الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

القسم بفتح القاف مصدر بمعنى القسمة ، وبكسرها النصيب ، وبفتحها والسين الحلف ، والفيء مصدر فاء يفيء إذا رجع ، ثم سمي به المال الآتي لرجوعه إلينا من استعمال المصدر في اسم الفاعل ; لأنه راجع ، أو المفعول ; لأنه مردود ، سمي بذلك ; لأن الله تعالى خلق الدنيا وما فيها للمؤمنين للاستعانة على طاعته ، فمن خالفه فقد عصاه وسبيله الرد إلى من يطيعه .

والغنيمة فعيلة بمعنى مفعولة من الغنم : أي الربح ، والمشهور تغايرهما كما دل عليه العطف ، وقيل اسم الفيء يشملها ; لأنها راجعة إلينا ولا عكس فهي أخص .

وقيل هما كالفقير والمسكين ولم تحل لغيرنا بل كانت تأتيهم نار من السماء تحرق ما جمعوه ، وكانت في صدر الإسلام له صلى الله عليه وسلم خاصة ; لأن النصرة ليست إلا به وحده ، ثم نسخ ذلك واستقر الأمر على ما يأتي ، وذكر هذا الباب كما صنع المصنف هنا أنسب من ذكره بعد السير ; لأنه قد علم أن ما تحت أيدي الكفار من الأموال ليس لهم بطريق الحقيقة ، فهو كوديع تحت يده مال غيره سبيله رده إليه ، ولهذا ذكره عقب الوديعة لمناسبته لها .

لا يقال بل هم كالغاصب فيكون الأنسب ذكره عقب الغصب ; لأن التشبيه بالغاصب وإن صح من وجه لكن فيه تكلف ، وإنما الأظهر التشبيه .

بالوديع من حيث إنه مع جواز تصرفهم فيه مستحق الرد لغيرهم .

والأصل في الباب قوله تعالى { ما أفاء الله على رسوله } وقوله { واعلموا أنما غنمتم من شيء } وفي خبر وفد عبد القيس وقد فسر لهم صلى الله عليه وسلم الإيمان { وأن تعطوا من المغنم الخمس } متفق عليه ( الفيء مال ) ذكر ; لأنه الأغلب وإن قيل حذف اللام أولى ليشمل الاختصاص ( حصل ) لنا ( من كفار ) وخرج به نحو صيد دراهم الذي لم يستولوا عليه فإنه مباح فيملكه آخذه كما في أرضنا ( بلا قتال وإيجاف ) أي إسراع نحو ( خيل وركاب ) أي إبل وبلا مؤنة أي لها وقع كما هو ظاهر ( كجزية ) وخراج ضرب على حكمها ، كذا قيده بعض الشارحين ، والوجه عدم الفرق بينه وبين غيره مما هو في حكم الأجرة حتى لا يسقط بإسلامهم ويؤخذ من مال من لا جزية عليه ; لأنه وإن كان أجرة فحد الفيء صادق عليه ، ومنه صبي دخل دارنا فأخذه مسلم وضالة حربي ببلادنا ، بخلاف كامل دخل دارنا فأخذ ; لأن أخذه يحتاج لمؤنة : أي غالبا ، والواو في كلامه على بابها لا بمعنى أو إذ الأصل فيما في حيز النفي انتفاء جميعه لا مجموعه كما أشاروا إليه في تفسير { ولا الضالين } وسيأتي قبيل التفويض ما له تعلق بذلك وإنما يظهر كونها بمعنى أو في جانب الإثبات في حد الغنيمة .

وأما في جانب النفي في حد الفيء فهي على بابها ، والمراد انتفاء كل واحد على انفراده ( وعشر تجارة ) يعني ما أخذ من أهلها ساوى العشر أم لا ( وما جلوا ) أي هربوا ( عنه خوفا ) ولو من غيرنا فيما يظهر كما بحثه الأذرعي ، ورد تقييد بعض الشراح بالمسلمين أخذا من عبارة الشرح والروضة ، ودخل في الخوف ما جلوا عنه لنحو ضر أصابهم لما تقرر من شموله لخوفهم من غيرنا .

نعم هو جرى على الغالب بدليل أنهم لو فرض تركهم مالا لنحو عجز دوابهم عن حمله كان فيئا أيضا كما هو ظاهر وما جلوا عنه بعد تقابل الجيشين

غنيمة ، لكنه لما حصل التقابل صار بمنزلة حصول القتال فلا يرد على كلامه ( ومال ) واختصاص ( مرتد قتل أو مات ) على الردة ( و ) مال ( ذمي ) أو معاهد أو مؤمن ( مات بلا وارث ) مستغرق بأن لم يترك وارثا أصلا أو ترك وارثا غير جائز فجميع ماله في الأولى وما فضل عن وارثه في الثانية لبيت المال كما بينه السبكي ، ولا اعتراض على الحد بسبب شموله لما أهداه كافر لنا في غير حرب فإنه ليس بفيء ولا غنيمة مع صدق تعريف الفيء عليه ولما أخذ بسرقة من دار الحرب مع أنه غنيمة مخمسة ، وكذا ما أهدوه والحرب قائمة ; لأن قرينة نفي القتال والإيجاف تدل على أن الكلام في حصول بغير عقد ونحوه وهذا حاصل بعقد أو نحوه ، فمن ثم اتجه حكمهم عليه بأنه ليس بفيء ولا غنيمة واتجه أنه لا يرد على حد الفيء ، وكأن السارق لما خاطر كان في معنى المقاتل ، على أنه سيذكر حكمه في السير كالملتقط الأظهر إيراد من السارق لولا ذكره ، ثم ما يفيد أنه غنيمة ; لأن فيه مخاطرة أيضا إذ قد يتهمونه بأنه سرقها ، على أن الأذرعي بحث أن أخذ مالهم بدارنا بلا أمان كهو في دارهم ، ويوجه بأن فيه مخاطرة أيضا بخلاف أخذ الضالة السابق ; ولأن الحرب لما كانت قائمة كانت في معنى القتال .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

كتاب قسم الفيء والغنيمة ( قوله : والسين ) أي وفتح العين ( قوله : وقيل اسم الفيء يشملها ) أي الغنيمة ( قوله : ولم تحل لغيرنا ) أي الغنائم ( قوله : تحرق ما جمعوه ) استثنى بعضهم من ذلك الحيوان ، وعليه فانظر ما كانوا يفعلونه فيه .

وقال في الفتح : دخل في عموم أكل النار الغنيمة السبي ، وفيه بعد ; لأن مقتضاه إهلاك الذرية ومن لم يقاتل من النساء ، ويمكن أن يستثنوا من ذلك ، ويلزم من استثنائهم عدم تحريم الغنائم عليهم ، ويؤيده أنه كانت لهم عبيد وإماء فلو لم يجز لهم السبي لما كان لهم أرقاء ولم أر من صرح بذلك ا هـ .

وقد يقال يمنع الحصر لجواز أن يكون للرق سبب آخر وأسباب أخر غير السبي بدليل استرقاق السارق في قصة يوسف المصرح بذلك في القرآن العزيز بقوله تعالى { قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه } والله أعلم ، وفي شرح المشارق للأكمل قال مالك : إن من قبلنا إذا غنموا الحيوانات تكون ملكا للغانمين دون أنبيائهم ، وإذا غنموا غير الحيوانات جمعوها فتجيء نار فتحرقها ا هـ .

ثم رأيت في عين الحياة حديث { قعد نبي من بني إسرائيل تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأحرقت بالنار } الحديث .

قيل كان في شرع هذا النبي أن عقاب الحيوان بالتحريق جائز ا هـ ( قوله : { واعلموا أنما غنمتم من شيء } ) لما جمع المصنف بين الفيء والغنيمة في الترجمة احتاج الشارح إلى دليل كل منهما ( قوله : حتى لا يسقط ) أي فلا يكون المال الحاصل من الكفار فيئا إلا عند انتفاء كل من الثلاثة لما ذكره من أن الواو في حيز النفي لانتفاء الجميع : أي جميع المتعاطفات ، وقوله لا مجموعة : أي يجب كونه فيئا بانتفاء واحد من الثلاثة وإن وجد الآخران ; لأن نفي المجموع نفي للحكم عن الجملة ، وهو يتحقق بنفي أي واحد منها مع وجود الآخرين ، وقوله في تفسير إلخ : أي من أن الصراط المستقيم هو صراط المنعم عليهم وهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين ، فاشترط لكونه صراطا مستقيما نفي كل من كونه صراط المغضوب والضالين ، وقوله في جانب الإثبات إلخ : يعني أن قوله في الفصل الآتي الغنيمة مال حصل من كفار بقتال وإيجاف معناه أن الغنيمة تتحقق بواحد من القتال والإيجاف ، فالواو بمعنى أو ، ولو جعلت على بابها لاقتضى ذلك أنه لا بد في كون المال غنيمة من الجمع بين القتال والإيجاف ( قوله : ومنه صبي ) وينبغي أن مثل الصبي المرأة حيث دخلا بلا أمان منا ، وقوله ; لأن أخذه يحتاج لمؤنة : أي فيكون غنيمة ، وقوله ودخل في الخوف إلخ معتمد ، وقوله ما جلوا : أي الكفار ، وقوله نعم هو : أي الخوف ، وقوله لنحو عجز : أي أو ظنهم عدوا فبان خلافه ( قوله : فإنه ليس بفيء ) أي في المسألة الأولى ، وهي ما أهداه كافر لنا في غير هرب ( قوله : إيرادا من السارق ) أي مما سرقه السارق ( قوله : كهو في دارهم ) معتمد ( قوله : بخلاف أخذ الضالة ) ويؤخذ تعليل ما أهداه والحرب قائمة مما ذكر من توجيه ما ذكر فيما جعلوا عنه بعد تقابل الجيشين .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث