الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر

1397 68 - (حدثنا عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثني شقيق، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله رضي الله عنهما، قال: فذكرته لإبراهيم، فحدثني إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله بمثله سواء، قالت: كنت في المسجد، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: تصدقن ولو من حليكن، وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها، قال: فقالت لعبد الله: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتامي في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت امرأة من الأنصار على الباب حاجتها مثل حاجتي، فمر علينا بلال، فقلنا: سل النبي صلى الله عليه وسلم، أيجزي عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟ وقلنا: لا تخبر بنا، فدخل فسأله، فقال: من هما؟ قال: زينب، قال: أي الزيانب؟ قال: امرأة عبد الله، قال: نعم، ولها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة).

التالي السابق


مطابقته للترجمة ظاهرة.

(ذكر رجاله) وهم ثمانية:

الأول: عمر بن حفص أبو حفص النخعي، وقد تكرر ذكره.

الثاني: أبو حفص بن غياث بن طلق.

الثالث: سليمان الأعمش.

الرابع: شقيق أبو وائل، وقد مر عن قريب.

الخامس: عمرو بن الحارث بن أبي ضرار -بكسر الضاد المعجمة- الخزاعي ثم المصطلقي -بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الطاء المهملة وكسر اللام وبالقاف- أخو جويرية بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم، له صحبة.

السادس: إبراهيم النخعي.

السابع: أبو عبيدة -بضم العين- واسمه عامر بن عبد الله بن مسعود، ويقال: اسمه كنيته.

الثامن: زينب بنت معاوية، ويقال: بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب الثقفية، ويقال لها: رائطة، وقد ذكرناه في باب الزكاة على الأقارب.

(ذكر لطائف إسناده):

فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد في موضعين.

وفيه العنعنة في خمسة مواضع.

وفيه القول في موضعين.

وفيه أن رواته كلهم كوفيون ما خلا عمرو بن الحارث.

وفيه رواية صحابي عن صحابية وهما عمرو وزينب.

وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي في الطريق الأول وهما الأعمش وشقيق.

وفيه أربعة من التابعين وهم [ ص: 43 ] الأعمش وشقيق وإبراهيم وأبو عبيدة.

وفيه أن الأعمش روى هذا الحديث عن شيخين وهما شقيق وإبراهيم; لأن الأعمش قال في الطريق الأول: حدثني شقيق. وقال في الطريق الثاني: فحدثني إبراهيم، ففي هذه الطريق ثلاثة من التابعين متوالية.

وفيه رواية الابن عن الأب.

وفيه لفظ الذكر وهو قوله: "قال فذكرته لإبراهيم" القائل هو الأعمش، أي: ذكرت الحديث لإبراهيم النخعي.

(ذكر من أخرجه غيره) أخرجه مسلم في الزكاة عن أحمد بن يوسف السلمي، عن عمرو بن حفص بإسناده نحو إسناد البخاري، وأخرجه أيضا عن الحسن بن الربيع، عن أبي الأحوص، عن الأعمش، عن شقيق به ولم يذكر حديث إبراهيم.

وأخرجه الترمذي فيه، عن هناد، عن أبي معاوية، عن الأعمش وعن محمود بن غيلان.

وأخرجه النسائي في عشرة النساء، عن إبراهيم بن يعقوب، عن عمر بن حفص، وعن بشر بن خالد.

وأخرجه ابن ماجه في الزكاة عن علي بن محمد والحسن بن محمد بن الصباح ببعضه.

(ذكر معناه):

قوله: "كنت في المسجد فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم" إلى آخره زيادة على ما في حديث أبي سعيد الذي مضى عن قريب.

قوله: "من حليكن" بفتح الحاء وسكون اللام مفردا وبضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمعا.

قوله: "أيجزي" بفتح الياء معناه: هل يكفي عني؛ لأن الهمزة فيه للاستفهام، وكان الظاهر يقتضي أن يقال: "عنا" وكذلك يقال: "ننفق" بالنون المصدرة للجماعة، ولكن لما كان المراد كل واحدة منا ذكرت بذاك الأسلوب، أو اكتفت زينب في الحكاية بحال نفسها.

قوله: "فوجدت امرأة من الأنصار" وفي رواية الطيالسي: "فإذا امرأة من الأنصار يقال لها زينب" وكذا أخرجه النسائي من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، وزاد من وجه آخر عن علقمة "عن عبد الله قال: انطلقت امرأة عبد الله -يعني ابن مسعود- وامرأة أبي مسعود، يعني عقبة بن عمرو الأنصاري".

وقال بعضهم: لم يذكر ابن سعد لأبي مسعود امرأة أنصارية سوى هزيلة بنت ثابت بن ثعلبة الخزرجية، فلعل لها اسمين، أو وهم من سماها زينب؛ انتقالا من اسم امرأة عبد الله إلى اسمها.

قلت: عدم ذكر ابن سعد لأبي مسعود امرأة غير هزيلة المذكورة لا يستلزم أن لا يكون له امرأة أخرى.

قوله: "وأيتام لي في حجري" وفي رواية الطيالسي: "هم بنو أخيها وبنو أختها" وفي رواية النسائي من طريق علقمة: "لإحداهما فضل مال، وفي حجرها بنو أخ لها أيتام، وللأخرى فضل مال وزوج خفيف اليد" وهو كناية عن الفقر.

قوله: "لا تخبر بنا" خطاب لبلال، أي: لا تعين اسمنا، ولا تقل: إن السائلة فلانة، بل قل: يسألك امرأتان مطلقا.

قال الكرماني: فإن قلت: فلم خالف بلال قولهما وهو إخلاف للوعد وإفشاء للسر؟ قلت: عارضه سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن جوابه واجب متحتم لا يجوز تأخيره، فإذا تعارضت المصلحتان بدئ بأهمهما.

فإن قلت: كان الجواب المطابق للفظ هو أن يقال: زينب وفلانة.

قلت: الأخرى محذوفة، وهي أيضا اسمها زينب الأنصارية، وزوجها أبو مسعود الأنصاري، ووقع الاكتفاء باسم من هي أكبر وأعظم منهما.

قوله: "لها أجران أجر القرابة" أي: أجر صلة الرحم "وأجر الصدقة" أي: أجر منفعة الصدقة.

فإن قلت: في حديث أبي سعيد الذي في باب الزكاة على الأقارب أنها شافهته بالسؤال وشافهها؛ لقوله فيه: "قالت: يا نبي الله" وقوله فيه "صدقة زوجك" وهاهنا لم تشافهه بالسؤال ولا شافهها بالجواب.

قلت: يحتمل أن تكونا قضيتين.

وقيل: يجمع بينهما بأن تحمل هذه المراجعة على المجاز، وإنما كانت على لسان بلال.

قلت: فيه نظر لا يخفى، وبقية الأبحاث مضت في باب الزكاة على الأقارب.


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث