الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1393 64 - (حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: أخبرني زيد، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة، فقال: أيها الناس تصدقوا، فمر على النساء، فقال: يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء، ثم انصرف فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله هذه زينب، فقال: أي الزيانب؟ فقيل: امرأة ابن مسعود، قال: نعم، ائذنوا لها، فأذن لها، قالت: يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم). [ ص: 32 ]

التالي السابق


[ ص: 32 ] مطابقته للترجمة تفهم من الوجه الذي ذكرناه في صدر الباب فليرجع إليه.

(ذكر رجاله) وهم سبعة:

الأول: سعيد بن أبي مريم، وهو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي.

الثاني: محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري.

الثالث: زيد بن أسلم أبو أسامة العدوي.

الرابع: عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري.

الخامس: أبو سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك.

وهذا الإسناد بعينه قد مر في كتاب الحيض في باب ترك الحائض الصوم مع المتن من قوله: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم " إلى قوله: "من إحداكن".

وفيه زيادة وهي قوله: "قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل، قلن: بلى؟ قال: فذاك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذاك من نقصان دينها". وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى، وبقية الحديث تأتي عن قريب في باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر.

(ذكر معناه):

قوله: "جاءت زينب امرأة ابن مسعود" .

وقال الطحاوي: زينب هذه هي رائطة، قال: ولا نعلم عبد الله تزوج غيرها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال الكلاباذي: رائطة هي المعروفة بزينب.

وقال ابن طاهر وغيره: امرأة ابن مسعود زينب، ويقال: اسمها رائطة. وأما ابن سعد وأبو أحمد العسكري وأبو القاسم الطبراني وأبو بكر البيهقي وأبو عمر بن عبد البر وأبو نعيم الحافظ وأبو عبد الله بن منده وأبو حاتم بن حبان فجعلوهما ثنتين، والله أعلم.

وقال صاحب التلويح: ومما يرجح القول الأول ما رويناه عن القاضي يوسف في كتاب الزكاة: حدثنا عبد الواحد بن غياث، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا هشام، عن عروة، عن عبد الله بن عبد الله الثقفي، عن أخته رائطة ابنة عبد الله وكانت امرأة ابن مسعود وكانت امرأة صناعا... الحديث.

قلت: روى أحمد في مسنده من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة "عن رائطة امرأة عبد الله بن مسعود وكانت امرأة صناع اليد، قال: فكانت تنفق عليه وعلى ولده من صنعتها .." الحديث.

وفيه: " فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنفقي عليهم فإن لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم " وإسناده صحيح.

قوله: "فقيل: يا رسول الله هذه زينب.." القائل هو بلال كما سيأتي عن قريب.

قوله: "فقال: أي الزيانب؟" أي أية زينب من الزيانب، وتعريف المثنى والمجموع من الأعلام إنما هو بالألف واللام.

قوله: "ائذنوا لها فأذن لها، قالت: يا نبي الله.." إلى آخره لم يبين أبو سعيد ممن سمع ذلك فإن كان حاضرا عند النبي صلى الله عليه وسلم حال المراجعة المذكورة فهو من مسنده، وإلا فيحتمل أن يكون حمله عن زينب صاحبة القصة، فيكون فيه رواية الصحابي عن الصحابية.

(ذكر ما يستفاد منه):

احتج بهذا الحديث الشافعي وأحمد في رواية، وأبو ثور وأبو عبيد وأشهب من المالكية، وابن المنذر وأبو يوسف ومحمد وأهل الظاهر، وقالوا: يجوز للمرأة أن تعطي زكاتها إلى زوجها الفقير.

وقال القرافي: كرهه الشافعي وأشهب واحتجوا أيضا بما رواه الجوزجاني "عن عطاء قالت: أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة، فقالت: يا رسول الله إن علي نذرا أن أتصدق بعشرين درهما وإن لي زوجا فقيرا، أفيجزئ عني أن أعطيه؟ قال: نعم، كفلان من الأجر".

وقال الحسن البصري والثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية وأبو بكر من الحنابلة: لا يجوز للمرأة أن تعطي زوجها من زكاة مالها، ويروى ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه، وأجابوا عن حديث زينب بأن الصدقة المذكورة فيه إنما هي من غير الزكاة.

وقال الطحاوي: وقد بين ذلك ما حدثنا يونس، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا الليث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله "عن رائطة بنت عبد الله امرأة عبد الله بن مسعود وكانت امرأة صنعا، وليس لعبد الله بن مسعود مال، وكانت تنفق عليه وعلى ولده معها، فقالت: والله لقد شغلتني أنت وولدك عن الصدقة، فما أستطيع أن أتصدق معكم بشيء؟ فقال: ما أحب أنه لم يكن لك في ذلك أجر أن تفعلي. فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هي وهو، فقالت: يا رسول الله إني امرأة ذات صنعة أبيع منها، وليس لولدي ولا لزوجي شيء، فشغلوني فلا أتصدق، فهل لي فيهم أجر؟ فقال: لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم فأنفقي عليهم" ففي هذا الحديث أن تلك الصدقة مما لم يكن فيه زكاة، والدليل على أن الصدقة كانت تطوعا كما ذكرنا قولها: "كنت امرأة صنعا، أصنع بيدي فأبيع من ذلك فأنفق على عبد الله.

فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المراد من الصدقة التطوع في حق ولدها وصدقة الفرض في حق زوجها عبد الله؟

قلت: لا مساغ لذلك لامتناع الحقيقة والمجاز حينئذ [ ص: 33 ] ومما يدل على ما قلنا قولها: "وكان عندي حلي فأردت أن أتصدق" ولا تجب الصدقة في الحلي عند بعض العلماء، ومن يجيزه لا يكون الحلي كله زكاة إنما يجب جزء منه.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم" والولد لا تدفع إليه الزكاة إجماعا.

وقال بعضهم: احتج الطحاوي لقول أبي حنيفة، فأخرج من طريق رائطة امرأة ابن مسعود أنها كانت امرأة صنعا اليدين، فكانت تنفق عليه وعلى ولده، قال: فهذا يدل على أنها صدقة تطوع، وأما الحلي فإنما يحتج به على من لا يوجب فيه الزكاة، وأما من يوجبه فلا.

وقد روى الثوري، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال ابن مسعود لامرأته في حليها: إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة، فكيف يحتج الطحاوي بما لا يقول به؟

قلت: لو فهم هذا القائل موضع احتجاج الطحاوي من هذا الحديث لكان سكت عما قاله، وموضع احتجاجه هو قولها: "إني امرأة ذات صنعة أبيع منها" إلى آخر ما ذكرناه عنه آنفا، فكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابا لها في سؤالها، وليس في احتجاجه بهذا مفتقرا إلى الاحتجاج بأمر الحلي، سواء كان فيه الزكاة أو لم يكن.

قال هذا القائل أيضا: والذي يظهر لي أنهما قضيتان، إحداهما في سؤالها عن تصدقها بحليها على زوجها وولده، والأخرى في سؤالها عن النفقة.

قلت: الذي يظهر من هذا الحديث خلاف ما ظهر له؛ لأن في الحديث سؤالها عن الصدقة التي أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لهن بها، وأجابها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم، فمن أين السؤالان فيه؟ ومن أين الجوابان عنهما؟

وقال هذا القائل أيضا: واحتجوا أيضا بأن ظاهر قوله في حديث ابن سعيد المذكور: "زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم" دال على أنها صدقة تطوع؛ لأن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره. وفي هذا الاحتجاج نظر؛ لأن الذي يمتنع إعطاؤه من الصدقة الواجبة من يلزم المعطي نفقته، والأم لا يلزمها نفقة ولدها مع وجود أبيه.

قلت: يلزم الأم نفقة ولدها إذا كان أبوه فقيرا عاجزا عن التكسب جدا، وذكر أصحابنا أن الأب إذا كان معسرا كسوبا وله ابن زمن وله أم موسرة هل تؤمر بالإنفاق على الابن؟

اختلف المشايخ فيه، قيل: تؤمر. وقيل: لا ترجع الأم على الأب، وهو مروي عن أبي حنيفة نصا، انتهى. وقيل: قوله: "ولدك" محمول على أن الإضافة للتربية لا للولادة، فكأنه ولده من غيرها.

قلت: هذا ارتكاب المجاز بغير قرينة، وهو غير صحيح، وقد خاطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "وولدك" فدل على أنه ولدها حقيقة، ويدل عليه ما جاء في حديث آخر: "أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟" وفي معجم الطبراني: " أيجزئ أن أجعل صدقتي فيك وفي بني أخي أيتام .. " الحديث، وفي رواية: " يا رسول الله هل لي من أجر أن أتصدق على ولد عبد الله من غيري؟ " وإسنادهما جيد، وللبيهقي: كنت أعول عبد الله ويتامى.

وقيل: اعتل من منعها من إعطائها زكاتها لزوجها بأنها تعود إليها في النفقة، فكأنها ما خرجت عنها، وجوابه أن احتمال رجوع الصدقة إليها واقع في التطوع أيضا.

قلت: ليست الصدقة كالزكاة؛ لأن عود الزكاة إليها في النفقة يضر، فتصير كأنها ما خرجت، بخلاف الصدقة فإن احتمال عودها إليها لا يضر، فخروجها وعدمه سواء.

وأما مسألة الحلي ففيها خلاف بين العلماء، فقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: تجب فيها الزكاة، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد ومجاهد والزهري وطاوس وميمون بن مهران والضحاك وعلقمة والأسود وعمر بن عبد العزيز وذر الهمداني والأوزاعي وابن شبرمة والحسن بن حي.

وقال ابن المنذر وابن حزم: الزكاة واجبة بظاهر الكتاب والسنة.

وقال مالك وأحمد وإسحاق والشافعي رضي الله تعالى عنهم في أظهر قوليه: لا تجب الزكاة فيها، وروي ذلك عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة والقاسم بن محمد والشعبي، وكان الشافعي يفتي بهذا في العراق وتوقف بمصر، وقال: هذا مما أستخير الله فيه.

وقال الليث: ما كان من حلي يلبس ويعار فلا زكاة فيه، وإن اتخذ للتحرز عن الزكاة ففيه الزكاة.

وقال أنس: يزكي عاما واحدا لا غير، واستدل من أسقط الزكاة بحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس في الحلي زكاة" ذكره في الإمام، وعن جابر أنه كان يرى الزكاة في كثير الحلي دون قليلها، وروى عبد الرزاق: أخبرنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: لا زكاة في الحلي، وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن [ ص: 34 ] ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تلي بنات أختها يتامى في حجرها فلا تخرج من حليهن الزكاة. وأخرج الدارقطني، عن شريك، عن علي بن سليمان، قال: سألت أنس بن مالك عن الحلي، فقال: ليس فيه زكاة، وروى الشافعي ثم البيهقي من جهة: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن خالد يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي: أفيه زكاة؟ فقال جابر: لا، وإن كان يبلغ ألف دينار.

وأخرج الدارقطني من حديث هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تحلي بناتها الذهب ولا تزكيه نحوا من خمسين ألفا.

واحتج من رأى فيها الزكاة بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده " أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها بنت لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قالت: فخلعتهما فألقيتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: هما لله ولرسوله ". رواه أبو داود والنسائي ، وقال: ولا يصح في هذا الباب شيء.

قلت: قال ابن القطان في كتابه: إسناده صحيح.

وقال الحافظ المنذري : إسناده لا مقال فيه فإن أبا داود رواه عن أبي كامل الجحدري وحميد بن مسعدة، وهما من الثقات، احتج بهما مسلم، وخالد بن الحارث إمام فقيه احتج به البخاري ومسلم، وكذلك حسين بن ذكوان المعلم احتجا به في الصحيح، ووثقه ابن المديني وابن معين وأبو حاتم، وعمرو بن شعيب ممن قد علم، وهذا إسناد تقوم به الحجة إن شاء الله تعالى.

فإن قلت: أخرج الترمذي من حديث ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن جده قال: أتت امرأتان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما: أتؤديان زكاة هذا؟ قالتا: لا، فقال: أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من نار؟ قالتا: لا، قال: فأديا زكاته.

وقال الترمذي: ورواه ابن المثنى بن الصباح، عن عمر بن شعيب نحو هذا، وابن لهيعة وابن الصباح يضعفان في الحديث، ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء.

قلت: قال المنذري: لعل الترمذي قصد الطريقين اللذين ذكرهما، وإلا فطريق أبي داود لا مقال فيه، واحتجوا أيضا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، رواه أبو داود من حديث عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: دخلنا على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، قال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار . وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

قلت: الحديث على شرط مسلم، ولا يلزم من قول الترمذي: لا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء أن لا يصح عند غيره، فافهم.

واحتجوا أيضا بحديث أسماء بنت يزيد، أخرجه أحمد في مسنده: حدثنا علي بن عاصم، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد ، قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلينا أسورة من ذهب، فقال لنا: أتعطيان زكاتها؟ فقلنا: لا، قال: أما تخافان أن يسوركما الله أسورة من نار؟ أديا زكاتها .

فإن قلت: قال ابن الجوزي: وعلي بن عاصم رماه يزيد بن هارون بالكذب، وعبد الله بن خيثم، قال ابن معين: أحاديثه ليست بالقوية، وشهر بن حوشب قال ابن عدي: لا يحتج بحديثه.

قلت: ذكر في الكمال: وسئل أحمد عن علي بن عاصم، فقال: هو والله عندي ثقة، وأنا أحدث عنه. وعبد الله بن خيثم قال ابن معين: هو ثقة حجة، وشهر بن حوشب قال أحمد: ما أحسن حديثه! ووثقه، وعن يحيى: هو ثقة. وقال أبو زرعة: هو لا بأس به، فظهر من هذا كله سقوط كلام ابن الجوزي وصحة الحديث.

واحتجوا أيضا بحديث فاطمة بنت قيس رواه الدارقطني في سننه، عن نصر بن مزاحم، عن أبي بكر الهذلي، أخبرنا شعيب بن الحجاب، عن الشعبي قال: سمعت فاطمة بنت قيس تقول: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بطوق فيه سبعون مثقالا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، خذ منه الفريضة. فأخذ منه مثقالا وثلاثة أرباع مثقال ".

وقال الدارقطني : أبو بكر الهذلي متروك، لم يأت به غيره، واحتجوا أيضا بحديث أم سلمة، أخرجه أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا عتاب، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة ، قالت: " كنت ألبس أوضاحا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز ". وأخرجه الحاكم أيضا في مستدركه، وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ولفظه: "إذا أديت زكاته فليس بكنز".

فإن قلت: رواه البيهقي وقال: تفرد به ثابت بن عجلان. وقال ابن الجوزي في التحقيق: محمد بن مهاجر، قال ابن حبان: يضع الحديث على [ ص: 35 ] الثقات.

قلت: قال في تنقيح التحقيق: لا يضر تفرد ثابت به فإنه روى له البخاري، ووثقه ابن معين.

وقال فيه أيضا: الذي قيل في محمد بن مهاجر وهم، فإن محمد بن مهاجر الكذاب ليس هو هذا، فهذا الذي يروي عن ثابت بن عجلان ثقة شامي، أخرج له مسلم في صحيحه، ووثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة ودحيم وأبو داود وآخرون، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان متقنا. وأما محمد بن مهاجر الكذاب فإنه متأخر، وعتاب بن بشير وثقه ابن معين.

وأما حديث جابر الذي احتجت به الفرقة الأولى فقد قال البيهقي : فهو حديث لا أصل له.

وفيه عافية بن أيوب وهو مجهول، فمن احتج به مرفوعا كان مغرورا بدينه داخلا فيما يعيب به ممن يحتج بالكذابين.

قلت: هذا غريب من البيهقي مع تعصبه للشافعي.

وقال سبط ابن الجوزي : هو حديث ضعيف مع أنه موقوف على جابر.

قوله: "مسكتان" تثنية مسكة بالفتحات، وهو السوار من الدبل وهي قرون الأوعال.

وقيل: جلود دابة بحرية، والجمع مسك.

وقيل: الدبل ظهر السلحفات البحرية.

والفتخات -بفتح التاء المثناة من فوق وبالخاء المعجمة- جمع فتخة بالتحريك، وهي حلقة من فضة لا فص لها، فإذا كان فيها فص فهي خاتم.

وقال عبد الرزاق: هي الخواتيم العظام.

وقيل: خواتيم عراض الفصوص ليست بمستقيمة.

وقيل: خلخل لا جرس له، والفتخ تلبس في الأيدي. وقيل: في الأرجل، والأوضاح جمع وضح بفتح الضاد المعجمة وفي آخره حاء مهملة، وهو نوع من الحلي يعمل من الفضة، سميت به لبياضها، ثم استعملت في التي يعمل من الذهب أيضا.

وقيل: حلي من الدراهم الصحيحة، والوضح الدرهم الصحيح.

وقيل: حلي من الحجارة.

وقيل: الأوضاح الخلاخل.

ومما يستفاد من الحديث المذكور:

استئذان النساء على الرجال.

وفيه أنه إذا لم ينسب إليه من يستأذن سأل أن ينسب.

وفيه الحث على الصدقة على الأقارب.

وفيه ترغيب ولي الأمر في أفعال الخير للرجال والنساء.

وفيه التحدث مع النساء الأجانب عند أمن الفتنة.


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث