذه المرأة بين مقابر المسلمين والكفار ) أي وجوبا ، قال في الروضة : ولا يدفن مسلم في مقبرة الكفار ولا كافر في مقبرة المسلمين .

قال في الخادم : ثم لا يخفى أنه حرام ، ولهذا قال في الذخائر لا يجوز بالاتفاق ا هـ .

وانظر إذا لم يوجد موضع صالح لدفن الذمي غير مقبرة المسلمين ولا أمكن نقله لصالح لذلك هل يجوز دفنه حينئذ في مقبرة المسلمين ، ولو لم يكن دفنه إلا في لحد واحد مع مسلم هل يجوز للضرورة ؟ فيه نظر ، ويحتمل الجواز للضرورة ; لأنه لا سبيل إلى تركه من غير دفن فليتحرر ا هـ

سم على منهج : [ ص: 8 ] ويقال مثله في المسلم الذي لم يتيسر دفنه إلا مع الذميين ( قوله : ويفضى ) أي ندبا بخده الأيمن إليه أو إلى التراب .

قال حج : وصح أنه صلى الله عليه وسلم كان عند النوم يضع خده الأيمن على يده اليمنى فيحتمل دخولها في نحو اللبنة ويحتمل عدمه ; لأن الذل فيما هو من جنس اللبنة أظهر ( قوله : ويسد فتح اللحد ) أي وجوبا ( قوله : بلبن ) أي ندبا .

[ فرع ] لو لم يوجد إلا لبن لغائب هل يجوز أخذه كما في الاضطرار ؟ لا يبعد الجواز إذا توقف الواجب عليه ، ثم رأيت فيه كلاما لحج في فتاويه ا هـ سم على منهج ( قوله : ويحثو بيديه جميعا ) أي بعد سد اللحد ، وإن كانت المقبرة منبوشة وهناك رطوبة ; لأنه مطلوب ( قوله : ثلاث حثيات ) وينبغي الاكتفاء بذلك مرة واحدة ، وإن تعدد المدفون .

[ فرع ] لو وضع الميت في القبر في غير لحد ولا شق وأهيل التراب على جثته فالوجه تحريم ذلك ; لأن فيه إزراء به وانتهاكا لحرمته .

ثم رأيت م ر أفتى بحرمة ذلك ، وبلغني من ثقة أن شيخنا الشهاب بر كان يقول بحرمة ذلك ا هـ سم على منهج .

[ فائدة ] وجد بخط شيخنا الإمام تقي الدين العلوي وذكر أنه وجد بخط والده قال : وجدت ما مثله حدثني الفقيه أبو عبد الله محمد الحافظ بالإسكندرية بزاويته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { من أخذ من تراب القبر حال الدفن بيده أي حال إرادته وقرأ عليه { إنا أنزلناه في ليلة القدر } سبع مرات وجعله مع الميت في كفنه أو قبره لم يعذب ذلك الميت في القبر } ا هـ علقمي ، وينبغي أولوية كونه في القبر : أي التراب إذا كانت المقبرة منبوشة لا في الكفن ( قوله من تراب القبر ) ولعل أصل السنة يحصل بغير ترابه أيضا أخذا من التعليل بأن ذلك للرضا بما صار إليه الميت فليتأمل ا هـ سم على منهج ، وبقي ما لو فقد التراب فهل يشير إليه أم لا ؟ فيه نظر ، والأقرب الثاني .

( قوله : فهذا أولى ) ظاهره وإن لم يصل التراب إلى جسد الميت للعلة المذكورة ، ولو قيل بأن محل ذلك حيث كان يصل التراب إلى جسده ، وأما إذا لم يصله فلا يحرم ذلك لم يكن بعيدا ، ثم رأيت عبارة شيخنا الزيادي قوله وأن يسد اللحد إلخ ، أما أصل السد فواجب إن أدى عدمه إلى إهالة التراب عليه وإلا فمندوب ، وعلى هذا يحمل قول الشارح في غير [ ص: 9 ] هذا الكتاب أن السد مندوب رملي ( قوله : يحثو حثوا ) عبارة المحلي : وقوله حثيات من يحثي لغة في يحثو ا هـ .

وفيه إشعار بأن يحثو أفصح من يحثي ، وعبارة الشارح تخالفه ، وفي كلام المختار ما يوافق كلام المحلي رحمه الله تعالى ( قوله زاد المحب الطبري ) أي في الأولى اللهم لقنه إلخ لعل الحكمة في جعل هذا مع الأول ، وما بعده مع الثانية إلخ أن أهم أحوال الميت بعد وضعه في القبر سؤال الملكين فناسب أن يدعى له بتلقين الحجة ، وبعد السؤال تصعد الروح إلى ما أعد لها فناسب أن يدعى له بفتح أبواب السماء لروحه ، وبعده يستقر الميت في قبره فناسب أن يدعى له بمجافاة الأرض عن جنبيه ( قوله : عند المسألة ) أي السؤال ، وقوله حجته : أي ما يحتج به على صحة إيمانه ، وإطلاقه يشمل ما لو لم يكن الميت ممن يسأل كالطفل ، وإطلاقه يشمل أيضا ما لو قدم الآية على الدعاء أو أخرها ، وينبغي تقديم الآية على الدعاء أخذا من قوله زاد المحب إلخ ( قوله اللهم افتح أبواب السماء لروحه ) ولا ينافي هذا أن روحه يصعد بها عقب الموت ; لأنا نقول : ذاك الصعود للعرض ثم يرجع بها فتكون مع الميت إلى أن ينزل قبره فتلبسه للسؤال ثم تفارقه وتذهب حيث شاء الله .

( قوله : وهو شامل للبعيد أيضا ) أي وللنساء أيضا ، ومعلوم أن محله حيث لم يؤد قربها من القبر إلى الاختلاط بالرجال ( قوله : بخلاف المجرفة ) أي فإنها تكون من الحديد أو من غيره ( قوله : أي قدره فقط ) أي فلو زاد عليه كان مكروها ( قوله : فإن لم يرتفع ترابه شبرا زيد ) أي ولو من المقبرة المنبوشة

( قوله : فلا يرفع قبره ) هل ذلك واجب أو مندوب ، وينبغي أن يكون ذلك واجبا إذا غلب على الظن فعلهم [ ص: 10 ] به ذلك ( قوله : وقبري صاحبيه كانت كذلك ) أي في ابتداء الأمر ، أما بعد إحداث البناء فلا تدرى صفتها ، لكن في حج ما نصه : ورواية البخاري أنه سنم حملها البيهقي على أن تسنيمه حادث لما أسقط جداره وأصلح زمن الوليد وقيل عمر بن عبد العزيز ا هـ .

وهي صريحة في أن التسنيم حصل بعد ، وفيه أيضا لما صح عن القاسم بن محمد أن عمته عائشة كشفت له عن قبره صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه فإذا هي مسطحة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء ( قوله : أن تسنيمه أولى لما مر ) هو كون التسطيح صار شعارا للروافض



حاشية المغربي

[ ص: 7 ] قوله : أو مستلقيا ) أي غير مستقبل كما هو ظاهر ( قوله : والأفعال المعطوفة عليه ) انظره مع ما سيأتي في فتح اللحد [ ص: 8 ] قوله : لقول سعد فيما مر ) تبع فيه شرح الروض مع أنه لم يمر في كلامه ، بخلاف شرح الروض فإنه أحال على ما قدمه ( قوله : وظاهر صنيع المصنف أن أصل سد اللحد مندوب ) الظاهر أن هذا مختار الشارح لتقديمه إياه على مقابله وبقرينة جزمه فيما قدمه عقب قول المصنف ويسند وجهه ثم رأيت الشهاب سم نقل عن إفتاء الشارح حرمة الإهالة الآية . [ ص: 9 ]

الآتية ( قوله : والميم زائدة ) لعله سقط ألف قبل الواو من نسخ الشارح ، لأنا إذا أخذناها من المسح كما تقدم كانت [ ص: 10 ] الميم أصلية ، وإنما تظهر زيادتها إن أخذناها من السحو فهو قول مقابل للأول ( قوله : ذكره في المجموع ) أي ذكر الاتباع في إفراد كل ميت بقبر



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث