الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب التيمم

جزء التالي صفحة
السابق

فوائد

الأولى : لو يممه غيره فحكمه حكم ما لو وضأه غيره ، على ما تقدم في آخر باب الوضوء على الصحيح من المذهب . وعليه أكثر الأصحاب ، واختار الآجري وغيره : لا يصح هنا ، لعدم قصده . الثانية : لو نوى وصمد وجهه للريح فعم التراب جميع وجهه : لم يصح على الصحيح من المذهب ، اختاره المصنف ، وابن عقيل ، وقدمه في الكافي ، وهو ظاهر كلام الخرقي . وقيل : يصح ، اختاره القاضي ، والشريف أبو جعفر ، وصاحب المستوعب ، والتلخيص والمجد ، والحاوي الكبير ، ومجمع البحرين ، وقدمه في الرعاية الكبرى . وأطلقهما في الشرح ، والزركشي ، والمذهب . وقيل : إن مسح أجزأ ، وإلا فلا ، وجزم به في الفائق [ وقدمه في الرعاية الكبرى ، واختاره ابن عقيل ، والشارح ] . [ ص: 289 ]

قلت : وهذا الصحيح قياسا على مسح الرأس ، وصحح في المغني عدم الإجزاء إذا لم يمسح ، ومع المسح حكى احتمالين . وأطلقهن في الفروع ، وابن تميم ، وابن عبيدان . الثالثة : لو سفت الريح غبارا . فمسح وجهه بما عليه : لم يصح ، وإن فصله ثم رده إليه ، أو مسح بغير ما عليه : صح . وذكر الأزجي : إن نقله من اليد إلى الوجه ، أو عكسه بنية : ففيه تردد . ويأتي إذا تيمم بيد واحدة ، أو بعض يد . أو بخرقة ونحوه ، بعد قوله " والسنة في التيمم أن ينوي قوله ( ويجب تعيين النية لما يتيمم له : من حدث أو غيره ) فشمل التيمم للنجاسة . فتجب النية لها على الصحيح من الوجهين ، صححه المجد ، وفي مجمع البحرين ، وقدمه ابن عبيدان ، وفي المغني ، والشرح في موضع . وهذا احتمال القاضي . وقيل : لا تجب النية لها كبدله ، وهو الغسل ، بخلاف تيمم الحدث ، وهو احتمال لابن عقيل [ في الفروع : والمنع اختاره ابن حامد ، وابن عقيل ، والظاهر : أنه أراد منع الصحة ] وأطلقهما في الفروع ، والرعاية ، وابن تميم ، والفائق ، وفي المغني ، والشرح ، في موضع . فعلى الأول : يكفيه تيمم واحد ، وإن تعددت مواضعها إن لم يكن محدثا ، وإن كان محدثا وعليه نجاسة فيأتي بعد هذا . قوله ( فإن نوى جميعها جاز ) ، هذا المذهب مطلقا . وعليه جماهير الأصحاب ، وقطع به كثير منهم . وقال ابن عقيل : إن كان عليه حدث ونجاسة : هل يكتفى بتيمم واحد ؟ ينبني على تداخل الطهارتين في الغسل . فإن قلنا : لا يتداخلان ، فهنا أولى .

لكونهما من جنسين ، وإن قلنا : يتداخلان هناك ، فالأشبه عندي : لا يتداخلان هنا ، كالكفارات والحدود إذا كانتا من جنسين . وأطلقهما ابن تميم . [ ص: 290 ] قوله ( وإن نوى أحدهما لم يجز عن الآخر ) اعلم أنه إذا كانت عليه أحداث . فتارة تكون متنوعة عن أسباب أحد الحدثين ، وتارة لا تتنوع . فإن تنوعت أسباب أحدهما ، ونوى بعضها بالتيمم . فإن قلنا في الوضوء : لا يجزئه عما لم ينوه . فهنا بطريق أولى ، وإن قلنا : يجزئ هناك أجزأ هنا على الصحيح ، صححه المجد في شرحه ، وصاحب مجمع البحرين . وقدم في الفائق ، والرعاية الكبرى في الحدث الأكبر . وقيل : لا يجزئ هنا . فلا يحصل له إلا ما نواه . ولو قلنا يرتفع جميعها في الوضوء لأن التيمم مبيح ، والوضوء رافع ، وهو ظاهر كلام المصنف هنا ، وجزم به في الحدث الأكبر في الرعاية الصغرى . وأطلقهما في الفروع ، وابن تميم ، وابن عبيدان . وقيل : إن كانا جنابة وحيضا أو نفاسا : لم يجزه ، وصححه بعضهم .

فائدتان :

إحداهما : لو تيمم للجنابة دون الحدث أبيح له ما يباح للمحدث : من قراءة القرآن ، واللبث في المسجد . ولم تبح له الصلاة ، والطواف ، ومس المصحف ، وإن أحدث لم يؤثر ذلك في تيممه ، وإن تيمم للجنابة والحدث ، ثم أحدث بطل تيممه للحدث ، وبقي تيمم الجنابة بحاله . ولو تيممت بعد طهرها من حيضها لحدث الحيض ، ثم أجنبت لم يحرم وطؤها على الصحيح من المذهب ، وصححه المصنف وغيره . وقال ابن عقيل : إن قلنا كل صلاة تحتاج إلى تيمم ، احتاج كل وطء إلى تيمم يخصه . الثانية : صفة التيمم : أن ينوي استباحة ما يتيمم له على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب . وقيل : يصح بنية رفع الحدث . فعلى المذهب : يعتبر معه تعيين ما يتيمم له قبل الحدث على الصحيح من المذهب . وقيل : إن ظن فائتة ، [ ص: 291 ] فلم تكن ، أو بان غيرها : لم يصح . قال في الفروع : وظاهر كلام ابن الجوزي : إن نوى التيمم فقط صلى نفلا . وقال أبو المعالي : إن نوى فرض التيمم ، أو فرض الطهارة : فوجهان . قوله : ( وإن نوى نفلا ، أو أطلق النية للصلاة : لم يصل إلا نفلا ) وهذا المذهب . وعليه جمهور الأصحاب ، وقطع به كثير منهم .

وقال ابن حامد : إن نوى استباحة الصلاة وأطلق : جاز له فعل الفرض والنفل . وخرجه المجد وغيره . وعنه من نوى شيئا له فعل أعلى منه . قوله ( وإن نوى فرضا فله فعله والجمع بين الصلاتين وقضاء الفوائت ) . به على الصحيح من المذهب . وعليه الجمهور . وقيل : لا يجمع في وقت الأولى . قال ابن تميم : له الجمع في وقت الثانية . وفي الجمع في وقت الأولى وجهان ، أصحهما : الجواز . وعنه لا يجمع به بين فرضين . ولا يصلي به فائتتين ، نص عليه في رواية ابن القاسم ، وبكر بن محمد . ذكره ابن عبيدان ، واختاره الآجري . قال في الرعاية وغيرها : وعنه يجب التيمم لكل صلاة فرض . فعليها : له فعل غيره مما شاء حتى يخرج الوقت . وفي الفروع : لو خرج الوقت وفيه نظر من النوافل ، والطواف ، ومس المصحف والقراءة ، واللبث في المسجد ، إن كان جنبا ، والوطء إن كانت حائضا على الصحيح ، صححه المجد وغيره ، وقدمه في الفروع ، وابن عبيدان ، ومجمع البحرين عليها .

وذكر في الانتصار وجها : أن كل نافلة تفتقر إلى تيمم . وقال : هو ظاهر نقل ابن القاسم ، وبكر بن محمد . ذكره في الفروع . وقال ابن عقيل : لا يباح الوطء بتيمم الصلاة على هذه الرواية ، إلا أن يطأ قبلها ، ثم لا تصلي به ، وتتيمم لكل وطء . وتقدم بعض ذلك عنه قريبا . وقال ابن الجوزي في المذهب ، فعليها : لو تيمم لصلاة الجنازة . فهل يصلي به [ ص: 292 ] أخرى ؟ على وجهين . قال في الفروع : وظاهر كلام غير واحد : إن تعينتا لم يصل ، وإلا صلى . انتهى .

وعليها أيضا : لو كان عليه صلاة من يوم لا يعلم عينها : لزمه خمس صلوات ، يتيمم لكل صلاة ، جزم به ابن تميم ، وابن عبيدان . وقيل : يجزئه تيمم واحد . وأطلقهما في الفروع . قال في الرعاية بعد أن حكى الرواية قلت : فعليها من نسي صلاة فرض من يوم ، كفاه لصلاة الخمس تيمم واحد ، وإن نسي صلاة من صلاتين ، وجهل عينها أعادهما بتيمم واحد ، وإن كانتا متفقتين من يومين ، وجهل جنسهما : صلى الخمس مرتين بتيممين . وكذلك إن كانتا مختلفتين من يوم وجهلهما . وقيل : يكفي صلاة يوم بتيممين . وإن كانتا مختلفتين من يوم ، فلكل صلاة تيمم . وقيل في المختلفتين من يوم أو يومين : يصلي الفجر ، والظهر ، والعصر ، والمغرب بتيمم . والظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء بتيمم آخر . انتهى .

وعلى الوجه الذي ذكره في الانتصار : لو نسي صلاة من يوم : صلى الخمس بتيمم لكل صلاة . قاله في الرعاية . وأما جواز فعل التنفل ، إذا نوى بتيممه الفرض : فهو المذهب مطلقا . وعليه جماهير الأصحاب ، وقطع به كثير منهم . وقيل : لا يجوز له التنفل به إلا إذا عين الفرض الذي يتيمم له . وعنه : لا يتنفل قبل الفريضة بغير الراتبة . وتقدم الوجه الذي ذكره في الانتصار : أن كل نافلة تحتاج إلى تيمم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث