الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في قسمة الزكاة بين الأصناف

جزء التالي صفحة
السابق

( والأظهر منع نقل الزكاة ) من بلد الوجوب الذي به المستحقون إلى بلد آخر فيه مستحقوها فتصرف إليهم لخبر الصحيحين { صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم } ولامتداد أطماع أصناف كل بلدة إلى زكاة ما فيها من المال ، والنقل يوحشهم ، وبه فارقت الزكاة والنذر والوصية لفقراء أو مساكين إذا لم ينص الموصي ونحوه على نقل أو غيره .

والثاني الجواز لإطلاق الآية ونقل عن أكثر العلماء وانتصر له وإذا منعنا النقل حرم ولم يجز ، وعلم من إناطة الحكم ببلد المال لا المالك أن العبرة ببلد المدين لا الدائن ، لكن الأوجه أن له صرفها في أي بلد شاء ; لأن ما في الذمة لا يوصف بأن له محلا مخصوصا ; لأنه أمر تقديري لا حسي فاستوت الأماكن كلها إليه فيتخير مالكه ومحله في دين يلزم المالك الإخراج عنه وإلا بأن كان في الذمة ولم يلزم إخراجها عنه حالا فيحتمل أن العبرة بمحل قبضه منه فيخرج حينئذ على مستحقيه جميع زكاة السنين السابقة ، ويحتمل أنه كالأول فيتخير هنا أيضا ; لأنه بالقبض تبين تعلق وجوب كل حول مر به ، وقد كان حينئذ غير موجود حسا لكن أفتى الوالد رحمه الله تعالى [ ص: 168 ] باعتبار بلد المديون ، ومحل ما تقرر في مالك مقيم ببلد أو بادية لا يظعن عنها ، أما الإمام فله نقلها مطلقا لما مر أن الزكوات كلها في يده كزكاة واحدة وكذا الساعي ، بل يلزمه نقلها للإمام إذا لم يأذن له في تفرقتها ، ومثله قاض له دخل فيها بأن لم يولها الإمام غيره ، ولمن جاز له النقل إذن المالك فيه فيما يظهر لكن لا ينقل أو يأذن إلا في عمله لا خارجه كما يؤخذ مما مر في زكاة الفطر ، وقد يجوز للمالك أيضا كما لو كان له في كل محل عشرون شاة فله إخراج شاة بأحدهما حذرا من التشقيص مع الكراهة وكأن حال الحول والمال ببادية لا مستحق بها فيفرقه في أقرب محل إليه به مستحق وللمنتجعين من أهل الخيام الذين لا قرار لهم صرفها لمن معهم ولو بعض صنف كمن بسفينة في اللجة فيما يظهر ، فإن فقدوا فلمن بأقرب محل إليهم عند تمام الحول والحلل المتمايزة بنحو مرعى وماء كل حلة كبلد فيحرم النقل إليها ، بخلاف غير المتميزة فله النقل إليها لمن بدون مسافة القصر من محل الوجوب

( ولو عدم الأصناف في البلد ) أي بلد الوجوب أو فضل شيء عنهم ( وجب النقل ) لها أو للفاضل إلى مثلهم بأقرب محل لمحل المال ، فإن جاوزه حرم وامتنع كالنقل ابتداء وإنما وجب حفظ دم الحرم إلى وجود مساكينه وامتنع نقله مطلقا ; لأنه وجب لهم بالنص فهو كمن نذر تصدقا على فقراء بلد كذا ففقدوا حيث تحفظ إلى وجودهم ، والزكاة ليس فيها نص صريح بتخصيصها بالبلد ، وإذا جاز النقل فمؤنته على المالك قبل قبض الساعي وبعده في الزكاة فيباع منها ما يفي بذلك كما لو خشي وقوعها في خطر أو احتاج لرد جبران ( أو ) عدم ( بعضهم ) من بلد المال ووجد بغيره أو فضل شيء عنه بأن وجد جميعهم وفضل شيء عن كفاية بعضهم أو وجد بعضهم وفضل عن كفاية بعضه شيء ( وجوزنا النقل ) مع وجودهم ( وجب ) النقل لذلك الصنف بأقرب بلد ( وإلا ) بأن لم نجوزه كما هو الأصح ( فيرد ) بالنصب وجوبا نصيب المفقود من البعض أو الفاضل عنه أو عن بعضه ( على الباقين ) إن نقص نصيبهم عن كفايتهم ولا ينقل إلى غيرهم لانحصار الاستحقاق فيهم فإن لم ينقص نقله لذلك الصنف [ ص: 169 ] بأقرب بلد إليهم ( وقيل ينقل ) إلى أقرب محل إليهم للنص على استحقاقهم فيقدم على رعاية المكان الناشئة عن الاجتهاد ، ورد بأن النص ولو سلم عمومه كان في عمومه في الأمكنة خلاف فلا يكون صريحا في محل النزاع ، ولو امتنع مستحقوها من أخذها قوتلوا لتعطيلهم هذا الشعار العظيم كتعطيل الجماعة بناء على أنها فرض كفاية بل أولى ، ولو قال فرق هذا على المساكين لم يدخل فيهم ولا ممونه وإن نص على ذلك .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

[ ص: 167 ] قوله : والأظهر منع نقل الزكاة ) .

[ فرع ] ما حد المسافة التي يمتنع نقل الزكاة إليها ؟ فيه تردد ، والمتجه منه أن ضابطها في البلد ونحوه ما يجوز الترخص ببلوغه ، ثم رأيت حج مشى على ذلك في فتاويه .

فحاصله أنه يمتنع نقلها إلى مكان يجوز فيه القصر ويجوز إلى ما لا يجوز فيه القصر ا هـ سم على منهج ( قوله : والوصية ) أي فإنه يجوز فيها ، وقوله وإذا منعنا النقل : أي على المعتمد ( قوله : ولم يلزم إخراجها عنه حالا ) أي بأن كان على معسر مثلا أو مؤجلا [ ص: 168 ] قوله : باعتبار بلد المديون ) هذا يخالف ما مر في قوله لكن الأوجه أن له إلخ إلا أن يخص ما سبق بالدين الذي تجب الزكاة عنه حالا بأن كان حالا على موسر باذل وهذا يخص بخلافه ، وعليه فيمكن أن يفرق بأن ذاك لما وجبت زكاته آخر الحول ولم تكن عينه موجودة ولا توقف وجوب الإخراج على قبضه استوت الأماكن فيه ، وهذا لما لم يجب إخراج الزكاة فيه إلا بعد القبض التحق بالأعيان فاعتبر ببلد المديون ، وهو محل القبض ( قوله فله نقلها مطلقا ) أي سواء وجد المستحقون أم لا وسواء مال غيره وماله ; لأن ولايته عامة .

وقوله ومثله قاض : أي مثل الساعي ( قوله : بأن لم يولها الإمام غيره ) أي بأن ولاه الإمام ولم يول غيره .

وقوله حذرا من التشقيص مع الكراهة انظر ما طريقه في الخروج من الكراهة ، وقد يقال طريقه أن يدفعها للإمام أو الساعي ويخرج شاتين في البلدين ، ويكون متبرعا بالزيادة ، وقياس ما تقدم في بعير الزكاة أن يقع الجميع واجبا لعدم تأتي التجزئة ( قوله : والمال ببادية ) وكالبادية البحر لمسافر فيه فيصرف الزكاة لأقرب بلد إلى محل حولان الحول ، ولو كان المال للتجارة ولم تكن له قيمة في البحر أو قيمة قليلة بالنسبة لغير البحر فينبغي اعتبار أقرب محل من البر يرغب فيه بثمن مثله ، ومحله إذا لم يكن في السفينة من يصرف له كما يأتي ( قوله : ولو عدم ) من باب طرب ا هـ مختار ( قوله : قبض الساعي ) مفهومه أنه لا مؤنة عليه إذا دفعها للإمام ( قوله : وقوعها في خطر ) أي هلاك ( قوله : فإن وجد ) الأولى أو وجد ( قوله : فيرد بالنصب ) [ ص: 169 ] أي ; لأنه في جواب النفي ، ويجوز رفعه بتقدير مبتدإ : أي وإلا فهو يرد : أي يجب رده ( قوله : وإن نص على ذلك ) أي إعطاء نفسه وممونه وإن عين له المأخوذ من غير إفراز ; لأنه يصير قابضا مقبضا من نفسه فإن أفرزه جاز



حاشية المغربي

( قوله حرم ولم يجز ) بضم أول يجز قال الشهاب سم : قد يقال هذا هو المنع فترتيبه عليه ترتيب الشيء على نفسه ، إلا أن يقال : المراد إذا منعناه عممنا المنع ; لأنه قد يراد به أحد الأمرين فقط ( قوله : لكن الأوجه أن له ) أي الدائن .

[ فائدة ] قال ابن قتيبة في كتابه أدب الكاتب : قال الأصمعي : يقال رجل دائن إذا كثر ما عليه من الدين وقد دان فهو يدين دينا ، ولا يقال من الدين دين فهو مدين ، ولا يقال مديون أيضا إذا كثر عليه الدين ، ولكن يقال دين الملك فهو مدين إذا دان الناس له ، ويقال ادان الرجل مشدد الدال إذا أخذ بالدين فهو مدان . ا هـ . ( قوله : ومحله في دين يلزم المالك الإخراج عنه ) أي وهو في الذمة ( قوله : تعلق وجوب كل حول مر فيه ) عبارة التحفة : [ ص: 168 ] مر به انتهت .

وفيه متعلق بتعلق ولعل ما في الشارح تحريف ( قوله : مع الكراهة ) متعلق بإخراج ( قوله صرفها لمن معهم ) يعني يتعين عليهم ذلك كما هو ظاهر ( قوله : حرم وامتنع ) الأصوب حرم ولم يجز كما مر نظيره وهو كذلك [ ص: 169 ] في التحفة هنا



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث