الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( وزكاتهما ) أي الذهب والفضة ( ربع عشر ) في النصاب لخبر { ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة } رواه البخاري { وفي الرقة ربع العشر } والرقة والورق الفضة والهاء عوض من الواو ، والأوقية بضم الهمزة وتشديد الياء على الأشهر أربعون درهما بالنصوص المشهورة والإجماع ، ولا يكمل نصاب أحدهما بالآخر لاختلاف الجنس ، ويكمل الجيد بالرديء من الجنس الواحد وعكسه وإن اختلف نوعاهما ، والمراد بالجودة النعومة ونحوها وبالرداءة الخشونة ونحوها ، ويؤخذ من كل نوع بقسطه إن سهل بأن قلت الأنواع ، وإلا أخذ من الوسط كما في المعشرات ولا يجزئ رديء ومكسور عن جيد وصحيح كمريضة من صحاح ، وله استرداده إن بين عند الدفع أنه عن ذلك المال ، وإلا فلا [ ص: 86 ] وإذا جاز له الاسترداد فإن بقي أخذه ، وإلا أخرج التفاوت ، وكيفية معرفته أن يقوم المخرج بجنس آخر كأن يكون معه مائتا درهم جيدة فأخرج عنها خمسة معيبة ، والجيدة تساوي بالذهب نصف دينار ، والمعيبة تساوي به خمسين دينارا فيبقى عليه درهم جيد ، ويجزئ الجيد والصحيح عن ضدهما بل هو أفضل فيسلمه المخرج إلى من يوكله المستحقون منهم أو من غيرهم ، فإن لزمه نصف دينار سلم إليهم دينارا نصفه عن الزكاة وباقيه له معهم أمانة ، ثم يتفاضل هو وهم فيه ، بأن يبيعوه لأجنبي ويقاسموا ثمنه أو يشتروا منه نصفه أو يشتري نصفه ، لكن يكره له شراء صدقته ممن تصدق عليه فرضا أو نفلا ( ولا شيء في ) ( المغشوش ) أي المخلوط كذهب بفضة أو نحاس ( حتى يبلغ خالصه نصابا ) للأخبار المارة فيخرج خالصا أو مغشوشا خالصه قدر الزكاة ، ويكون متطوعا بالنحاس ; لأنه في الحقيقة إنما أعطى الزكاة خالصا من خالص .

والنحاس وقع تطوعا كما مر ، فلو كان وليا امتنع عليه ذلك في مال موليه كما بحثه الإسنوي لعدم جواز تبرعه بنحاسه ، وقيده بما إذا كانت مؤنة السبك تنقص عن قيمة الغش : أي إن كان ثم سبك ; لأن إخراج الخالص لا يلزم أن يكون بسبك .

ويكره للإمام ضرب المغشوشة ، فإن علم عيارها صحت المعاملة بها معينة وفي الذمة ، وكذا إن لم يعلم عيارها لحاجة المعاملة بها ، ولذلك استثنيت من قاعدة إنما كان خليطه غير مقصود ، وقدر المقصود مجهول كمسك مخلوط بغيره ولبن مشوب بماء لا تصح المعاملة به ، فجعل الزركشي غشها مقصودا غير صحيح ، فلو ضرب مغشوشة على سكة الإمام ، وغشها أزيد من غش ضربه حرم فيما يظهر لما فيه من التدليس بإبهام أنه مثل مضروبه ، ويحمل العقد عليها إن غلبت ، ولو كان الغش يسيرا بحيث [ ص: 87 ] لا يأخذ حظا من الوزن فوجوده كالعدم .

ويكره لغير الإمام ضرب الدراهم والدنانير ولو خالصة فيه من الافتيات عليه .

ويكره لمن ملك نقدا مغشوشا إمساكه بل يسبكه ويصفيه .

قال القاضي أبو الطيب : إلا إن كانت دراهم البلد مغشوشة فلا يكره إمساكها ، ذكره في المجموع ( ولو ) ( اختلط إناء منهما ) أي من الذهب والفضة بأن أذيب الإناء منهما بأن كان وزنه ألف درهم ستمائة من أحدهما وأربعمائة من الآخر ( وجهل أكثرهما ) ( زكي ) كلا منهما بفرضه ( الأكثر ذهبا وفضة ) احتياطا إن كان غير محجور عليه ، وإلا تعين التمييز أخذا مما مر ، ولا يجوز فرض كله ذهبا إذ أحد الجنسين لا يجزئ عن الآخر ، وإن كان أعلى منه كما مر ( أو ميز ) بالنار كأن يسبك جزءا يسيرا إن تساوت أجزاؤه كما في البسيط ، أو يمتحنه بالماء فيضع فيه ألفا ذهبا ويعلم ارتفاعه ثم يخرجها ، ثم يضع فيه ألفا فضة ويعلمه ، وهذه العلامة فوق الأولى ; لأن الفضة أكبر حجما من الذهب ، ثم يخرجها ثم يضع فيه المخلوط ، فإلى أيهما كان ارتفاعه أقرب فالأكثر منه ، ولا شك أنه يكتفى بوضع المخلوط أولا ووسطا أيضا .

قال الإسنوي : وأسهل من هذه وأضبط أن يضع في الماء قدر المخلوط منهما معا مرتين في أحدهما الأكثر ذهبا والأقل فضة وفي الثانية بالعكس ويعلم في كل منهما علامة ، ثم يضع المخلوط فيلحق بما وصل إليه .

قال : ونقل في الكفاية عن الإمام وغيره طريقا آخر يأتي أيضا مع الجهل بمقدار كل منهما ، وهو أن يضع المختلط وهو ألف مثلا في ماء ، ويعلم كما مر ثم يخرجه ثم يضع فيه من الذهب شيئا بعد شيء حتى يرتفع بتلك العلامة ، ثم يخرجه ثم يضع فيه من الفضة كذلك حتى يرتفع لتلك العلامة ، ويعتبر وزن كل منهما ، فإن كان الذهب ألفا ومائتين والفضة ثمانمائة علمنا أن نصف المختلط ذهب ونصفه فضة بهذه النسبة ا هـ .

والمراد أنهما نصفان في الحجم لا في الوزن ، فيكون زنة الذهب ستمائة وزنة الفضة أربعمائة ; لأن المختلط من الذهب والفضة إنما يكون ألفا بالنسبة المذكورة إذا كانا كذلك .

وبيانه بها أنك إذا جعلت [ ص: 88 ] كلا منهما أربعمائة وزدت على الذهب منه بقدر نصف الفضة وهو مائتان كان المجموع ألفا ، والطريق الأولى كما قال تأتي أيضا في مختلط جهل وزنه بالكلية ، قاله الفوراني : فإنك إذا وضعت المختلط المذكور تكون علامته بين علامتي الخالص ، فإن كانت نسبته إليهما سواء فنصفه ذهب ونصفه فضة ، وإن كان بينه وبين علامة الذهب شعيرتان ، وبينه وبين علامة الفضة شعيرة فثلثاه فضة وثلثاه ذهب أو بالعكس فالعكس ، قال الرافعي : وإذا تعذر الامتحان وعسر التمييز بأن يفقد آلات السبك أو يحتاج فيه إلى زمان صالح وجب الاحتياط فإن الزكاة واجبة على الفور فلا يجوز تأخيرها مع وجود المستحقين ، ذكره في النهاية : ولا يبعد أن يجعل السبك أو ما في معناه من شروط الإمكان ، ولا يعتمد المالك في معرفة الأكثر غلبة ظنه ، ولو تولى إخراجها بنفسه ويصدق فيه إن أخبر عن علم

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : والرقة والورق الفضة ) عبارة القاموس الورق مثلثة وككتف وجبل : الدراهم المضروبة الجمع أوراق ووراق كالرقة الجمع رقوق والوراق الكثير الدراهم ، وقوله الورق مثلثة : أي مع سكون الراء ( قوله والهاء عوض من الواو ) أي في الرقة ( قوله على الأشهر ) ومقابله تخفيف الياء ( قوله وإلا أخذ من الوسط ) أي أو يخرج من أحدهما مراعيا للقيمة كما تقدم في اختلاف النوعين من الماشية ( قوله : وله استردادهما ) أي الرديء والمكسور ( قوله : إن بين عند الدفع ) قياس ما يأتي في التعجيل أن المدار على علم الآخذ لا على تبيين الدفع ( قوله : أنه عن ذلك المال ) [ ص: 86 ] أي الجيد والصحيح ( قوله فإن بقي أخذه ) قضية ما ذكر أنه لا يكتفي بدفع التفاوت مع بقائه ، ويحتمل أنه غير مراد ، وأن المراد بأخذه جاز له أخذه وجاز دفع التفاوت وهو قريب هذا ، وقياس ما مر فيما لو اتفق فرضان من أنه إذا دفع غير الأغبط لا يحسب إن دلس المالك أو قصر الساعي أنه هنا كذلك فليراجع ، وعلى مقتضى إطلاقهم من الإجزاء هنا مطلقا يمكن أن يفرق بأن المقصود من الدراهم والدنانير صرفها ، ولا يظهر بين المكسور والرديء وبين الصحيح والجيد مع أخذ التفاوت كبير أمر ، بخلاف المواشي فإن المقصود منها التبقية والاستنماء وفي غير الأغبط ضرر على الفقراء ( قوله : وكيفية معرفته ) أي التفاوت ( قوله : أن يقوم المخرج بجنس آخر ) أي ولا يجوز تقديمه بجنسه ; لأن النقد لا يجوز بيعه بمثله مفاضلة كما هو معلوم من الربا ( قوله : فيبقى عليه درهم جيد ) أي وذلك لأن نصف الدينار إذا قسم على الخمسة الجيدة خص كل نصف خمس منه درهما ، والمعيبة تساوي خمسي دينار ، وقيمتهما أربعة دراهم من الجيدة فيبقى من نصف الدينار نصف خمس يقابل بدرهم من الجيدة ( قوله : ممن تصدق عليه ) مفهومه أنه لو اشتراه ممن انتقل له من المتصدق عليه لم يكره ( قوله : أو مغشوشا خالصه قدر الزكاة ) مثله ما لو أخرج فضة مقصوصة فيشترط أن يكون وزن الخالص منها قدر ما وجب عليه من الفضة الخالصة ( قوله : وقع تطوعا كما مر ) ويصدق المالك في قدر الغش ا هـ حج .

أقول : هو واضح إن كان بعد تلف المال أو قبله ، وليس ثم أهل خبرة وتعذر سبك جزء يعلم به مقدار الغش ، وإلا فينبغي مراجعة أهل الخبرة أو سبك ما يمكن به معرفته قياسا على ما لو ادعى المالك غلط الخارص في محتمل ، والمخروص باق فإنه يمتحن بالكيل ، وعلى ما لو اختلف المالك والساعي في عد الماشية بما يختلف به الواجب فإنها تعد عليه إلا أن يفرق بسهولة إعادة الكيل أو العد بخلاف مراجعة أهل الخبرة وبخلاف السبك .

( قوله : وقيده بما إذا إلخ ) معتمد ( قوله : ولذلك ) أي للحاجة ( قوله : فجعل الزركشي غشها مقصودا ) أي فليست من القاعدة حتى تستثنى ( قوله : وغشها أزيد من غش ضربه ) أي فإن كان مساويا له كره أخذا مما يأتي ( قوله : أنه مثل مضروبه ) ومثل المغشوشة الجيدة أو المغشوشة بمثل غش الإمام لكن [ ص: 87 ] صنعتها مخالفة لصنعة دراهم الإمام ، ومن علم بمخالفتها لا يرغب فيها كرغبته في دراهم الإمام فتحرم لما في صنعتها من التدليس ( قوله : ويكره لغير الإمام ) أي وللإمام أن يؤدب على ذلك ا هـ دميري ( قوله : ويكره لمن ملك نقدا مغشوشا إمساكه ) وينبغي أن محله حيث لم يعم التعامل به كما يأتي ( قوله : بل يسبكه ) بابه ضرب يضرب ( قوله : أخذا مما مر ) أي في قوله فلو كان وليا امتنع عليه ذلك إلخ ( قوله إن تساوت أجزاؤه ) أي بأن يكون ما في كل جزء منهما قدر ما في غيره من ذلك ا هـ سم على بهجة ( قوله : فيكون زنة الذهب ستمائة إلخ ) إيضاح ذلك أنه قد علم بالنسبة المذكورة أن حجم الواحد من الفضة كحجم واحد ونصف من الذهب ، فحجم جملة الفضة كحجم قدرها ونصف قدرها من الذهب ، فإذا كان الإناء ألفا وجب أن يكون فيه من الذهب مقدار الفضة ومقدار نصفها ، ولا يتصور ذلك مع كون الجملة ألفا إلا إذا كان فيه ستمائة ذهبا وأربعمائة فضة ا هـ سم على بهجة ( قوله : وبيانه بها إلخ ) [ ص: 88 ] وهذه الطرق كلها إذا وجد أما إذا فقد فيقوم اعتبار ظنه ويعضده التخمين في مسألة المذي والودي ا هـ دم : أي من أنه إذا علم إصابتهما لثوبه وجهل محله وجب غسل الجميع ، لكن ما ذكره الدميري يؤخذ ضعفه من قول الشارح الآتي : ولا يعتمد المالك في معرفة الأكثر غلبة ظنه .

( قوله : والطريق الأول ) هو قوله أو يمتحنه بالماء فيضع فيه ألفا ذهبا إلخ ( قوله : وجب الاحتياط ) أي فيزكي الأكثر ذهبا والأكثر فضة ، وعبارة حج : ولو فقد آلة السبك أو احتاج فيه لزمن طويل أجبر على تزكية الأكثر من كل منهما ، ولا يعذر في التأخير إلى التمكن ; لأن الزكاة فورية ، كذا نقله الرافعي عن الإمام ، وتوقف فيه فقال : لا يبعد أن يجعل السبك أو ما في معناه من شروط الإمكان ( قوله : ولا يبعد أن يجعل السبك إلخ ) معتمد ( قوله : ولا يعتمد المالك في معرفة الأكثر غلبة ظنه ) أي لاتهامه ، ولأن مبنى الزكاة على اليقين كما مر ، ومحل ذلك حيث كان المختلط باقيا فإن فقد عمل بغلبة الظن على ما مر عن الدميري ( قوله : ولو تولى إلخ ) غاية



حاشية المغربي

( قوله : في النصاب لخبر { ليس فيما دون خمس أواق } إلخ ) عبارة المحلي في النصاب : وما زاد عليه ولا زكاة فيما دونه ، قال صلى الله عليه وسلم { ليس فيما دون خمس أواق } إلخ ( قوله : وله استرداده إن بين عند الدفع أنه عن ذلك المال وإلا فلا ) وهل يكون مسقطا للزكاة أو لا يراجع [ ص: 86 - 87 ] قوله : وأسهل من هذه ) إن أراد أنه أسهل عملا فممنوع فإن عدة الوضعات فيه كالذي ذكروه ، ويزيد هذا بأنه يحتاج إلى تهيئة قطعتين من الذهب زنة واحدة ستمائة والأخرى أربعمائة ومن الفضة كذلك فتعظم المشقة ، بخلاف ما ذكروه لا يحتاج فيه إلا إلى قطعتين .

نعم الأسهل ما قاله الأذرعي وهو أن يوضع المختلط في ماء في إناء ثم يعلم ارتفاع الماء ثم يوضع مكانه ستمائة ذهبا وأربعمائة فضة ، فإن بلغ الماء محل العلامة فقط علمنا أن الأكثر ذهب ، وإن لم يبلغها علم أن الأكثر فضة ( قوله : فإن كان الذهب ألفا ومائتين مثلا والفضة ثمانمائة علمنا إلخ ) يعلم منه أن الفضة الموازنة للذهب يكون حجمها مقدار حجمه مرة ونصفا وسيأتي التصريح به وهذا إنما يعلم من الخارج ، [ ص: 88 ] لكن في كلام ابن الهائم أن جوهر الذهب كجوهر الفضة وثلاثة أسباعها ، ومن ثم كان المثقال درهما وثلاثة أسباع والدرهم سبعة أعشار المثقال ( قوله كما قال ) أي الإسنوي ( قوله : فنصفه ذهب ونصفه فضة ) انظر هل المراد النصف في الوزن أو في الحجم ( قوله : ولا يبعد إلخ ) من تتمة كلام الرافعي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث