الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل وهل يترك الصبي فيمس تمر الصدقة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1414 85 - حدثنا عمر بن محمد بن الحسن الأسدي قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالتمر عند صرام النخل، فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره حتى يصير عنده كوما من تمر، فجعل الحسن والحسين رضي الله عنهما يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة فجعله في فيه، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجها من فيه فقال: أما علمت أن آل محمد صلى الله عليه وسلم لا يأكلون الصدقة.

التالي السابق


مطابقته للترجمتين ظاهرة; لأن مطابقته للأولى في قوله: "عند صرام النخل" وللثانية في قوله: "فجعل الحسن" إلى آخره.

(ذكر رجاله) وهم خمسة:

الأول: عمر بن محمد بن الحسن المعروف بابن التل -بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد اللام- الأسدي بسكون السين المهملة، وحكى الغساني "الأزدي" بالزاي بدل السين، مات سنة خمسين ومائتين.

الثاني: أبوه محمد بن الحسن أبو جعفر، مات سنة مائتين.

الثالث: إبراهيم بن طهمان -بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء- مر في باب القسمة وتعليق القنو في المسجد.

الرابع: محمد بن زياد -بكسر الزاي وخفة الياء آخر الحروف- مر في باب غسل الأعقاب.

الخامس: أبو هريرة.

(ذكر لطائف إسناده) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع.

وفيه العنعنة في موضعين.

وفيه القول في موضع واحد.

وفيه أن شيخه من أفراده، وأنه أول ما ذكره هنا، وأنه وأباه كوفيان، وإبراهيم هروي سكن نيسابور ثم سكن مكة، وأن محمد بن زياد مدني.

وفيه رواية الابن عن الأب.

(ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره) قد أخرج البخاري رحمه الله تعالى هذا الحديث من طريق شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن قريب، يأتي في باب ما يذكر في الصدقة للنبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرجه أيضا في الجهاد عن محمد بن بشار.

وأخرجه مسلم من طريق شعبة هذا عن محمد هو ابن زياد، سمع أبا هريرة يقول: "أخذ الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كخ كخ" ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة" وفي رواية له: "إنا لا تحل لنا الصدقة".

وأخرجه النسائي في السير، عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة.

وفي الباب عن أبي رافع وأنس وأبي هريرة والحسن بن علي وابن عباس وعبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن علقمة ومعاوية بن حيدة وعبد المطلب بن ربيعة وأبي ليلى وبريدة بن حصيب وسلمان الفارسي وهرمز أو كيسان مولى النبي صلى الله عليه وسلم ورشيد بن مالك، وميمون أو مهران والحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم.

فحديث أبي رافع أخرجه أبو داود قال: حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا شعبة، عن الحكم، عن ابن رافع "عن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني فإنك تصيب منها فقال: حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: مولى القوم من أنفسهم وإنا لا تحل لنا الصدقة" واسم أبي رافع إبراهيم أو أسلم أو ثابت أو هرمز مولى النبي صلى الله عليه وسلم، واسم ابنه عبيد الله كاتب علي رضي الله تعالى عنه.

قوله: "ورجلا" هو الأرقم بن أبي الأرقم القرشي المخزومي.

وأخرجه النسائي أيضا عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن شعبة. وحديث أنس أخرجه الشيخان، وسنذكره إن شاء الله تعالى.

وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم ولفظه: "والله إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي أو في [ ص: 79 ] بيتي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها".

وحديث الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير من رواية أبي الحوراء قال: كنا عند الحسن بن علي فسئل: ما عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كنت أمشي معه فمر على جرين من تمر الصدقة فأخذت تمرة فألقيتها في فمي فأخذها بلعابها، فقال بعض القوم: وما عليك لو تركتها؟ فقال: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة " وإسناده صحيح.

وحديث ابن عباس رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير من حديث عكرمة عنه قال: "استعمل النبي صلى الله عليه وسلم الأرقم بن أبي الأرقم على السعاية فاستتبع أبا رافع، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: يا أبا رافع إن الصدقة حرام علي وعلى آل محمد، وإن مولى القوم من أنفسهم ".

وحديث عبد الله بن عمرو رواه أحمد، حدثنا وكيع، حدثنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة تحت جنبه من الليل فأكلها فلم ينم تلك الليلة" فقال بعض نسائه: يا رسول الله أرقت البارحة، قال: إني وجدت تمرة فأكلتها، وكان عندنا تمر من تمر الصدقة فخشيت أن تكون منه".

وحديث عبد الرحمن بن علقمة أخرجه النسائي عنه قال: "قدم وفد الثقيف على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومعهم هدية فقال: أهدية أم صدقة؟" الحديث.

وفيه "قالوا: لا بل هدية، فقبلها منهم، وقعد معهم يسائلهم ويسائلونه حتى صلى الظهر مع العصر".


وحديث معاوية بن حيدة رواه الترمذي عن بندار محمد بن بشار، حدثنا مكي بن إبراهيم ويوسف بن سعد الضبعي قالا: حدثنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بشيء سأل أصدقة هي أم هدية؟ فإن قالوا: صدقة، لم يأكل، وإن قالوا: هدية أكل" وجد بهز بن حكيم اسمه معاوية بن حيدة القريشي.

وأخرجه النسائي أيضا.

وحديث عبد المطلب بن ربيعة رواه مسلم وأبو داود والنسائي مطولا.

وفيه "إن الصدقة لا تنبغي إنما هي أوساخ الناس" وفي رواية: "إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد". الحديث.

وحديث أبي ليلى رواه الطبراني في الكبير من رواية شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى "عن أبي ليلى قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيت الصدقة ومعه الحسن رضي الله تعالى عنه فأخذ تمرة فوضعها في فيه، فأدخل النبي صلى الله عليه وسلم إصبعه فأخرجها من فيه ثم قال: إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة.

وحديث بريدة بن حصيب رواه أحمد والترمذي في الشمائل من رواية الحسن بن واقد "عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: جاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، فوضعها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذا يا سلمان؟ قال: صدقة عليك وعلى أصحابك، قال: ارفعها فإنا لا نأكل الصدقة".

وحديث سلمان رضي الله تعالى عنه رواه أحمد والحاكم في المستدرك من رواية أبي ذر الكندي، عن سلمان رضي الله تعالى عنه "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما قدم المدينة" الحديث.

وفيه "فسأله أصدقة أم هدية؟ فقال: هدية، فأكل "اللفظ للحاكم، وروى أحمد من رواية أبي الطفيل "عن سلمان قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة".

وحديث هرمز أو كيسان رواه الطحاوي، حدثنا ربيع المؤذن قال: حدثنا أسد قال: حدثنا ورقاء بن عمر "عن عطاء بن السائب رضي الله عنه قال: دخلت على أم كلثوم بنت علي رضي الله تعالى عنهما فقالت: إن مولى لنا يقال له: هرمز أو كيسان أخبرني أنه مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني فجئت، فقال: يا فلان إنا أهل بيت قد نهينا أن نأكل الصدقة، وإن مولى القوم من أنفسهم فلا تأكل الصدقة" وأخرجه أحمد في مسنده.

وقال مهران: وأخرجه البغوي في (معجم الصحابة) وقال: هرمز.

وأخرجه ابن أبي شيبة وقال: كيسان.

وأخرجه عبد الرزاق وقال: ميمون أو مهران.

وحديث رشيد -بضم الراء وفتح الشين المعجمة - بن مالك بن عميرة السعدي التميمي الصحابي عداده في الكوفيين، ويكنى بأبي عميرة -بفتح العين وكسر الميم - أخرجه الطحاوي عنه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتي بطبق عليه تمر فقال: أصدقة أم هدية؟ قال: بل صدقة، فوضعه بين يدي القوم، والحسن يتعفر بين يديه وأخذ الصبي تمرة فجعلها في فيه، فأدخل النبي صلى الله عليه وسلم إصبعه فجعل يترفق به فأخرجها فقذفها ثم قال: إنا آل محمد لا نأكل الصدقة.

وأخرجه الكجي في (مسنده) نحوه.

قوله: "يتعفر" أي: يتمرغ بالتراب؛ لأنه كان صغيرا يلعب.

وحديث ميمون أو مهران رواه عبد الرزاق، وقد [ ص: 80 ] ذكرناه الآن.

وحديث الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما رواه أحمد في (مسنده)، حدثنا وكيع قال: حدثنا ثابت بن عمارة عن ربيعة بن شيبان قال: (قلت) للحسين بن علي: ما تعقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: صعدت غرفة فأخذت تمرة فلكتها في في، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألقها، فإنا لا تحل لنا الصدقة، وقد تقدم حديث الحسن بن علي نحو هذا، وكلاهما من رواية أبي الحوراء عنه، وأبو الحوراء هو ربيعة بن شيبان. قال شيخنا زين الدين: الظاهر أنهما واقعتان لكل واحد واحدة، فالحسن مر على جرين تمر، والحسين صعد غرفة فيها تمر الصدقة.

ورواه الطبراني، وفي روايته الحسن مكبر، وطرق حديثه أكثر من طرق حديث الحسين. والله أعلم.

(ذكر معناه):

قوله: "عند صرام النخل" أي: عند جذاذه، وهو قطع التمرة منه، وقد ذكرناه.

قوله: "كوما" بفتح الكاف وسكون الواو وهو معروف، وأصله القطع العظيمة من الشيء، والمراد به ما اجتمع من التمر كالصرمة.

وقال الكرماني: كوما بضم الكاف.

وقال الجوهري: يقال: كومت كومة بالضم إذا جمعت قطعة من تراب ورفعت رأسها، وهو في الكلام بمنزلة قولك: صبرة من الطعام. قال: وفي بعض الرواية بالفتح وانتصاب "كوما" على أنه خبر يصير، أي: "حتى يصير التمر عنده كوما" ويروى "كوم" بالرفع على أنه اسم يصير، ويكون يصير تامة فلا تحتاج إلى خبر.

قوله: "من تمر" كلمة من بيانية.

وقال الكرماني: قال أولا "بثمرة" يعني بالباء، وهنا قال: "من تمر" يعني بكلمة (من) لأن في الأول ذكر المجيء به، وفي الثاني المجيء عنه وهما متلازمان، وإن تغايرا مفهوما.

قوله: "فأخذ أحدهما" وهو الحسن مكبر، كما سيأتي بعد بابين من رواية شعبة عن محمد بن زياد بلفظ: فأخذ الحسن بن علي.

قوله: "فجعله" إنما ذكر الضمير الذي يرجع إلى التمرة باعتبار المأخوذ، وفي رواية الكشميهني "فجعلها" أي: التمرة على الأصل.

قوله: "في فيه" أي: في فمه، وفي الفم تسع لغات: تثليث الفاء مع تخفيف الميم والنقص، وفتح الفاء وضمها مع تشديد الميم، وفتحها وضمها وكسرها مع التخفيف والقصر.

قوله: "وحكى ابن الأعرابي" في تثنيته فموان وفميان، وحكى اللحياني أنه يقال: فم وأفمام، واللغة التاسعة: النقص وإتباع الفاء الميم في الحركات الإعرابية، تقول: هذا فمه ورأيت فمه ونظرت إلى فمه.

قوله: "أما علمت" ويروى بدون همزة الاستفهام لكنها مقدرة.

قوله: "إن آل محمد" آل النبي صلى الله عليه وسلم بنو هاشم خاصة عند أبي حنيفة ومالك، وعند الشافعي هم بنو هاشم وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية، قال القاضي: وقال بعض العلماء: هم قريش كلها.

وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي، وبنو هاشم هم آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث بن عبد المطلب، وهاشم هو ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة فافهم.

وفي (التوضيح): وقالت المالكية: بنو هاشم آل وما فوق غالب ليس بآل، وفيما بينهما قولان.

وقال أصبغ: هم عترته الأقربون الذين ناداهم حين أنزل الله: وأنذر عشيرتك الأقربين وهم آل عبد المطلب وهاشم وعبد مناف وقصي وغالب، وقد قيل: قريش كلها.

وقال ابن حبيب: لا يدخل في آله من كان فوق بني هاشم من بني عبد مناف أو من قصي أو غيرهم، وكذا فسر ابن الماجشون ومطرف، وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة.

وعلى قول أصبغ لا يأخذها الخلفاء الثلاثة الأول ولا عبد الرحمن ولا سعد بن أبي وقاص ولا طلحة ولا الزبير ولا سعد ولا أبو عبيدة. وقال: الأصح عندنا إلحاق مواليهم بهم، وبه قال الكوفيون والثوري وعند المالكية قولان لابن القاسم وأصبغ، قال أصبغ: احتججت على ابن القاسم بالحديث: "مولى القوم منهم" فقال: قد جاء حديث آخر: "ابن أخت القوم منهم" فكذلك حديث المولى، وإنما تفسير مولى القوم منهم في البر كما في حديث "أنت ومالك لأبيك " أي: في البر لا في القضاء واللزوم.

ونقل ابن بطال، عن مالك والشافعي وابن القاسم الحل، وما حكاه عن الشافعي غريب.

(ذكر ما يستفاد منه) فيه أن الصدقة لا تحل لآل محمد، وفي (الذخيرة) للقرافي: إن الصدقة محرمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إجماعا. وفي (المغني): الظاهر أن الصدقة فرضها ونفلها كانت محرمة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

وقال ابن شداد في (أحكامه): اختلف الناس في تحريم الصدقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن تيمية في الصدقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهين، وللشافعي قولين قال: وإنما تركها تنزها.

وعن أحمد حل صدقة التطوع له، وفي (نهاية المطلب): يحرم [ ص: 81 ] فرضها ونفلها على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، والأئمة على تحريمها على قرابته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.

وقال الأبهري المالكي: يحل لهم فرضها ونفلها، وهو رواية عن أبي حنيفة.

وقال الإصطخري: إن منعوا الخمس جاز صرف الزكاة إليهم، وروى ابن أبي سماعة عن أبي يوسف أن زكاة بني هاشم تحل لبني هاشم، ولا يحل ذلك لهم من غيرهم، وفي (الينابيع): يجوز للهاشمي أن يدفع زكاته للهاشمي عند أبي حنيفة ولا يجوز عند أبي يوسف، وفي (جوامع الفقه): يكره للهاشمي عند أبي يوسف خلافا لمحمد.

وروى أبو عصمة، عن أبي حنيفة جواز دفعها إلى الهاشمي في زمانه، قال الطحاوي: هذه الرواية عن أبي حنيفة ليست بالمشهورة، وفي (المبسوط) يجوز دفع صدقة التطوع والأوقاف إلى بني هاشم، مروي عن أبي يوسف ومحمد في (النوادر)، وفي (شرح مختصر الكرخي) و(الإسبيجابي) و(المفيد) إذا سموا في الوقف، وفي الكرخي: إذا أطلق الوقف لا يجوز؛ لأن حكمهم حكم الأغنياء، وفي (شرح القدوري): الصدقة الواجبة كالزكاة والعشر والنذور والكفارات لا تجوز لهم، وأما الصدقة على وجه الصلة والتطوع فلا بأس، وجوز بعض المالكية صدقة التطوع لهم.

وعن أحمد روايتان، وعند الشافعية فيها وجهان، وفي النذور خلاف عندهم، ذكر ذلك إمام الحرمين في (النهاية)، وفي (التوضيح): وفي الحديث دلالة واضحة على تحريم الصدقة على آله صلى الله عليه وسلم، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وللمالكية في إعطائهم من الصدقة أربعة أقوال: الجواز والمنع، ثالثها يعطون من التطوع دون الواجب، رابعها عكسه؛ لأن المنة قد تقع فيها. والمنع أولاها.

وقال الطبري في مقالة أبي يوسف: لا القياس أصاب ولا الخبر اتبع، وذلك أن كل صدقة وزكاة أوساخ الناس وغسالة ذنوب من أخذت منه، هاشميا أو مطلبيا، ولم يفرق الله ولا رسوله بين شيء منها بافتراق حال المأخوذ ذلك منه، قال: وصاحبه أشد قولا منه؛ لأنه لزم ظاهر التنزيل وهو إنما الصدقات للفقراء الآية، وأنكر الأخبار الواردة بتحريمها على بني هاشم، فلا ظاهر التنزيل لزموا ولا بالخبر قالوا.

(قلت): هذا كلام صادر من غير روية، ناشئ عن تعصب باطل، وأبو يوسف من أعرف الناس بموارد التنزيل وأعلمهم بتأويل الأخبار ومداركها، وهذا الطحاوي الذي هو من أكبر أئمة الحديث وأدرى الناس بمذهب أبي حنيفة وأقوال صاحبه نقل عن أبي يوسف أن التطوع يحرم على بني هاشم، فإذا كان التطوع حراما فالفرض أشد حرمة، ثم إنكار الطبري على صاحب أبي يوسف الذي هو الإمام أبو حنيفة أشد شناعة وأقبح إشاعة حيث يقول: إنه أنكر الأخبار الواردة بتحريمها، ففي أي موضع ذكر هذا عنه على هذه الصيغة؟! والمنقول عنه أنه قط لا يذهب إلى القياس إلا عند عدم النص من الشارع، فعادة هؤلاء المتعصبين أن ينسبوا رواية سقيمة أو شاذة إلى إمام من الأئمة الثلاثة رضي الله تعالى عنهم، ثم ينكروا عليه بذلك بما لا تحل نسبته إلى أحد منهم.

وفيه من الفوائد دفع الصدقات إلى السلطان.

وفيه أن السنة أخذ صدقة التمر عند جذاذه؛ لقوله تعالى: وآتوا حقه يوم حصاده فإن أخرجها عند محلها فسرقت فقال أبو حنيفة ومالك رضي الله تعالى عنهما: يجزئ عنه وهو قول الحسن.

وقال الزهري والثوري وأحمد: هو ضامن لها حتى يضعها مواضعها.

وقال الشافعي: إن كان بقي له من ماله ما فيه زكاة زكاه، وأما إذا أخر إخراجها حتى هلكت فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: إذا أمكن الأداء بعد حلول الحول وفرط حتى هلك المال فعليه الضمان.

وفيه أن المسجد قد ينتفع به في أمر جماعة المسلمين في غير الصلاة، ألا يرى أنه صلى الله عليه وسلم جمع فيه الصدقات، وجعله مخرجا لها، وكذلك أمر أن يوضع فيه مال البحرين حتى قسمه فيه، وكذلك كان يقعد فيه للوفود والحكم بين الناس، ومثل ذلك مما هو أبين منه لعب الحبشة بالحراب وتعلم المثاقفة، وكل ذلك إذا كان شاملا لجماعة المسلمين، وأما إذا كان العمل لخاصة نفسه فيكره، مثل الخياطة ونحوها، وقد كره قوم التأديب فيه؛ لأنه خاص، ورخص فيه آخرون؛ لما يرجى من نفع تعلم القرآن فيه.

وفيه جواز دخول الأطفال فيه، واللعب فيه بغير ما يسقط حرمته إذا كان الأطفال إذا نهوا انتهوا.

وفيه أنه ينبغي أن يتجنب الأطفال ما يتجنب الكبار من المحرمات.

وفيه أن الأطفال إذا نهوا عن الشيء يجب أن يعرفوا لأي شيء نهوا عنه؛ ليكونوا على علم إذا جاءهم أوان التكليف.

وفيه أن لأولياء الصغار المعاتبة عليهم، والحول بينهم وبين ما حرم الله على عباده، ألا يرى أنه صلى الله عليه وسلم استخرج التمر من الصدقة من فم الحسن، وهو طفل لا تلزمه الفرائض، ولم تجر عليه الأقلام، فبان بذلك أن الواجب على ولي الطفل والمعتوه إذا رآه يتناول خمرا يشربها أو لحم خنزير يأكله أو مالا لغيره يتلفه أن يمنعه من فعله، ويحول بينه وبين ذلك.

وقال صاحب [ ص: 82 ] (التوضيح): وفيه الدليل الواضح على صحة قول القائل: إن على ولي الصغيرة المتوفى عنها زوجها أن يجنبها الطيب والزينة والمبيت عن المسكن الذي تسكنه والنكاح وجميع ما يجب على البالغات المعتدات اجتنابه. وعلى خطأ قول القائل: ليس ذلك على الصغيرة؛ اعتلالا منهم بأنها غير متعبدة بشيء من الفرائض؛ لأن الحسن كان لا يلزمه الفرائض، فلم يكن لإخراج التمرة من فيه معنى إلا من أجل ما كان على النبي صلى الله عليه وسلم من منعه ما على المكلفين منه من أجل أنه وليه.

(قلت): يلزمهم على هذا أن يجتنبوا عن إلباسهم الصغار الحرير، ومع هذا جوزوا ذلك، وقياسهم المسألة المذكورة على قضية الحسن غير صحيح؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ما منع الحسن عن ذلك إلا لأجل أنه من جزئه، وليس ذلك لأجل ما كان عليه من منعه ما على المكلفين من ذلك، والتعليل بأنها غير متعبدة بشيء من الفرائض صحيح لا نزاع فيه لأحد، واعترافهم بصحة السند يلزمهم باعتراف الحكم به على ما لا يخفى على المتأمل.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث